شيشرون في البحث عن قانون لا يكتبه الطغاة

شيشرون في البحث عن قانون لا يكتبه الطغاة

دكتور أحمد فاتح محمد

في خريف أيامه كان شيشرون يبدو كمن يقف وحيداً على شرفة تطل على الهاوية. كانت جمهوريته العتيدة التي نذر حياته للدفاع عن حريتها، تتهاوى أمام عينيه تحت وقع حوافر خيول العسكر وطموحات القادة المستبدين. لم تكن المأساة في نظر الخطيب العجوز مجرد انكسار سياسي عابر بل كانت جرحاً غائراً أصاب فكرة العدل في مقتل ذلك حين رأى بأم عينيه كيف تصاغ القوانين في عتمة الغرف المغلقة، لا لحماية الناس بل لإسباغ وقار زائف على شهوة البطش، وتحويل الظلم إلى نصوص مقدسة تباركها المحاكم. في تلك اللحظة التراجيدية لم يلتفت شيشرون إلى دفاتر القضاة المرتهنين، ولا إلى مراسيم القياصرة الباردة التي تفوح منها رائحة الدم بل أدار ظهره لروما الجريحة ويمم وجهه شطر أثينا، باحثاً في حكمة الفلاسفة الرواقيين عن طوق نجاة يعيد للعالم معناه المفقود. كان الرواقيون قد علموه درساً بديعاً ظل يتردد في أعماقه: إن الإنسان ليس كائناً منبوذاً تحاصره أسوار المدن، بل هو مواطن أصيل في مدينة كونية كبرى تتسع للوجود كله. ووجد شيشرون في هذا الأفق الرحب عزاءه الأكبر. فالإنسان لا يستمد كرامته من رضاء القيصر بل من قبس نقي يسكن صدره، قبس مستمد من ذلك العقل الكوني الذي ينظم حركة الوجود ويفيض بالحكمة والإنصاف. من هذا النبع الفلسفي الصافي، ولدت أعظم أفكار شيشرون وأكثرها خلوداً: القانون الطبيعي. لقد صرخ الرجل بحرقة المفكر الذي يرى الحق يذبح باسم النظام، مؤكداً أن العدالة سابقة بالضرورة على كل ما تخطه أيدي المشرعين. فالقانون الحقيقي ليس ما يقرره الحاكم بنزوته، ولا ما تصوت عليه الأغلبية الخائفة في برلمان مرعوب، بل هو العقل السليم المتوافق مع الفطرة الإنسانية. قانون أزلي سرمدي، لا تلغيه إرادة في روما، ولا يبدله مرسوم في أثينا لأنه منقوش بحبر لا يمحى في أعماق الضمير البشري، قبل أن يعرف الإنسان رقوق البردي وقبل أن تبنى المحاكم. والسر الأعمق في هذه الفلسفة يكمن في أنها تنزع عن الطغيان قداسته فالإنسان حين يمتثل للقانون الطبيعي لا يذعن لسوط يلهب ظهره من الخارج، بل يستجيب لأعمق ما في روحه من براءة ونقاء عقلي. لقد وضع شيشرون الحكام في مأزق أخلاقي فاضح حين تساءل بمرارة: إذا كان كل ما يقرره أصحاب السلطة يعد قانوناً، فما هو الفارق إذن بين مرسوم يصدره قيصر، وأمر يصدره زعيم عصابة من قطاع الطرق؟! إن تجريد القانون من روحه الأخلاقية يحيل المجتمعات البشرية إلى غابة مقننة، يلتهم فيها القوي الضعيف تحت حراسة النصوص والبنود.

لم تكن فلسفة شيشرون ترفاً بلاغياً يتلى في الصالونات، بل كانت موقفاً وجودياً دفع الرجل حياته ثمناً له. وحين لاحقه جنود الاستبداد ليقطعوا رأسه، وتلك اليدين اللتين خطتا أسفار الحرية، كان القتلة يتوهمون أنهم أسكتوا صوته وأغلقوا كتاب العدل إلى الأبد. لكن التاريخ يمتلك سخرية قاسية لا ترحم، فقد تلاشت إمبراطورية روما العظيمة وصارت فيالقها مجرد غبار تذروه الرياح، بينما بقيت كلمات شيشرون منارة حية عبر العصور، تذكرنا في كل زمان بأن العدالة ليست منحة يتصدق بها سلطان، بل هي ذلك النور الإلهي الساكن في عقل الإنسان، والذي لا يقوى أي سيف في العالم على إطفائه.

شاهد أيضاً

جائزة «ابن الجنوب».. من رعاية المواهب المحلية إلى آفاق السرد الوطني والعربي

جائزة «ابن الجنوب».. من رعاية المواهب المحلية إلى آفاق السرد الوطني والعربي  نضال برقان تتقدم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *