إضاءات حول كتاب «كاندي كراش» للدكتورة ريما ملحم
نايف النوايسة

مما تيقنتُ منه أن المعرفة تأخذ مسارها الدقيق بين الإحساس الذي تأتي به الحواس، والإدراك الذي يتشكل في العقل. وهذا ما وقر في نفسي، واطمأننت إليه بوصفه قناعةً ذاتية، محمولة على تجربتي في الكتابة الإبداعية منذ زمن بعيد، وهي ذات قربى بتجارب مبدعين آخرين. ومن خلال هذه التجربة اجتهدت في استجلاء أبعاد هذه القناعة، مستعينًا بما وقفت عليه في الدرس الفلسفي، الذي جمع بين ثناياه ما اتفق عليه الفلاسفة وما اختلفوا فيه حول تشكل المعرفة عند الإنسان، بين الحس الظاهر والعقل المستكن.
وألمس ذلك كله عندما أقرأ نصوصًا إبداعية تجمع بين الحالتين في آن واحد، بحيث يتشكل منهما مسار المعرفة؛ فالإنسان في طبيعته غير منفصل عن إحساسه، وما يعيه ليس بعيدًا عن إدراكه. وهذا يحملني إلى الكشف عن قناعتي بأن الإحساس غير منفصل عن الإدراك، خلافًا لما ذهب إليه بعض الفلاسفة. فالمبدع الحقيقي، الذي يمتلك نظرًا دقيقًا وحصيفًا في الحياة، يربط بين إحساسه بالأشياء وقدرته العقلية على تحصيل المعرفة ووعيها.
كل ذلك أدركته مما توافر لي من ملاحظات أثناء قراءتي كتاب «كاندي كراش» للدكتورة ريما ملحم، الذي جمعت فيه قدرتها الفائقة على التقاط كثير من المشاهد والملاحظات خلال جولاتها المتواصلة في المدن الأردنية، وبعض المدن العربية والأجنبية التي تتردد عليها بين حين وآخر، ثم إحالة ذلك كله إلى مرجلها الإبداعي، وصهر تلك الملاحظات الحسية لتغدو طاقة متوهجة، يحولها عقلها الراشد إلى مادة إبداعية، ومواقف إنسانية نبيلة، تكشف عنها لغة رشيقة، وأسلوب في الطرح ينم عن ذائقة جمالية فائقة الإتقان.
يضم كتاب «كاندي كراش» للدكتورة ريما ملحم ثمانيًا وأربعين لوحة أدبية، صيغت بلغة عالية المستوى، ليست مبتذلةً مرذولةً يمجها فضاء العمل الأدبي، ولا متقعرةً ينفر منها القارئ ويستثقلها.
كتبت الكاتبة نصوص هذا الكتاب على مدى عشر سنوات، بين عامي 2010 و2025، وأطلقت عليه اسم اللعبة الشهيرة «كاندي كراش» التي انتشرت منذ عام 2012. وقد كتبت النص الذي حمل اسم اللعبة سنة 2014، وهو نص مثقل بالدهشة والدلالات والمعاني؛ إذ بدأته بالحديث عن ممارسة الأطفال لهذه اللعبة، وأنهته بفكرة عظيمة، تتمثل في تحول الأطفال من عبث اللعبة إلى عظمة العمل الإنساني. واللافت أن هذا النص كتبته الكاتبة في مخيم البقعة بالأردن.
أما النص الأول الذي انبثقت منه هذه التجربة الأدبية، فكان بعنوان «مال الزمان»، وكتبته أثناء وجودها في منطقة نهر البارد بلبنان، في تموز عام 2010. وهذا النص أقرب ما يكون إلى البوح الشعري، بما يحمله من موسيقى وصور فنية، وفيه تجليات تجمع بين فجيعة شعب أنهكه التشرد، وأثخنته الجراح، فضلًا عن ضياع أرضه وحيرته في المآل الذي سيصير إليه، وليس في الأفق طارق ولا صلاح. وتقول الكاتبة: «وأهلها… أبناء عز ضاقت بهم الأرض، وغزا الكون أمامهم جنودًا، وهذه الخيام.» وهو تصوير مدهش للخيبة العربية التي كان لها دور فاضح في هذا الضياع.
وليس هذا النص وحده الذي يشي بالنفس الشعري عند الكاتبة، بل اتجهت معظم نصوصها إلى هذه السمة.
اجتمعت لريما ملحم في هذا الكتاب ثلاث ميزات واضحة؛ أولها حرصها على أن يتداخل المكان في نصوصها مع هموم الإنسان المعذب، وهو ما تسعى إليه الكاتبة في حقيقة ما تطرحه في لقاءاتها واشتغالاتها الثقافية، ومن خلال جمعية تواصل الثقافية التي ترعاها، وترى في أهدافها ما يحقق رغبتها في الوصول إلى الأطراف البعيدة، في أي منطقة تكون فيها، سواء في الأردن أو في غيره من البلدان.
كما تسعى، فيما لاحظت، جاهدة إلى الوصول إلى النساء المكافحات اللواتي يقمن على تربية أبنائهن. وقد رأيت ذلك جليًا في النص الأول الذي خصصته لبلدة المشرعة في محافظة المفرق؛ ففي هذا النص التقى المكان والزمان ومكابدة الإنسان، بلغة صافية شفيفة، تكشف عن مستوى متقدم من طاقة الإنسان الشريف، كما تكشف عن حس ريما ملحم الإنساني في تحسس قضايا الناس ومشكلاتهم، ومد يد العون لهم.
وينطبق ذلك أيضًا على نصوصها التي كتبتها بعد زيارتها لبلدة سوف، ثم مخيم عين الحلوة، وسائر الأماكن التي زارتها في فترات متقطعة. وفي كل نص نرى أن الإنسان، سواء كان في فلسطين أو في أي منطقة عربية، هو محور الاهتمام، والمعني بمداواة الجراح والوقوف إلى جانبه بكل ما هو متاح.
وما تجدر الإشارة إليه في هذه المقاربة النقدية هو طبيعة هاجسها الأول، الذي يرتكز إلى قناعة لا مساومة عليها، تتمثل في الكيفية التي يتحرر بها الإنسان من الخوف، ليواجه الظلم والظلام والعدو وأعداء الإنسانية، كما هو حال الشعب الفلسطيني في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن هنا يتبين لي حرص ريما ملحم، في جميع نصوصها، على الوصول إلى مرحلة يتحرر فيها الإنسان الفلسطيني من كابوس الاحتلال، الذي ضيق على هذا الشعب فضاءات الحياة كلها، كما يتجلى فيها مدى مشاركة الإنسان العربي الحر، أينما كان، أخاه الفلسطيني مكابدته وآلامه.
وأستطيع القول، من خلال ما خرجت به من تأملات في هذه المجموعة القيمة من الخواطر، إن المعاناة تمثل نقطة الارتكاز في تجربة ريما ملحم، سواء في هذا البلد أو ذاك؛ لأنها باحثة دؤوبة تسعى إلى الوصول إلى حالة يشعر فيها الإنسان بطعم السعادة والراحة والأمن، وهو هاجس كبير يؤرق هذه الكاتبة، التي صاغت خواطرها بلغة جميلة، وذائقة جمالية رفيعة.
وأخلص، في نهاية هذه القراءة، إلى أن كتاب «كاندي كراش» عمل أدبي جدير بالقراءة، بما يفتحه من آفاق لفهم كثير من معاني الحياة، وما يقدمه من رؤية إنسانية عميقة، صيغت بلغة أدبية شفافة وجذابة.
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!