الرئيسية / إضاءات / أولاد أحمد: الثورة التونسية لم تنجز سوى عمل في اللغة

أولاد أحمد: الثورة التونسية لم تنجز سوى عمل في اللغة


حوار : عناية جابر *


محمد الصغير أولاد أحمد، شاعر تونسي أسس أول «بيت شعر» عربي عام (1992)، ليصبح في ما بعد تقليداً عربياً. صدر له في الشعر: «نشيد الأيام الستة» و«ليس لي مشكلة» و«جنوب الماء» و«الوصيَّة»، وفي النثر: «تفاصيل» إلى كتب قيد الطبع تحت عناوين: «القيادة الشعرية للثورة التونسية» و«يوميات الثورة». في زيارته القصيرة إلى بيروت، قارئاً فيها الشعر للمرة الأولى، التقيناه، فكان هذا الحديث:

هل نجاح قصيدتك من جرسها الموسيقي ومواءمتها مع الإلقاء المنبري؟


^ سؤال ماكر؟ ومزدوج في الوقت نفسه. الإلقاء الجيد ليس دليلاً على قيمة القصيدة. فهناك شعراء عديدون إلقاؤهم مسرحي ورائع. لكننا بالعودة إلى قصائدهم المقروءة نكتشف انها قصائد تافهة. في المقابل حين كنّا نستمع إلى عبد الوهاب البياتي قبل أن يموت كان إلقاؤه بسيطاً، لكن قصائده عميقة. الوقوف على الرقع مسألة دربة وكوني أكتب الشعر الموزون والمقطعي أمر يعنيني على الإلقاء. أما نجاح قصيدتي فهو تقييم كريم منك.



تتلمس من خلال شعرك، وظيفة ما للشعر، فمعظم أغراض القصيدة عندك ذات مداليل ثورية وأخلاقية؟



^ الأيام تمر بسرعة والموت يقترب. سوف لا نعود إلى نظرية الفن للفن. ولا إلى انطونيو غرامشي ومفهوم المثقف العضوي، نقول فقط: الشعر (والفن عموماً) حاجة اجتماعية قبل ان يكون إنتاجاً فردياً. المجتمعات، الشعوب، تحتاج إلى الدين والشعر والسحر والسياسة والأحلام والأوهام. في الثلاثين سنة الأخيرة طوّح بنا مفهوم الحداثة الشعرية ومفهوم ما بعد الحداثة إلى أفق عدمي سخيف، يتمثل في القول: «إذا فهم القارئ قصيدتي فأنا شاعر متوسط». يكتب الشاعر باللغة. اللغة لها نحو وصرف، إذن لها منطق. والقارئ ليس ذلك الجاهل المتخيّل في ذهن الشاعر والكاتب، فقد يكون أكثر علماً منه. في المحصلة، كانت الايديولوجيا تكتبنا في المسافة الفاصلة بين الكاتب والقارئ بحيث لم تكن تنبع من ذواتنا لكي تصل إليه. كانت تلك رؤية مدرسية تعليمية. يكفي ان تمسك بذاتك في لحظة ما من الزمن كي تصل إلى الآخر، باعتباره شبيهك. لذلك كانت العرب تقول: «هذا الشاعر ينحت من جسده وسيموت صغيراً».


تحرص في ختام القصيدة تقديم قفلة قوية، وتحرص على تماسك العمل ليأتي الأخير كلاً متماسكاً؟



^ العمل الفني، سواء كان قصيدة أو مسرحية… الخ، مشروط بالبناء. والموهبة لا تمثل سوى نزر قليل من العمل، أو الشغل الإبداعي رغم انها أساسية. حين يختل البناء الكلي تضعف القصيدة ويضيع القارئ ـ السامع. اللغة في الشعر، لغة وسيلة وعائق في الوقت نفسه، نكتب بها وتكتب بنا، والشاعر الرديء هو الذي يعرف سلفاً ما سيبدع لاحقاً.
الكتابة مغامرة وتهويم وبحث في اللاشيء، لكنها في الحقيقة تستمر على بنية، على وحدة، وهذا ما يفسر تواصل الكتابة.

اللحظة الشعرية

هناك ميل شديد في قصيدتك على العثور عمّا يصعب العثور عليه.. أعني تلك التمنيات المستحيلة في الحقيقة؟



^ تماماً. في الشعر لا يكون الزمن تاريخياً بحيث ينقسم إلى ماض وحاضر ومستقبل. الشاعر الفرنسي برنار نويل يقول في هذا السياق: «أتذكر المستقبل جيداً». إذن، الكتابة الشعرية هي محاولة للإمساك باللحظة التي يسميها مارتين هيديغير، اللحظة الفريدة والمتمردة. لست مع الذين يقولون «ليس بالإمكان أفضل ممّا كان» لأن هناك معاني جديدة أصيلة يمكن استنباطها. إذاً، غاية الشاعر كإنسان، وكمبدع هو الوصول إلى فرادة في الأسلوب، حتى يخلد في ما بعد.



إلى أي مدى يحتمل الشعر، الدعوة إلى الثورة والرفض وإمكانية التغيير من خلاله؟



^ ليس هناك شعر. هناك شعراء، هناك إنسان يكتب. وإذا كان لا بد من خيار بين الشعر والحياة فإنني اختار الحياة. الحياة منجم الشعر ورحم له. قبل الثورة كان الشعر. شعراء عديدون في تاريخنا العربي قتلوا واستشهدوا. فالشعر لا يدعو إلى الثورة لأنه يثور وهو يكتب. ولذلك كانت جميع الثورات، بما فيها الثورات العربية التي نحن بصددها، تالية للشعر. نلاحظ أن بيتاً مثل هذا: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر» استدرجه الشعب إلى مشتقات وشعارات من نوع: «الشعب يريد إسقاط النظام» لكي يفوز بحريته. الثورات أنتجت لغة، أساليب، أغاني، فايسبوك، كلها جديدة، كالراب والغرافيتي. اللغة هي جذر الاستبدال والتغيير. تغيير في اللغة والتشريع.. الخ.


هذه أول مرة تقرأ في بيروت، هل تطابقت إيجابياً مع جمهور الشعر الذي جاء يسمعك، هل التطابق حصل مع ما دار في مخيلتك؟



^ رغم انني على عتبات الستين من العمر فقد قرأت الشعر لأول مرة في بيروت في مقهى شبابي ثقافي، وكنت سعيداً بالتجربة. بيروت كتابنا المفتوح من قبل الثورة التونسية وبعدها، لها نكهة خاصة، قدرة على التجدد والإعمار رغم الويلات. بيروت وتونس، تونس ولبنان أختان في هذه المنطقة العربية الغريبة، كانت زيارة ثرية باللقاءات المفيدة ومكنتني من التغلب على كسلي وسأعود إلى بيروت قريباً بعد نشر كتبي فيها. النشر في بيروت يوصلك كشاعر إلى كل المدن العربية القصية.



كيف ترى إلى المشهد الشعري العربي اليوم بعد الثورات؟



^ تقوم دولة الاستبداد العربي على أجهزة عدة. منها الجيش، الشرطة، الحزب الواحد، المثقفون، الشعراء، إذاً من الناحية السياسية يمكن محاسبة عديد الشعراء العرب على تواطئهم مع أنظمة الاستبداد، هذا من ناحية سياسية. من الناحية الشعرية، أتابع باهتمام بالغ كل ما يطرأ على اللغة ويعجبني كثير من كتابات الشباب وتخريجاتهم، خصوصاً بعد هذه الثورة التكنولوجية التي هي بصدد تشكيل لغة برقية، تواصلية، آنية، وكل هذه النعوت تنطبق على مفهوم الشعر ذاته باعتباره تكثيفاً يحاول الإمساك بتلك اللحظة الهاربة، الطائشة. قبل مدة كتبت مقالاً أبيّن فيه ان الثورة التونسية وأخواتها العربيات لم تنجز شيئاً مهماً إلى حد الآن، سوى عمل عميق في اللغة. وهذه الثورات لم تصل إلى الدولة المدنية ولم تصل إلى الديموقراطية ولم تصل إلى الثورة الثقافية.
وهي المفاهيم الثلاثة اللازمة لأية ثورة غير مغدورة. صار بإمكان المواطن العادي أن يقول للحاكم: «إرحل»، فيرحل. وصار بإمكان الحاكم الذي سيرحل مجبوراً أن يطرح على نفسه سؤالاً لغوياً آخر: «إلى أي بلد سأرحل؟» ويستطرد في طروحاته: «أي بلد سيستقبلني؟».
أين يوجد الشعر؟ هل هو في القصيدة؟ هل في النص المكتوب؟ أشك في ذلك. الشعر مبثوث في الحياة وعند الناس، يكفي الانتباه إلى الإيقاع اليومي للغة العادية للعثور على معنى أصيل.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الشعر هو لسان الناس. واللسان عند العرب هو اللغة.


( السفير )

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *