د. أحمد فاتح

راهنية مونتسكيو ونقد بنية الاستبداد

(ثقافات)
راهنية مونتسكيو ونقد بنية الاستبداد

دكتور أحمد فاتح محمد

 

لا تقتصر القيمة المعرفية لمشروع مونتسكيو في كتابه روح القوانين على كونه تدشيناً لفقه دستوري مقارن، بل تتجاوز ذلك لتستقر في صلب الفلسفة القانونية بوصفه انقلاباً إبستمولوجياً في إدراك حقيقة القاعدة القانونية وارتباطها العضوي بمأسسة أجهزة الحكم. لقد دشن مونتسكيو انعطافة معرفية في فلسفة التشريع، إذ انتزع القاعدة القانونية من إسار التيولوجيا المفارقة ونزوات الحاكم المتغلب، ليدرجها في نسق العقل الوضعي المستمد من طبائع الأشياء وضرورات الواقع، حين عرفه بأنه تلك العلاقات الضرورية المشتقة من طبيعة الأشياء. إن هذا التحديد المفهومي الصارم يجرد النص التشريعي من نزعات المزاجية والهوى الفردي، ويمنحه صفة المعيارية الكلية التي تقتضي انبثاق القواعد الحقوقية من صميم الواقع الاجتماعي وضروراته الموضوعية. ومن هنا تحديداً تتبدى أولى ملامح راهنية الفيلسوف، إذ يضع العقل القانوني المعاصر أمام مسؤوليته التأسيسية الأولى: فالتشريع الحق ليس أمراً جزافياً يمليه صاحب الغلبة، بل هو تعقل موضوعي يبتغي صيانة التوازن الداخلي للمجتمع، وتحصين الرابطة المدنية ضد عوارض الانحراف والتحكم السلطوي المنفلت.

وفي سياق تشريحه للمنظومات السياسية يمارس مونتسكيو نقداً بنيوياً للاستبداد، لا بوصفه مجرد عسف أخلاقي عابر يقترفه حاكم جائر، بل بوصفه نسقاً أنطولوجياً تدميرياً يلغي فكرة القانون من أساسها ويحل محلها شريعة القهر. فالاستبداد في رؤيته ينهض على تقويض الأجسام الوسيطة وتجريف الفضاء التداولي المشترك، مستنداً إلى محرك سيكولوجي واحد هو الخوف الذي يشل فاعلية الإرادة الإنسانية ويعطل قواها العاقلة. في هذا النسق الشائه يغيب التنضيد الدستوري المتزن، وتستحيل القواعد إلى أوامر اعتباطية يختلط فيها التشريع بالقضاء بالتنفيذ في قبضة واحدة، فتسقط عن القانون خصيصته الجوهرية المتمثلة في العمومية والتجريد. إن بنية الاستبداد تمثل حالة اغتراب قصوى للمجتمع عن كيانه المؤسساتي إذ تختزل الدولة في شخص الحاكم، ويتحول الأفراد مخلوقات عارية أمام جبروت القوة المطلقة، فتسقط المشروعية الأخلاقية لتحل محلها طاعة سكونية قسرية، لا تستند إلى تعاقد حر ولا ترتكز على إدراك عقلاني لمفهوم الواجب والمسؤولية المدنية.

من هذا المنحدر البنيوي ينبثق مبدأ فصل السلطات وتوازنها بوصفه الترياق الفلسفي والقانوني الذي صاغه مونتسكيو لحماية التجربة الإنسانية و عدم النزوح الى نظام غير قانوني. فالأطروحة هنا لا تنحدر إلى مستوى التوزيع الميكانيكي للوظائف الإدارية كما تتوهم القراءات السطحية، بل ترتقي إلى مستوى حقوقية متكاملة للحرية. حيث يشترط أن توقف السلطة السلطة بترتيب البنى والمؤسسات. إن التقاء سلطة صياغة المعايير بسلطة إنفاذها القهري ينزع عن التشريع نزاهته ويحيله إلى غطاء لفرض الهيمنة، تماماً كما أن خضوع القضاء لإملاءات الجهاز التنفيذي يقوض ركن الإنصاف، ويحول المحاكم من ملاذ لحماية الحقوق إلى منابع لإنتاج الترهيب المغلف بالأشكال الإجرائية. إن ما أسس له مونتسكيو هو مبدأ المعيارية المقيدة، أي أن شرعية أي سلطة لا تنبع من علو مركزها وقوتها المادية، بل من خضوعها الصارم لقواعد كلية تسمو عليها، وتمنعها من ابتلاع فضاءات الكرامة المتأصلة في الذات البشرية.

تتجلى راهنية مونتسكيو في فكرنا الحقوقي الراهن من خلال قدرته الفذة على تفكيك المأزق الذي ترزح تحته منظوماتنا المعاصرة، حيث تحضر الدساتير بأشكالها الحديثة، بينما تظل بنية الاستبداد متغلغلة في العمق تمارس فاعليتها الإقصائية. إن أخطر ما يواجه العقل القانوني اليوم هو انبثاق الاستبداد المقنن، الذي يعمد إلى إفراغ النصوص الدستورية من شحنتها التحررية، وتوظيف الإجراءات الشكلية لتأبيد التسلط وإلغاء الرقابة والمساءلة. إن قراءة مونتسكيو تبرهن على أن وجود المحاكم وامتلاء الجرائد الرسمية بالنصوص لا يعنيان بالضرورة قيام دولة القانون. فالعبرة ليست في التضخم الشكلي للمواد، بل في مدى استقلالية النسق القضائي، وحيوية الفضاء العمومي، وقدرة الضوابط المؤسسية على لجم اندفاعة الحاكم نحو احتكار القرار. إن راهنية هذا الفكر تفرض علينا استعادة البعد الفلسفي للتشريع، واليقين بأن القانون الحقيقي لم يوجد ليكون أداة لإخضاع المجتمع وإسكاته، بل ليظل سياجاً عقلانياً منيعاً يحد من غلواء القوة، ويصون كرامة الإنسان من المهانة والاستلاب.

المصادر:
١. مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة: عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٣.
٢. د. عبد الإله بلقزيز، تكوين العقل السياسي: تفكيك البنية والخطاب، دار الطليعة، بيروت، ٢٠٠٢.

شاهد أيضاً

“مسافة كافية”: عزلة الكائن في مواجهة التحوّلات والذاكرة

“مسافة كافية”: عزلة الكائن في مواجهة التحوّلات والذاكرة بديعة زيدان يطوف الكاتب الأردني جعفر العقيلي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *