الرئيسية / إضاءات / الشاعر مخدوم قولي.. متنبي تركمانستان

الشاعر مخدوم قولي.. متنبي تركمانستان


جهاد هديب *

هل يشعر المرء بالخجل من هذا الإفراط المبالغ به من الاكتفاء بـ”الذات”؟ إذ تبلغ نسبة الكتب المترجمة إلى العربية من بين تلك التي تُنشر سنويا 11 % من جملة ما يتم طباعته وذلك بحسب التقرير العربي الخامس للتنمية الثقافية. ينتاب المرء هذا الإحساس ما أن يشرع في قراءة كتاب “ديوان مخدوم قولي” الذي يقدّم لترجمته بالعربية رئيس تركمانستان الحالي قربان قولي مهدي محمدوف، وذلك من جهة، ثم إن الترجمة التي بين يديه لم تنجزها يدٌ ومخيلةٌ عربية بل هي من صنيع باحثين علميين تركمانستانيين من معهد المخطوطات القومي لأكاديمية العلوم التركمانستانية وضبط قوافيها باللغة العربية الدكتور إبراهيم مصطفى الحمد من جهة أخرى، ثم إن الكتاب مطبوع على نفقة السفارة التركمانستانية في الإمارات ومن القطع الكبير والفاخر وبقرابة الخمسمئة صفحة.

في أي حال، ومن باب التعريف فإن تركمانستان هي إحدى الدول التي تنتمي إلى قوس الحضارة العربية والإسلامية والتي فيها مدينة بُخارى ذات الدور المركزي في الثقافة العربية والإسلامية في واحدة من اللحظات التاريخية الحاسمة. أيضا، يعتبر الشاعر مخدوم قولي، الذي نسمع به لأول مرة بالعربية، الشاعر القومي لشعب التركمان. هذا الشعب الذي ينحدر منه تركمان بيننا نحن العرب في سوريا والعراق.

معرفة شعب

يشعر المرء أن الكتاب، ترجمة وتقديما وطباعة، ما هو إلا نتاج حرص أكيد من قِبَل “شعب” يريد لك أن تعرفه أو أن تتعرف إليه أكثر بوصفك قارئا عربيا. في المقابل، عليك أن تقرأه بهذا الوعي وأن تجد له أثناء القراءة مقاربته في الثقافة والشعر العربيين. وما إن يتقدم الخطو في القراءة، حتى يشعر المرء بأن لمخدوم قولي وجها يشبه وجه المتنبي من حيث المكانة التاريخية في الثقافة العربية ويتقاطع معه في البعض من أغراضه وموضوعاته الشعرية، لكنْ يفترق أحدهما عن الآخر في أنّ المتنبي شاعر حضري بامتياز في حين أن مخدوم قولي هو شاعر ريفي بامتياز، أي شاعر طبيعة وخبرة تلقائية أو شفوية، إذا جاز التوصيف، إلى حدّ أن الخاطر يستدعي بعفوية مقاطع من الكتاب ذائع الصيت في الثقافة العربية “داغستان بلدي” لرسول حمزاتوف. في حين أن المتنبي كانت مشاغله الشعرية متأثرة تماما بمشاغل الإرث الشعري العربي وبدور الشاعر في الزمن الذي عاش فيه وعاصر أحداثه.

في أي حال فإن ما ينبغي التنبيه إليه، بدءا، أن هذا الكتاب “ديوان مخدوم قولي” في جزئه الأول ما كان لنراه عربيا، على الأرجح، لولا الجهد الذي بذله مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، الذي لمناسبة هذا الصدور أقام ندوة خاصة بالشاعر مؤخرا أسهم فيها مثقفون إماراتيون وعرب وتركمانستانيون.

وبحسب مقدمة الرئيس التركمانستاني فإن مخدوم قولي، الذي عاش في القرن الثامن عشر في لحظات تاريخية كانت تتولد فيها الأمة التركمانية بعيدا عن الإرث العثماني الباهظ، هو الشاعر القومي التركماني في المقام الأول إذ “ترسخ مخدوم قولي في ذاكرة الشعب وسويداء قلبه إلى الأبد، لانسجام وجهة نظره الفلسفية نحو الحياة والبشر والوطن والحب مع مشاعر الإنسان الدقيقة (ربما كان المقصود صفة الرقيقة) حيث استخدم في ذلك بمهارة فائقة أفضل أساليب سرد الأفكار”. ويصف الرئيس شاعره القومي في موقع آخر في المقدمة ذاتها بأنه “كحجر المحك الذي يميز بدون خطأ بين الخير والشر وصار نور عيونهم الذي لا يخمد أبدا”. أما بعيدا عن ذلك وعلى نحو أعمق فيقول: “مخدوم قولي هو طبيب روحي لقلب الإنسان”.

ومن خلال قراءة الكتاب، يتبيّن للقارئ أن الأسلوب البسيط واللغة المفهومة والواضحة التي تصيب قلب المعنى تماما وكذلك تتآلف مع طبع وسجية تركمانستان القرن الثامن عشر قد كانت سببا أساسيا في أن يتبوأ مخدوم قولي هذا الموقع في وجدان الشعب التركماني وأن يستمر حاضرا فيه حتى اللحظة إنما ليس بمعزل عن جملة ظروف تاريخية مركّبة مثلما هي تلك الظروف التي أدّت إلى أنْ يتبوأ المتنبي مكانته في الثقافة العربية.

إنما هناك مشكلتان بالفعل يواجههما القارئ، فالكتاب يخلو من الشروحات ومن الإحالات أحداث تاريخية بعينها وإلى أهميتها بالنسبة للشعب التركماني تاريخيا وكذلك الإحالات إلى الأمكنة التي لا يستطيع القارئ تخيلها أثناء فعل القراءة ذلك أن مخدوم قولي كان أيضا ابن زمنه وظرفه ولم أعلى من شرطه التاريخي أيضا، وتتمثل المشكلة الأخيرة أن الكتاب كان يحتاج إلى ضبط لغوي من قبل “محرر” صانع أكثر من حاجته إلى مَنْ يضع له التقفية بالعربية فحسب. ذلك أن البعض من المقاطع الشعرية تُغرق في الغموض إلى حدّ الإبهام بسبب حاجتها إلى ضبط نحوي أيضا. إنها عثرات بسيطة يفاجأ بها المرء أثناء القراءة.

ربما يكون الغزل بوصفه غرضا شعريا لدى مخدوم قولي أقرب إلى القلب من سواه، بسبب ارتباط هذا الغزل بالفَقْد والحنين. يقول في قصيدة حملت العنوان “رافقني”:

“من بُكا عينيْكِ قلبي يمرضُ

وجهُكِ الحلوُ أضاءَ الفجرَ لي

حينما فارَقْتِنِي عَمَّ الظَّلامْ

فالنَّوَى يكتبُ دوماً مقتلِي

◆ ◆ ◆

كلُّ أرضٍ دونَ عينيك يَبَابْ

وأنا أبحثُ بينَ الطُّرُقِ

يا ملاكي أنتِ ضيَّعْتِ الفؤادْ

فحياتي قَلَقٌ في قَلَقِ”

وفي قصيدة أخرى حملت العنوان “الفرق بيني وبين منكلي” وهي حبيبة الشاعر:

“ يحلُو لها ألمي وليلُ مواجِعي

نَظَرَاتُها النَّجْلاءُ ليستْ ترحمُ

فكأنَّها العنقاءُ ترمي نارَها

وَتُسَرُّ من رؤيا رماديَ يُضْرَمُ

◆ ◆ ◆

يَنْبُوعُ عزمِي لا يَكِلُّ وإنَّها

لجفافِ ينبوعي تريدُ وتَطْلُبُ

فالماءُ جَفَّ من البِعَادِ ولم يَزَلْ

منها لينبوعي حِرَابٌ تُضْرَبُ

◆ ◆ ◆

(مخدومُ) فلتخلعْ لباسَ النَّارِ لنْ

يُجديكَ هذا الوجدُ إلا أدمعا

وأَراكَ لو حَدَّثْتَ أحرقتَ المدَى

فالنَّارُ قد وَجَدَتْ بقلبِك مرتَعَا”

المكان وتقاليده

هل حقا هناك ثمة ما يذكّر بقيس وليلى في هذا الشعر؟ وسواه من شعراء الفقد والحنين في الشعرية العربية؟ قد يصحّ ذلك، إنما إلى حدّ ما، ذلك أنّ أشعار مخدوم قولي ليست مرتبطة فحسب بالمكان وشخصياته بل أيضا بتقاليد وأعراف لحياة اجتماعية كانت سائدة في زمنه المضطرب. غير أن ما يحدس به المرء أن الثقافة العالية واللغات الأخرى التي أتقنها مخدوم قولي ربما أتاحت له الاطلاع على شيء من الشعر العربي فجعلت شعره قريب من مخيلة قارئ عربي ومن طبعه إذا كان مطلا على الشعر الكلاسيكي العربي.

لكن أشعار الغزل بما هي فقد وحنين لمحبوب متخيَّل أو غادر ولن يعود لا تحتل مساحة كبيرة في “ديوان مخدوم قولي”، لكن تتأكد النزعة الدينية إذ تختلط بمقاربات وسمات حضارية للشعب التركماني قد احتلت حيّزا في أشعار مخدوم قولي، ربما بسبب الشرط التاريخي الذي عاشه الشعب التركماني في القرن الثامن عشر، ذهب إلى ذلك الباحث عمر أحمد بوقرورة (الجزائر): “فالنص الأدبي الشعري عند مخدوم قولي شعر (هو الآن سؤال) عن المنتمي الذي تقبع ملامحه وحدوده الروحية في الشرق ( الحضارة الإسلامية ) هكذا نجد الفضاء الشعري الذي لا يتشكل إلا بالامتداد المركب الماثل في الوطن التركماني الذي لا يمكنه أن يحضر إلا بالإسلام، وحينها فقط يكتمل الفضاء الشعري إنها الثنائية المركزية المركبة التي تغدو مرجعا جامعا يؤسس لكيان ولفضاء تركماني عتيد لا يمكن اختراقه أو تجاوزه”. خلال الندوة التي أقامها مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، وبالفعل يتكئ قولي في الكثير من قصائده على القصّ القرآني وسِيَر الأنبياء وكل ذلك الذي من شأنه أن يؤثر في وجدان التركماني العادي في دعوته له لتجاوز الفرقة والالتفات إلى ما يجمع (وهو ديني هنا ثم تاريخي وجغرافي لاحقا) والنأي عن النزعة القبلية التي يبدو أنها كانت شائعة في أوساط تركمانستان القرن الثامن عشر.

أيضا يبدو أن ذلك لم يكن بمعزل عن “شتات” الهوية التاريخية والحضارية التي كانت تهدد الشعب التركماني بالامحاء أمام الغرب الأوروبي وهي الجغرافيا التي تنبض بقلب إسلامي وتنتمي لآسيا الأوروبية جغرافيا. ومن هنا يمكن الحديث عن شعر الالتزام بمعناها الراهن في الشعر العربي، أي أن الكثير من شعر مخدوم قولي كان “شعر قضية” وردّ فعل على وطن وشعب يتهدده غياب ذاكرته التاريخية، غير أن هذا الالتزام يأخذ منحيين أحدهما ديني مرجعيته الإسلام بوصفه حاضنة لهذا الشعب ووطنية شديدة الالتصاق بالشخصية التركمانية وتاريخيتها في لحظة كانت الجغرافيا التركمانية تستبدل مستعمرا بآخر. ربما يكون هذا هو السبب الأصيل في أن مخدوم قولي ما زال حتى الآن شاعرا قوميا بالنسبة للشعب التركماني، وله هذا الحضور في الذاكرة الجمعية لشعبه الذي يكِّن له هذا الاحترام الكبير.

يمكن القول أن “ديوان مخدوم قولي” قد يفتح الباب للتعرف على أدب شعب ينتمي إلى القوس الثقافي والحضاري الذي ننتمي إليه، إذ بالتأكيد فإن مشاغل الأدب التركماني لم تعد مثلما كانت في السابق.

( الاتحاد الثقافي )

شاهد أيضاً

جائزة يوسف عيدابي للبحث المسرحي

الشارقة- تأسست جائزة يوسف عيدابي للبحث المسرحي باتفاق ثلة من المسرحيين السودانيين المقيمين في إمارة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *