الرئيسية / مقالات / مقهى الأمم

مقهى الأمم


عزت القمحاوي *

بعض المهن تثير الحسد: مُشَّغل الفيلم في سينما، أمين مكتبة، حارس بيت الفيل في حديقة الحيوان ـ لا بيت الأسد، فهذا مخيف وكريه الرائحة ـ صاحب ملهى أو مقهى.
وهذه الأخيرة قد تكون الوظيفة الأكثر إغراء؛ فهي تتيح لصاحبها أن يرعى استثماره ويشتغل زبونًا طوال الوقت.
مهنة واحدة لا يتمناها المرء لنفسه: أن يكون أمينًا عامًا للأمم المتحدة التي تحولت إلى مقهى بائس، لا يتمتع بأية ميزة من ميزات المقاهي والملاهي وحدائق الحيوان.
ليس لدى بان كي مون طموح صاحب المقهى في النمو؛ فهو يعمل بأجر مقطوع لدورة أو دورتين، وليس هناك ما يغني عقله أو روحه في مناوشات الزبائن الدائمين أو في عروض الحواة والخطباء الذين يزورون المقهى في مواسم محددة، وليس لهم ألق حواة وخطباء المقاهي الحقيقية الذين جعلوا من المقاهي مكانًا جامعًا للترفيه والتثقيف والإعلام.
‘ ‘ ‘
حافظت المقاهي على الملاحم الكبرى بفضل احتضان الرواة والحكواتية، وساهمت في نمو أكثر نصوص الإنسانية فتنة ‘ألف ليلة وليلة’ الذي ظل ينمو بين ليلة وأخرى وبين مقهى وآخر عبر القرون، حتى تم تدوينه فتوقف نموه، إلى الأبد. وقدمت المقاهي في فترة لاحقة فن خيال الظل الذي كان له فضل توطين المسرح والتبشير بالسينما في مجتمعات شعبية.
وإن كان المقهى قد فقد وظائفه الثقافية والترفيهية بنمو فنون السيرك وانفصالها وانتشار المسرح والسينما، إلا أنه احتفظ بوظيفته ساحة للحرية، وفرصة للقاء بين الراغبين في الكلام وفرصة تأمل للمستوحدين وراحة للأبدان المتعبة، وهذا ما لا يوفره مقهى الأمم.
لا يذهب ممثلو الدول إلى مقهى الأمم بحريتهم كما يفعل رواد مقاهي الشارع، ليست هناك خيارات في الجلوس بين طاولة بالشارع أو بالداخل، منعزلة أو متصدرة، بل عليهم الجلوس في الأماكن الضيقة المحددة سلفًا، وباستثناء التثاؤب أو العبث بهواتفهم المحمولة، لا ندل يقدمون المشروبات، ولا رقعة شطرنج أو طاولة نرد ترفع عن الضجرين منهم عبء الوقت، يتكلمون بأوامر في الوقت المحدد وبالكلام المعتمد ممن أرسلوا بهم إلى هذا المقهى المضجر.
‘ ‘ ‘
لا شيء يحدث في الأمم المتحدة يبرر بقاءها على وضعها الحالي. ربما المبرر الوحيد الآن هو وجود موظفين لا يمكن تسريحهم لإضافة المزيد من العاطلين في ظل الأزمة الاقتصادية المستحكمة. لهذا تواصل الدول دفع حصصها المالية والدفع بمندوبيها، وبين الحين والحين يُمشي الرؤساء أرجلهم إلى الأمم المتحدة يلقون كلمات تمثلهم تمامًا من دون أثر في رواد المقهى.
للجلاد أن يغتصب ثوب الضحية، وأن يبدو أوباما غير بوش، وأن يتوهم نتنياهو أنه أفضل من أحمدي نجاد، وأن يعتقد محمد مرسي أنه الرئيس الذي استحقته مصر بعد ثورتها.
‘ ‘ ‘
أعاد أوباما المفوه لمقهى الأمم كل وظائف المقهى. ابتدأ بإحياء فن القص من خلال قصة ‘مواطن أمريكي يدعى كريس ستيفنس، ابن لمحام وموسيقية’. هكذا بضربة واحدة صار السفير الأمريكي المقتول في بنغازي ابنًا للقانون والفن، وهذا النسب بالحكاية كاف لكي نفهم أن سفراء أمريكا يمثلون العدالة والجمال، وليس من العدالة والجمال أن يقتلوا الرجل الذي جسد ‘أفضل ما في أمريكا’.
كل أدوار السفير الأخرى محجوبة في خطاب أوباما. ومهما كانت بشاعتها فلا أحد يمكن أن يقر قتله، لكن الخطيب الأمريكي المفوه استطاع أن يستثمر تعاطف المشاهدين خارج القاعة مع رجل ميت ويمرر زعم الدور الخير لبلاده.
لا ينتقل من استهلال الحكواتي حتى يدخل إلى دور البهلوان ولاعب الثلاث ورقات؛ فيلصق العملية الإرهابية بردود الفعل الغاضبة على فيلم. ولأن ردود فعل السلفيين المسلمين كانت بشعة، ولأن دماءهم ودماء الشرطة في بلادهم سالت، فقد صارت أجسادهم لبيسة للتهم ومن السهل على الرئيس الأمريكي أن يمرر ادعاءه، مع أنه تحدث بعد أن ثبت يقينًا أن العملية إرهابية، تدخل في نطاق مواجهات أريكا مع القاعدة.
ولم يزل بمقدوره أن يتحدث عن ‘الإلهام’ الذي تلقاه من الربيع العربي، وهو لا يعلم أن ‘مديح العدو’ تقنية عرفها شعر الفخر العربي منذ ألفي عام؛ فليس مما يدعو إلى الفخر الانتصار على خصم ضعيف.
يدعي أوباما أن إلهام الربيع العربي دفع بلاده إلى مساندة ذلك الربيع، والصحيح هو العكس تمامًا. ويكفي أن يعبث الأمريكيون بثورة الدولة الكبرى ‘مصر’ لكي يتمكنوا من تحويل الربيع العربي إلى فصل من الجحيم.
هم لقنوا العسكر خطة التصريح للجماعات المتشددة بإنشاء أحزابها، وهم الذين لقنوا السعودية والخليج تمويل هذه الجماعات والإنفاق على مرشحيها في الانتخابات وهم الذين وضعوا الإخوان في صدارة المرحلة. لكن الكاميرا التي صورت عبث محمد مرسي بأعضائه الحميمة لم تصور عبث الأمريكيين بالثورة المصرية.
وسيبقى حق الخطيب الأمريكي في قول ما يشاء مصونًا، لأن الخطيب المصري لا يعض اليد التي ساعدته، ولأنه خطيب مسجد لا خطيب منصة أممية؛ فسيذم نظام بشار ويطلب العون لنظا البشير، طبقًا لأي منطق؟! وحتى لو قبلنا المنطق، فإن مرسي كان يطلب من الأمم المتحدة مساعدة السودان، بينما ترعى أثيوبيا ـ وليست مصر ـ اتفاقًا جديدًا بين شمال وجنوب السودان!
وأما نتنياهو؛ فليست له خفة البهلوان القذافي الذي يفتقده جمهور مقهى الأمم، لكنه عوض غلظة بشار الأسد الذي كان يحيل جلسة الجامعة العربية إلى درس بائس، الغلظة فقط، لأن نتنياهو لا يتعاطى البلاغة الفارغة. بالرسم التوضيحي أطلع العالم على مستوى اليورانيوم داخل القنبلة الإيرانية. لم يبق فارغًا إلا العنق. ومن الخطر أن يكون هناك احتمال لامتلاك إيران لقنبلة، ولكن يقين امتلاك إسرائيل لترسانة نووية ليس خطرًا.
إيران خطرة لأنها دولة دينية، ولكن أية مقارنة مع الدولة الدينية الأخرى ‘إسرائيل’ هي لصالح إيران بالتأكيد؛ فهي في النهاية دولة لشعب يعيش على أرضه الخاصة منذ فجر التاريخ، بينما إسرائيل كيان استيطاني حديث قائم على احتلال أراضي الغير، وإيران دولة دينية في مرحلة طارئة من تاريخها.
وإذا افترضنا أن إيران تمثل الإسلام، واحتكمنا إلى النص الديني، فدعوة كتاب المسلمين هي نشر الإسلام على قاعدة المساواة بين البشر، بينما كتاب اليهود قاعدته الاستيطان واحتلال أرض الغير وإبادة سكانها واستعباد من يتبقى بعد أن يتعب اليهود من القتل!
وإيران ـ فوق ذلك ـ بداخلها بركان يتحرك ولا يجد فرصة لاستعادة مدنية الدولة الإيرانية بسبب ضغوط الغرب التي تقوي آيات الله، وإسرائيل دولة دينية بتوافق الإسرائيليين واعتراف العالم، وعلى أصحاب الأرض الأصليين أن يرتضوا دولة منزوعة السلاح تعترف بيهودية إسرائيل.
ولكن أحمدي نجاد ليس لديه بلاغة نتنياهو، وليس لدى زبائن مقهى الأمم من الوقت ما يكفي لأن يقص عليهم محمود عباس حكاية دولة لم تكن موجودة منذ ستين عامًا، وحكاية سكانها الذين لم يجف برازهم بعد في أوطانهم الأصلية التي تركوها وجاءوا إلى فلسطين ليبددوا سلام العالم.
وفي النهاية، من حق من شاء أن يقول ما شاء على منصة الأمم المتحدة، طالما أنها لم تعد جهة قرار. وهذا ما يدركه القتلة في سورية، ولكن الخطير في هذه المنصة هو البث المباشر الذي يوصل تلك الأصوات إلى الرأي العام العالمي ليساهم في تضليل الشعوب.


* روائي من مصر
( القدس العربي )


 

شاهد أيضاً

نهر الخمر

*د. ابتهال الخطيب هل يمكن أن تعيش حياة أخلاقية وأنت خائف؟ هو سؤال يلاحق البشرية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *