“مسافة كافية”: عزلة الكائن في مواجهة التحوّلات والذاكرة
بديعة زيدان

يطوف الكاتب الأردني جعفر العقيلي في مجموعته القصصية “مسافة كافية” (الآن ناشرون وموزعون)، في عوالم الذات الإنسانية وعلاقتها بالتحولات اليومية والاجتماعية، مستكشفاً أسئلة الوجود والهوية من زوايا متعددة.
تتنوع موضوعات المجموعة حول قضايا الاغتراب وتحديات التواصل اليومي؛ حيث لا يكتفي السرد بنقل المظاهر الخارجية للواقع، بل يغوص في المشاعر الدفينة وتناقضات الحياة المعاصرة داخل المدينة والبيوت المغلقة.
ويعتمد العقيلي أسلوبياً على تقنيات السرد الحديثة، مثل المونولوج الداخلي، والتنقل بين ضمائر المتكلم والمخاطب، إلى جانب مساحات من الفانتازيا وما وراء القص، بلغة رشيقة مقتصدة توازن بين الشاعرية وتدفق السرد.
ويمنح عنوان الكتاب “مسافة كافية” بعداً جامعاً للنصوص، مشيراً إلى تلك الحدود النفسية والواقعية التي يقيمها الأفراد لحماية أنفسهم أو تفادي الخيبات.
تستهل المجموعة بقصة “تصفية حساب”، وفيها يلتقي الكاتب ببطل خيالي يقتحم عزلته ليعاتبه على تفاصيل رسم ملامحه الروائية، طارحاً مسألة العلاقة بين المؤلف وشخوصه ومسؤولية الكتابة.
وفي “علامة فارقة”، تتحول تفصيلة يومية بسيطة، شعرة متمردة في حاجب البطل ترفضها زوجته، إلى حوار حول الفرادة الشخصية في مواجهة السلوكيات النمطية السائدة.
وتذهب قصة “كمستير” نحو أجواء سريالية لافتة، إذ يتفاجأ السارد برأسه معروضة للبيع في متجر تحف قديم، مستعيداً لعبة الطفولة الشهيرة في إطار البحث عن الذات ومخاوف التشيؤ.
أما “تعايش”، فتتناول تجربة العزلة في شقة بعيدة بحثاً عن الهدوء؛ إذ يلجأ البطل لمواجهة الفراغ بمؤقتات وأجراس آلية سرعان ما تبدد سكينته، دلالةً على صعوبة التعايش مع الصمت بالوسائل المصطنعة.
وتستكشف قصة “وجه وأقنعة” العالم الباطني للشخصيات عبر مغامرة “أسعد” داخل غرفة عتيقة بالقرية، حيث يواجه صندوقاً يفيض بأقنعته وتناقضاته، في إشارة إلى ما يداريه الأفراد خلف المظهر المقبول اجتماعياً.
وفي “وقت مستقطع”، يبتعد رجل عن صخب التزاماته الأسرية في جولة ليلية بسيارته، ليشاركه الطريق عابرٌ يبحث مثله عن أذن صاغية، في مساحة مؤقتة لتبادل البوح الإنساني العفوي قبل العودة للواقع.
وتصور قصة “تنازلات” يوماً في حياة الموظف “هادي” الذي يبدأ صباحه بنبوءة راديو متوجسة، لينخرط في سلسلة من التنازلات المهنية والاجتماعية التي تضعه في النهاية أمام ضيق داخلي صامت، بينما تأخذ قصة “ضيوف ثقال الظل” بعداً غرائبياً؛ فعندما يحاول السارد التخلص من دفاتر أرقام قديمة لأشخاص انقطعت صلته بهم عبر إحراقها، يتخيل تصاعد ذكراهم كحضور يرفض الزوال، مشيرة إلى ثقل الروابط العابرة في الذاكرة.
وفي “هزائم صغيرة.. هزائم كبيرة”، تتقاطع الهواجس الشخصية مع التحولات العامة لجيل يعايش تبدل المبادئ وتراجع الأحلام؛ حيث يواجه البطل انكسار قناعاته تدريجياً أمام اشتراطات الواقع.
وتوظف قصة “انتصار” المفارقة والسخرية من خلال رحلة “أبو عقاب” وسائقه مع بقرته إلى ثور الإلقاح، كاشفة عن الضغوط الاجتماعية التي تحيط بمفاهيم الفحولة والكرامة في الأوساط التقليدية.
أما قصة العنوان “مسافة كافية”، فترسم عبر مشاهد مكثفة ملامح الفتور والتباعد الصامت بين زوجين داخل بيت واحد؛ حيث تملأ الشاشات والرسائل الافتراضية الفراغ، وتتحول المسافة بينهما إلى حاجز يقيهما التصادم لكنه يكرس عزلتهما.
ويتكرر هاجس التباعد في “لقاء وحيد” من خلال نادل جامعي وفتاة مقهى يتطلع كل منهما للآخر، حتى إذا جمعهما لقاء واقعي مباشر، حالت الفوارق والتوقعات دون اكتماله ليعود كل منهما إلى مساحته الخاصة.
وتمنح قصة “دوار” صوتاً لساعة يد ترصد رتابة دورانها اليومي وقياسها لأعمار العابرين دون أن ينتبهوا لحقيقة الوقت، متأملةً استهلاك الحياة لأشيائها وشخوصها.
وفي “نقوش الراحلين”، يعود مغترب إلى جدار حفر عليه اسمه قديماً مع رفيقة شبابه، ليفاجأ بتراكم نقوش عابرين جدد طمست أثرهما، مجسدةً فعل الزمن في محو الذكريات.
وتختتم المجموعة بقصة “طقوس” التي تتناول بأسلوب ساخر كاتباً يستغرق في تجهيز مظاهر الإبداع من قهوة وموسيقى وأجواء أنيقة، دون أن يسعفه الإلهام لخط كلمة واحدة، في إشارة طريفة إلى الفرق بين مظاهر الفن وجوهره الصادق.
تتميز نصوص المجموعة ببراعتها في التقاط تفاصيل الحياة اليومية العادية وتحويلها إلى مساحات للتأمل الإنساني والنفسي؛ حيث ينصبّ تركيز الكاتب على تشريح اللحظة وملامسة مشاعر الإنسان المعاصر، مستنداً إلى لغة مكثفة تجمع بين السخرية الذكية، وتقنيات السرد المتنوعة، ولمسات من الغرائبية التي تثري المعنى وتعمّقه، كما يحافظ العقيلي على وحدة موضوعية واضحة، تجعل من عنوان المجموعة روحاً ممتدة وخيطاً ناظماً يربط بين قصصها المختلفة.
وتطغى على عوالم المجموعة مساحة واسعة من الرؤية الفكرية والتأمل الفلسفي، تمنح النصوص طابعاً ذهنياً خاصاً؛ إذ يفضّل الكاتب الغوص في المعنى والرمز وتغذية الفكرة العامة على حساب التطور الدرامي المتسارع، ما يمنح العمل صوتاً متناغماً.
تطرح “مسافة كافية” نماذج إنسانية حية، مستثمرةً التكثيف القصصي ومزج الواقعي بالرمزي، لتقدم للقارئ تجربة تستقرئ مساحات التقارب والتباعد في السلوك الإنساني بأسلوب سردي معاصر.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!