جائزة «ابن الجنوب».. من رعاية المواهب المحلية إلى آفاق السرد الوطني والعربي

جائزة «ابن الجنوب».. من رعاية المواهب المحلية إلى آفاق السرد الوطني والعربي

 نضال برقان

تتقدم جائزة الراحل المحامي محمد عياش ملحم الأدبية «ابن الجنوب» بوصفها مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في محافظات الجنوب الأردني، وتشجيع الكتابة التي تنطلق من الإنسان والمكان والذاكرة، قبل أن تتسع في دورتها الثالثة لتلامس قضية وطنية وإنسانية كبرى هي «سرديات المقاومة في فلسطين»، وتتخذ في توجهها الجديد بعدًا عربيًا يتيح المشاركة للمبدعين العرب، في امتداد طبيعي لتجربتها المحلية ونجاحها المتميز، بخاصة في محافظات الجنوب.

وانطلقت الجائزة عام 2022، مستهدفة مبدعي محافظات الكرك والطفيلة ومعان والعقبة، وخصصت دورتها الأولى لفنون السرد، قبل أن تتجه في دورتها الثانية إلى القصة القصيرة، فيما حملت دورتها الثالثة، التي نفذت بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين، موضوع «سرديات المقاومة في فلسطين» في حقلي الأدب والدراسات.

 الأدب بوصفه ذاكرة

وترى رئيسة جمعية «تواصل الثقافية»، الأديبة ريما ملحم، أن الجائزة تأسست على الإيمان بوجود طاقات إبداعية وحكايات إنسانية ومكانية في محافظات الجنوب تستحق أن تجد طريقها إلى الكتابة والحضور، مؤكدة أن الغاية منها تتجاوز المنافسة إلى اكتشاف الأصوات الجديدة وتمكينها من تطوير تجربتها.

وتشير ملحم إلى أن الجائزة تحمل في جوهرها فكرة لطالما تبناها والدها الراحل محمد عياش ملحم، تتمثل في توثيق الذاكرة من خلال الأدب وتمكين الأدباء، وتشجيع الكتابة عن المكان والبيئة وحفظ ذاكرة الحجر والبشر، لافتة إلى أن الأدب يستطيع أن يحول التفاصيل اليومية والتجارب الإنسانية إلى ذاكرة ثقافية قابلة للبقاء.

وتقول إن «الجائزة تنطلق من الإنسان والمكان، وتحاول أن تفتح أمام المبدع مساحة يعبّر فيها عن ذاكرته وتجربته وأسئلته»، موضحة أن ارتباطها بالجنوب لا يعني الانغلاق على الجغرافيا، وإنما اتخاذ المكان نقطة انطلاق نحو أسئلة أوسع في الأدب والثقافة.

وتضيف ملحم أن الجائزة، بعد ما حققته من نجاح لافت على المستوى المحلي، وبخاصة في محافظات الجنوب، اتجهت إلى توسيع دائرة المشاركة لتصبح عربية، بحيث تتيح المجال أمام المبدعين العرب للمشاركة فيها، مؤكدة أن هذا التوجه يمثل تطورًا طبيعيًا في مسار الجائزة، التي بدأت من رعاية المواهب المحلية، ثم اتسعت موضوعيًا وجغرافيًا لتفتح حوارًا أرحب حول الأدب والقضايا الإنسانية والوطنية.

وتوضح أن «نجاح الجائزة في بيئتها المحلية، وما أظهرته التجربة من طاقات إبداعية حقيقية، شجعنا على الانتقال بها إلى فضاء عربي أوسع، من دون أن تفقد هويتها الأولى أو صلتها بالجنوب»، مشيرة إلى أن الهدف هو أن يصبح الجنوب نقطة انطلاق لمشروع ثقافي يتفاعل مع المبدعين العرب، ويتبادل معهم الخبرات والتجارب والرؤى.

وترى أن انتقال الجائزة من فنون السرد إلى القصة القصيرة ثم إلى «سرديات المقاومة في فلسطين» يعكس حرصها على التجدد ومواكبة الأسئلة التي يفرضها الواقع، مشيرة إلى أن التعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين وسّع أفق الدورة الثالثة ونقل المشروع من المجال المحلي إلى الاشتباك مع قضية وطنية وإنسانية.

وتؤكد ملحم أن الجائزة لا تنفصل عن الورش التدريبية والندوات التي ترافقها، لأن «اكتشاف الموهبة لا يكتمل بمنحها جائزة، وإنما بفتح الطريق أمامها لتتعلم وتتطور وتواصل الكتابة»، مشيرة إلى أن هذه الأنشطة تمنح المشروع بعدًا تنمويًا ومعرفيًا.

وتلفت إلى أن الجمعية تنظر إلى «ابن الجنوب» بوصفها مشروعًا ثقافيًا متراكمًا يسعى إلى جعل المحافظات فضاءات منتجة للفعل الثقافي، مؤكدة أن «لكل مكان ذاكرته، ولكل إنسان حكايته، ومهمتنا أن نساعد هذه الحكايات على أن تجد لغتها، وأن تتحول من ذاكرة فردية إلى جزء من السردية الثقافية والوطنية».

ويتولى الأديب الدكتور سالم الفقير تنسيق الجائزة، ومتابعة مساراتها وبرامجها الثقافية والإبداعية، بما ينسجم مع توجهها إلى بناء مشروع مستمر يتجاوز لحظة إعلان النتائج إلى التدريب والتفاعل وإتاحة المجال أمام المواهب الجديدة.

 من الجنوب إلى القضية الوطنية والعربية

وفي دورتها الثالثة، اتخذت الجائزة منحى أوسع باختيار «سرديات المقاومة في فلسطين» موضوعًا لها، في حقلي الأدب والدراسات، بما يعكس تطور المشروع من الاهتمام بالسرد المحلي إلى الانفتاح على قضية وطنية وإنسانية تتصل بالذاكرة والمقاومة والهوية.

ومع نجاح تجربتها محليًا، تتجه الجائزة إلى توسيع مجال المشاركة عربيًا، لتتيح للمبدعين العرب التفاعل مع موضوعاتها ومساراتها، بما يعزز حضورها بوصفها منصة أدبية تتجاوز حدود الجغرافيا، مع احتفاظها بجذورها التي انطلقت من الجنوب الأردني.

ولا تقتصر الجائزة على إعلان النتائج، إذ ترافقها ورش تدريبية وندوات أدبية في محافظات الجنوب، تتناول مهارات الكتابة وتطوير أدوات المبدعين، بما يجعل منها مساحة للتعلم والحوار إلى جانب التنافس.

 الجنوب.. مادة سردية مفتوحة

ويستعيد رئيس مجلس إدارة الجائزة، الأديب مفلح العدوان، بدايات المشروع بالقول إن إطلاق «جائزة محمد عياش ملحم الأدبية-ابن الجنوب» عام 2022 جاء من «تفاؤل بجيل من الشباب المبدع» في محافظات الجنوب، لافتًا إلى أن الجائزة تحمل اسم شخصية سياسية وحقوقية ونضالية من الجنوب، ارتبط حضورها أيضًا بفلسطين، بما يجعل الاسم جسرًا بين المكان والقضية.

ويضيف أن الانطلاق كان من حقل الرواية، انطلاقًا من طموح بأن يعمل المبدع الجنوبي على «إعادة كتابة رواية الجنوب مكانًا وإنسانًا»، ثم انتقلت الجائزة إلى القصة القصيرة، انطلاقًا من الإيمان بأن الجنوب يحمل عددًا هائلًا من القصص والحكايات والأحداث التي تشكل في مجموعها سردية إنسانية ممتدة.

ويشير العدوان إلى أن هذه السردية تستمد ملامحها من المكان نفسه؛ من قلعة الكرك وصلاتها بالقدس والخليل، إلى بصيرا في الطفيلة، ومؤتة وأذرح والحميمة، ومعان، وأيلة، والبتراء، وغيرها من الأمكنة التي تختزن تاريخًا وحضارة وذاكرة.

ويرى أن هذه الأمكنة ليست مجرد جغرافيا، وإنما مادة سردية مفتوحة، قائلًا: «كل القرى والبلدات والأمكنة جنوبًا، بدروبها وبيوتها وإنسانها وحجارتها، هي روايات وقصص تنتظر من يكتبها».

ويؤكد أن الجائزة، وإن انطلقت من الجنوب، لا تتوقف عند حدوده، فهي تنفتح على الفنون السردية والدراسات والنقد، كما في دورتها الثالثة، بما يعكس انتقالها من مشروع لرعاية المواهب المحلية إلى مساحة أوسع للحوار حول القضايا الوطنية، ثم إلى فضاء عربي مفتوح على تجارب المبدعين العرب.

ويلفت العدوان إلى أن الجائزة تعتمد معايير وشروطًا للحفاظ على مستواها ومصداقيتها، من خلال تقييم الأعمال بواسطة لجان تحكيم تضم أكاديميين وخبراء، إلى جانب تنظيم ورش وندوات بالتعاون مع الهيئات الثقافية والجامعات، واستضافة كتاب عرب لتقديم تجاربهم.

ويؤكد أن جائزة الراحل محمد عياش ملحم «ابن الجنوب» تمثل «مبادرة وطنية أدبية» تعلي من قيمة الأرض والإنسان، وتؤمن بأن تفاعل الأدب مع المكان والتاريخ والحضارة يمكن أن ينتج كتابة تتجاوز السطحية والرداءة، وتقدم قضايا الناس والشباب في صياغة فنية مختلفة.

 رعاية المواهب الجديدة وتوثيق الذاكرة

وتكتسب الجائزة أهميتها، في ضوء ذلك، من قدرتها على الجمع بين رعاية المواهب الجديدة وتوثيق الذاكرة والانفتاح على القضايا الوطنية، مع الانتقال إلى فضاء عربي أوسع، بما يجعل المحافظات شريكًا فاعلًا في إنتاج الثقافة، لا مجرد متلقٍ للفعاليات.

وبهذا المعنى، تبدو «ابن الجنوب» أكثر من جائزة أدبية؛ فهي محاولة لتحويل المكان إلى نص، والذاكرة إلى سرد، والمواهب الجديدة إلى أصوات قادرة على المشاركة في تشكيل السردية الثقافية والوطنية. فحين يكتب الأدب الإنسان والحجر معًا، فإنه لا يحفظ الماضي فحسب، بل يمنح المكان فرصة لأن يتكلم في الحاضر، ويفتح للحكاية المحلية نافذة على فضاء عربي أرحب.

  • عن الدستور

شاهد أيضاً

تفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي

تفاصيل مجهولة عن علاقة محمود درويش وتامار بن عامي عبده وازن ملخص يكشف الكاتب والصحافي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *