الرئيسية / مقالات / الدولة المدنية…ماذا تعني؟

الدولة المدنية…ماذا تعني؟


د.حسن حنفي*

كثر الحديث أخيراً عن مصطلح “الدولة المدنية” مثل مصطلحات أخرى عربية مثل: العلمانية، التعددية أو معربة مثل: الليبرالية، الديموقراطية. وظن الكثير أيضاً أنها مفاتيح الثورة على الأقل في مرحلة التحول الديموقراطي. حملها العلمانيون أو اليسار بكل فرقه، الليبرالي والقومي والماركسي والاشتراكي والديموقراطي. وتوجس منها الإسلاميون خيفة لأنها ألفاظ لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وهما المصدران الرئيسيان للتشريع. كما أنها تحمل في طياتها بعض المعاداة للدين أو على الأقل الحياد بالنسبة له نظراً للفصل المبدئي بين الدين والدولة باسم الحداثة.

ليس المهم النظريات في العلاقة بين الدولة والدين. وهي في الغالب من التراث الغربي تصب في تيار واحد، وهو الفصل بين الدين والدولة نظراً لظروف الغرب، المذابح بين البروتستانت والكاثوليك، تدخل الكنيسة في شؤون الدولة، وتدخل الدولة في شؤون الكنيسة بالتوجيه والطاعة، من له سلطة على الآخر أو بالتعاون كما كان الأمر في الحروب الصليبية. فلكل حضارة ظروفها. وقد تؤدي ظروفنا الحالية إلى نفس الحلول أو إلى حلول مغايرة. والنموذج الغربي لا يفرض إلا علاقة واحدة وهي علاقة الصراع منذ عصر الشهداء في الدولة الرومانية حتى العصر الحديث الذي أفرز الفصل بين الدين والدولة، وأخذ العلمانية حلاً. وفي الوقت الذي تم فيه التعاون بينهما أثناء الحروب الصليبية، التعاون من أجل العدوان على الخارج بين حركتي التبشير والاستعمار وتخليص الأراضي المقدسة من أيدي الكفرة المسلمين، كان اضطهاد الكنيسة للمفكرين الأحرار في الداخل في نفس الوقت قبل العصور الحديثة. وربما تم استغلال الدين منذ استشهاد متكلمين مثل الجعد بن درهم، وصوفية مثل الحلاج والسهرودي، واضطهاد وسجن آخرين مثل ابن حنبل وابن حزم وابن تيمية. ولكن في عصر التحرر من الاستعمار لعب الدين دوراً رئيسياً في التحرر بالجهاد ضد الاستعمار الأجنبي خاصة في الجزائر. فقد كان المقاتل الجزائري يحمل في طياته شيئين: القرآن الكريم وصورة عبد الناصر. وهو ما سماه القساوسة الثوار في أميركا اللاتينية “لاهوت التحرير”.

وفي المجتمعات النامية، مجتمعات العالم الثالث، مازال الدين يمثل العنصر الرئيسي في الموروث الثقافي. فلا يمكن تجاهله بل التعامل معه وصبه كعامل من عوامل التنمية. ولما كانت هذه المجتمعات في ثقافتها أقرب إلى المحافظة والتقليد منها إلى الحداثة والتجديد فقد تواصل معه “المحافظون”، وانقطع عنه المحدثون. وظلت الجماهير في حاجة إلى خطاب ثالث لا يتواصل ولا يقطع بل يجدد ويطور ويحدث. وكان يمكن للخطاب الإصلاحي أن يقوم بذلك لولا كبوة الإصلاح، من الأفغاني إلى محمد عبده إلى النصف بسبب فشل الثورة العرابية. ومن محمد عبده إلى رشيد رضا إلى نصف آخر بسبب الثورة الكمالية في تركيا. ومن رشيد رضا إلى حسن البنا إلى النصف مرة ثالثة بسبب صدام الإخوان مع الضباط الأحرار ودخولهم السجن ثم خروجهم بنفسية السجين، الذي فقد كل شيء، ويريد أخذ كل شيء تعويضاً كما هو حادث الآن بعد ثورة يناير 2011.

وقد تكون العلاقة بين الدين والدولة وهْماً في ذهن الفريقين، أنصار التواصل وأنصار القطيعة. ويعبر هذا الوهم عن صراع على السلطة بين السلفيين والعلمانيين. والحقيقة أن العلاقة بينهما تتجاوز التواصل الذي يحارب من أجله السلفيون أو الانقطاع الذي يدافع عنه العلمانيون. وقد يستعمل منظراً إعلامياً، يسوق كل فريق موقفه. الإسلاميون يتملقون أذواق الجماهير، والعلمانيون يخاطبون نخبة المثقفين. وكل فريق يزايد على الآخر وكأنها مباراة كرة قدم بين ناديين رياضيين أو “الاتجاه المعاكس” البرنامج الإعلامي الشهير. كل فريق يثبت هويته ووجوده، الإسلاميون باسم الأصالة، والعلمانيون باسم الحداثة، الإسلاميون باسم الماضي والتاريخ، والعلمانيون باسم الحاضر والمستقبل.

وتحليل اللغة أحد المداخل الفلسفية المعاصرة لضبط الأمور الميتافيزيقية المجردة، فماذا يعني هذان اللفظان “الدولة المدنية”؟ الأول موصوف، والثاني صفة. الأول جوهر، والثاني عرض، “الدولة” هي الدولة أما “المدنية” فقد تكون كذلك أو غيرها. فماذا تعني الدولة اشتقاقاً واصطلاحاً وتداولاً أي عرفاً؟

“الدولة” من فعل “دال”، “يدول” أي انتقل، تغير، دار مثل “القلب” من “قلب” أي تغير، تحول، انقلب. وبهذا المعنى لا توجد دولة دائمة. تتغير الدول من دولة إلى دولة. وقد يعني فقط تغير النظام السياسي فيها. فدولة مصر باقية منذ الفراعنة حتى الآن بالرغم من تغير نظمها السياسية من فرعونية إلى يونانية إلى رومانية إلى قبطية إلى العربية. وتوالت عليها النظم العربية من أيوبية، وطولونية، وإخشيدية، ومملوكية، وحديثة. وتوالت عليها الحديثة من محمد علي وأسرته إلى ثورة 1919 إلى ثورة 1952 إلى ثورة 2011.

ولم يرد اللفظ في القرآن المصدر الأول في الفكر الإسلامي وإن ورد عند المؤرخين. ورد في القرآن بالمعنى الاشتقاقي وهو الدوران “كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”، في نقد تراكم رأس المال في أيدي قلة من الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال. وهو ما يسمى الآن “الرأسمالية”.

كما ورد نفس المعنى الاشتقاقي في تداول الأيام أي الزمان في” وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ” فلا يبقى قوم إلى الأبد، بل قوم وراء قوم بفعل دورات التاريخ. وهو نفس معنى أغنية أم كلثوم “ودارت الأيام”. وهو نفس معنى “يدور”، “دائرة”، “دوائر” (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، ولها معاني سلبية أي الانهيار الخلقي والسياسي والتاريخي.

الدولة إذن مفهوم حديث. ترجمة عن اللغات الأوروبية State، Etat، Staat. وهي الدولة القومية التي نشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر بعد سقوط الإمبراطوريات النمساوية والمجرية وإقامة دول على أسس قومية في إطار رومانسي. وهي الفلسفة السائدة في هذا القرن والعودة إلى الأرحام والتي منها نشأت الفكرة الصهيونية.

–  الاتحاد الاماراتية

شاهد أيضاً

هاجس روائي

*محمد المطرود ربّما هكذا نستطيعُ أن نفتتح روايةً، حديثٌ مجانيٌّ عنِ الحياةِ اليومية، طقوس الليلِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *