الرئيسية / إضاءات / الجلطي: الكتابة الروائية العربية فيها الكثير من الاستسهال..!

الجلطي: الكتابة الروائية العربية فيها الكثير من الاستسهال..!




حاورتها : خلود الفلاح ( ليبيا )

( ثقافات )



بمناسبة صدور روايتها الجديدة” نادي الصنوبر” نتحاور عبر هذا الفضاء الثقافي حول أسئلة الرواية مع الشاعرة والروائية الجزائرية ربيعة جلطي التي وإن دخلت عالم الكتابة السردية برواية ” الذروة” فانها لن تخون الشعر أو كما وصفته حبيب العمر.
تحاول الكشف من خلال رواياتها عن صوت الانسان المهمش والمقهور، كتبت عن النساء “اندلس وسعدية وعذرا وياقوت” ولكن لم تنحاز للنساء فقط.
تقول الكتابة تجريب مستمر والسرد يعيش معها لغته وأسراره وسعادته.



–  بعد عدة مجموعات شعرية… كتبت الرواية. هل يمكن اعتبار ذلك محاولة أخرى منك للتجريب؟
–  الكتابة سباحة في المجهول المعلوم، أشعر وأنا أكتب أكون مثل الطائر المهاجر الذي حين يحين موسم الرحيل إلى مناخ أو فضاء أو جغرافيا أخرى، بحدس شعري غير مفسر، يرفع جناحين، يشهرهما ثم يسافر، الطيرهذا حتى وإن كان لا يعرف الطريق كما نتصورها نحن، وكما يهندسها المهندسون، إلا انه يدرك الإدراك الذي لا يزعزعه مزعزع بأن الرحلة ستكون في هذا الاتجاه وليس في اتجاه آخر غيره، كذا أنا كهذا الطير حين أشعر بحدس الكتابة، أرفع جناحي، أشهرهما، ثم ابدأ الرحلة نحو مغامرة الرواية أو مغامرة الشعر، وأحدس بأنني ذاهبة في الاتجاه الذي أريده.
الكتابة تجريب مستمر، هي مثل صخرة سيزيف نرفعها عاليا حتى آخر التلة، ثم حين تهوي، نعاود التجربة دون يأس بكل ألمها ودهشتها ومتعتها.
التجريب في الكتابة دهشة، وأما حين يكون تجريب الكتابة هذا داخل فضاءي جنسين أدبيين أو داخل لغتين فإن متعة الدهشة تكون مضاعفة، كذلك هو حالي في الانتقال أو المرور غير المفسر من نص شعري مكثف يؤول حسب ثقافة قارئه درجات، إلى نص سردي روائي تتوسع أزمنته وأمكنته وشخوصه وتتداخل أحداثه مثل خيوط العنكبوت.


– هل شعرت يوما بخيانة الشعر؟
– الشعر لا يمكن خيانته، إنه مثل حبيب العمر، نضع على صدره رأسنا ونحلم حتى الموت، حين وُجِدْتُ وَجَدْتُ الشعر فيّ أو وجدتني فيه، هي أدوار نتبادلها دون أن نعرف من خلق الدور، ودون أن نعرف من يلعب دور من؟ الشعر الذي لا يوجد في الحياة، في حياتنا، في حياتي، عليه اللعنة، هو كتابة وليس شعرا، الشعر موجود شأنه شأن الموسيقى في تفاصيل يومي من كلمة صباح الخير أقولها لابني هزار إلى مساء الخير أقولها لابني إلياس إلى سفر سعيد أقولها للينا ابنتي إلى عبارة: أي فيلم سنشاهده هذا المساء؟ أقولها لأمين… هو الشعر نَفَس وهواء وناس. وحين أكتب الرواية دون شك لا أطرد الشعر خارج البيت أو أنفيه من نبض المداد، إنه هنا في عروق السرد وفي خفقان الشخصيات وفي هواجس الحكاية. من خان الشعر خان الصدق في الحياة.


– في إحدى حواراتك قلتِ: “الروايات في الساحة الثقافية تكاد تكون متشابهة، وكأن لا أغلفة تفصلها ولا عناوين ولا تواريخ. برأيك هل أصبح السرد العربي عاجزاً؟ وهل تجاوزت بأعمالك الروائية ما لم يعجبك في الأعمال الروائية التي تحدثت عنها؟
– أشعر بأن السرد العربي مع استثناءات قليلة يعيش خارج الصدق، يبدو أن الكتابة الروائية العربية فيها كثير من الاستسهال، إني أشعر بأننا انفصلنا في الكتابة الروائية المعاصرة من جهة عن الموروث السردي العربي الكبيرة من كتابات المعري وأبي حيان التوحيدي والجاحظ وألف ليلة وليلة وكتب الأخبار والنوادر واللصوص وكتب الفقهاء الجريئة فلم نعد نقرأها بعد أن صادرها التحنيطيون والمتطرفون في العالم العربي والإسلامي ومن جهة أخرى وفي ضوء ضعف الترجمة إلى العربية وضعف تعليم اللغات الأجنبية أصبحت علاقتنا بما يكتب في الرواية العالمية محدودة إن لم أقل معزولة أو مشوهة نظرا للترجمات المقموعة. انطلاقا من ذلك يبدو لي أن الرواية العربية تحتاج إلى تثقيف وإلى إعادة وصلها من جهة، وبشكل نقدي، بالتراث السردي العربي الكبير ومن جهة أخرى بالمنجزات العالمية الكبرى في باب الرواية الانسانية خاصة الرواية الآسوية الشرقية، وأقصد بذلك الرواية اليابانية والكورية والباكستانية والصينية، ففي هذا المنجز الروائي الشرقي كثير من تقاطعات السرد الذي فقده العرب، فأعتقد أن العودة إلى مثل هذا السرد الآسيوي الشرقي الكبير من شأنه أن يفتح التجربة الروائية العربية على تجريب متميز في الكتابة التي نطمح دفع الرواية العربية والسرد العربي في اتجاهه. 


– في روايتك الأولى ” الذروة” قرانا شعراً. الم تتوقعي أن يؤثر ذلك على عملية السرد؟ 
– لا أعرف ماذا تقصدين بالشعر في السؤال؟ إذا كنت تقصدين “الإنشادية” فأنا لم أكتبها يوما في تجربتي الشعرية منذ أول ديوان صدر لي بدار الكرمل “تضاريس لوجه غير باريسي” و حتى آخر ديوان هو “حجر حائر” الصادر عن دار النهضة ببيروت، في هذا المسار الشعري كان الشعر مرادفا للسرد. من يقرأ قصائدي سيكتشف فيها كثيرا من الحوارات والحكايات واللعب بالأزمنة والصرف، لذلك فالسرد الروائي كان يحتضن شعريته من حيث أنه سرد، أي شعرية النص الروائي، أي الشعرية الروائية التي تعني فلسفيا تطور الحالات الدرامية للشخوص في علاقتها مع المعطيات الاجتماعية والتاريخية لا في علاقتها المغلقة مع اللغة أو مع الذات المتكورة حول نقطة ارتكازها الصغيرة أو الأنا المنتفخة. ثم إنني لا أ شخوص الرواية معي تعيش لغتها وحياتها وأسرارها وفجائعياتها وسعاداتها، الشعر ليس ضعفا في السرد حين يشع من داخل الحدث بل هو أجمل وأعظم ما في السرد حين يكون جزءا أساسيا في تشكيل شعرية سردية، شخصيا لا أستسيغ بعض الروايات التي يحاول مؤلفوها تغطية ضعف السرد وشروط الرواية بلغة شعرية مجنحة لا تضيف إلى أحداث الرواية شيئا أساسيا أو تدفع بها نحو الامام. إلا أن ذاكرة الأدب العربي حتى الآن لا يمكن أن تنسى نصوصا لجبران خليل جبران وفيكتور هيغو لأنهما كانا في الشعر وهما يكتبان النص السردي وهما يكتبان النص الشعري. الشعر لا أراه عيبا حين يكون جزءا أساسيا من مفاصل لغة السرد ومن دهشة الحكاية ومن الحفر في أغوار النفس للشخصيات، وهذا ما حاولت الاشتغال عليه في روايتي “الذروة” وكذا في روايتي الجديدة “نادي الصنوبر” الصادرة هذه الأيام عن الدار العربية للعلوم بيروت ومنشورات الاختلاف الجزائر والتي ستكون حاضرة في معرض الكتاب الدولي. 

 
– شخصية ” أندلس” في الذروة تمثل تلك الحرية المفقودة في عالمنا العربي. ماذا تقولين عن ذلك؟
– شخصية أندلس في رمزيتها وواقعيتها قد تكون جدتي التي تنزل من الأندلس مافتئت تتذكر ما روي لها عن أجدادها عن محنة الطرد ومغادرة الأرض، تلك الأندلس التي بها عاشوا وفيها دفنوا ذويهم وفيها وعليها أسسوا ذاكراتهم وإبداعهم وغناءهم وموسيقاهم وشعرهم ولغتهم وأحلامهم. أندلس هي أنا وأنتِ وأخريات بكل ما نحمله في دواخلنا من ضوء وإنسانية ومن مقاومة للتفسخ والذل وثقافة السمسرة التي تتعرض لها المرأة، او ما يسمى بالرقيق الأبيض المعاصر، سوقه الرائجة حتى الآن في أوساط الطبقات السياسية. أندلس صعبة المنال،هي المقاومة وهي النظافة ومناهضة المسخ الذي تتعرض له بلادنا ومن خلفها البلدان العربية حين تريد أن تستثمر في قمع المرأة عن طريق إدخالها في بورصة “الجسد” بورصة جديدة بلغة سياسية، أو من خلال مناصب سياسية تؤدي أدوارا تشبه أدوار دمى الصالونات!!.
أندلس هي الضمير الحي ” اللوحة المعلقة فوق رأس سرير صاحب الغلالة ومن يأتي بعده” تؤرقهم فلا هم يستطيعون الوصول إليها وتلويثها ولا هم يستطيعون نسيانها. أندلس هي رمز المرأة الجزائرية التي تستعيد مجد المرأة الجزائرية ضد الاستعمار وضد الخطاب التدجيني الليبرالي منه أو الديني وهي أيضا المرأة العربية التي تستعيد من خلال الرفض والتأسيس لخطاب جديد، تستعيد خطابات المقاومة للمرأة العربية منذ القرن التاسع عشر.

 
– صراع الخير والشر بين أندلس والياقوت وسعدية هو صراعنا اليومي في الحياة. هؤلاء النسوة اختلفت خياراتهن واتفقنا على البحث عن السعادة. مارايك؟
– النساء كالرجال ضحية اللعبة السياسية، والفساد كما قد يطال النساء يطال الرجال، وبذات المواصفات، فبقدر ما هناك رجال فاسدون وآخرون نظيفون يقاومون الفساد فهناك أيضا نساء ساقطات وأخريات واعيات تقاومن الفساد حيث يأخذ السقوط أشكالا مختلفة، جسدية بضائعية أو سياسية أو مالية.
الفساد لا جنس له، الفساد لا مذكر فيه ولا مؤنث، الفساد جنس آخر، يأكل من الرجال ومن النساء على حد سواء. وفي روايتي “الذروة” حاولت أن أطرح هذه المواجهة ما بين الفاسد والمقاوم من خلال ثلاث نساء، أندلس رمز الخير والجمال الصادق والمقاومة وسعدية والياقوت رمز الانحطاط والفساد والاستبضاع بكل معانيه، ومع أنهن من جيل واحد إلا أن التكوين الثقافي والتجربة الفردية تجعلهن مختلفات ومتناقضات، وفي هذا الصراع حاولت رسم ما آلت إليه المرأة الجزائرية في ظل الخطابات السياسية التحديثية والاستهلاكية والدينية المتطرفة. 


– هل تبحثين عن قارئ نوعي؟
– صحيح أنني أتمنى أن تقرأ روايتي في كل مكان وفي أوساط مختلفة اجتماعيا ولغويا و جغرافيا لأنها في نهاية المطاف رواية للإنسان ونص في نشيد الحرية ومديح الحياة الكريمة ضد الظلم والتهميش، لذا حين أكتب، وأساسا في لحظة الكتابة الإبداعية، لا أفكر في قارئ معين، لكني حين أخرج من حالة الابداع أو من زمن الكتابة إلى زمن القراءة أتمنى أن يقرأ العرب هذا النص لأنه لهم وأتمنى في الوقت نفسه أن يقرأه الآخرون من غير العرب لأننا في نهاية المطاف نتقاسم هذه الأرض ونتقاسم السماء وشمس الصباح وظلمة الليل ونتقاسم هاجس المعركة ضد القبح والظلم والفقر والعبودية الفردية والجماعية.


_ روايتك الجديدة ” نادي الصنوبر” تسردين حياة نساء تعيسات بداية من الحاجة عذرا. لماذا تختارين عوالم النساء لتقدمي من خلالها نصك؟
_ أنا لا أنحاز للكتابة عن النساء أو للنساء، “نادي الصنوبر” رواية فيها كثير من الشخوص من الرجال والنساء على السواء، أنا كاتبة مجتمع وليس جزء من مجتمع، فلا يمكن قراءة شخصية الحاجة عذرا دون معرفة أسرار وخفايا الشاب مسعود الذي تطحنه ظروف البلاد من بطالة و”محسوبية” وظلم، فالرواية مكتوبة ببوليفونية (أي بأصوات متعددة) من الجنسين، وإذا ما كان صوت الحاجة عذرا عاليا وواضحا في الرواية فإن للأمر تفسيرا، فالمرأة يجب أن يرتفع صوتها قليلا كي تسمع في عالم ذكوري لا يسمع سوى نفسه وأنانياته وأحلامه الصغيرة الاستهلاكية، كما أن الفتيات الثلاث يواجهن الواقع من خلال العلاقة مع الرجل، أي التموقعات التي توجدن فيها هي تموقعات اجتماعية وتاريخية صادقة، ومن خلال هذا التواجد تمارسن المقاومة بكل ما قد يعترض حيواتهن من سقوط وأيضا من تفوق ونجاح.


 


– هل تتفقين معي ان الفساد السياسي هو القاسم بين رواية” الذروة” ورواية “نادي الصنوبر”؟
–  أنا لا أكتب الرواية السياسية بالمفهوم الأيديولوجي العاري للرواية ولكن في الوقت نفسه وانطلاقا من أنني مواطنة أعيش عصري بكل تفاصيله أكتب عن الحب وعن الغواية ولكن لا يمنعني هذا ولا يغشى بصري وقلمي من أن أنظر بتمعن إلى الحياة في عنفوانها ولا أغض البصر أبدا عن حياة الناس من حولي سواء منهم الذين يسببون الأزمة أو الذين يعيشونها، أعيش معهم وألمس واقعا ومحيطا بكل ما فيه من فساد، والفساد في هذه السنوات الأخيرة، الرواية الممتعة تشبه المقطوعة الموسيقية التي تتراقص على مجمل السلم الموسيقي، الرواية هي الأخرى تحتاج إلى لغة الهمس التي تسكن بين جوانح كل منا وإلى اللغة العالية التي يحتاجها كفرد من الشعب في تنديده بوضعه الذي آل إليه. لذا فبالمقدار الذي تكتب فيه روايتا “الذروة” و “نادي الصنوبر” الحب والتواصل والأزمات الذاتية، فإنها تكتب الفساد الذي لا يمكننا أن نشعر به كظاهرة قاتلة إلا حين يتحول إلى ضغط قاس على الفرد وأساسا المرأة. لذا أقول بأن موضوع الفساد السياسي والأخلاقي موضوع أساسي في رواياتي وهما بذلك يكونان الصوت المعبر عن الحلم الجزائري وأيضا عن الحلم العربي في محاولات التخلص من الديكتاتوريات الجاثمة على العباد منذ سبعين سنة، ولعلي كنت منذ رواية “الذروة” قد تنبأت بالربيع العربي، وبما يمكن أن يوصل إليه هذا الواقع العربي المغلق والمنتفخ بالكذب على الشعوب. لكني أعيد وأقول بأنني ضد الرواية الأيديولوجية، فأنا كاتبة أدب وجمال ورمز. إني أحرص وأنا أكتب عن الفساد تحقيق شيء مركزي في الكتابة السردية وهي الامتاع، امتاع القارئ وإدهاشه. إمتاعه وإدهاشه حتى وهو ينظر في مرآة مهشمة.


 


– الصور : ربيعة الجلطي، غلاف الرواية ، خلود الفلاح

شاهد أيضاً

كيف نقاوم وباء التضليل الماحق؟

*حبيب سروري تناولت، في مقالي السابق، إحدى مصائب عصرنا التكنولوجي الجديد: “ما بعد الحقيقة”، وشكليها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *