هل كان “يجهل ” إدوارد سعيد لغة الضاد .. ؟

إدوارد سعيد واللغة العربية 

هل كان “يجهل ” سعيد لغة الضاد .. ؟

 

قلولي بن ساعد / كاتب وناقد جزائري  

لا شك بأن أول كتاب كتبه إدوارد سعيد باللغة العربية هو كتاب ( غزة أريحا سلام أمريكي )  الكتاب الذي كتبه مباشرة بعد أن قدم استقالته من عضويته  بالمجلس الوطني الفلسطيني  بسبب عدم رضاه عن نتائج مؤتمر أو سلو التي لم يكن راضيا عنها أبدا

وهي الإستقالة التي دشنت قطيعته النهائية مع السلطة الفلسطينية ومع المرحوم ياسر عرفات على وجه الخصوص .

الأمر الذي يؤكده ناقد أردني من أصل فلسطيني هو الأستاذ فخري صالح في كتابه المهم ( دفاعا عن إدوارد سعيد ).

خلافا لكل كتبه الأخرى التي كتبها كلها باللغة  الانجليزية ،  ثم سرعان ما ترجمت إلى اللغة العربية .

هذا فضلا عن انخراطه في فترة من مساره مع الكتابة في كتابة بعض المقالات الصحفية باللغة الفرنسية ونشرها في بعض الصحف الفرنسية الواسعة الإنتشار للتعريف بتحولات القضية الفلسطينية .

مع العلم أن إدوارد سعيد قد تعلم اللغة العربية متأخرا جدا ،  فقد كان حتى سنة 1970 على ما يذكر ذلك ناقد مصري هو الأستاذ مصطفى سليم  في مقال له بعنوان ( إدوارد سعيد الذي ورث أرض الحكاية ) .

لم تكن علاقته باللغة العربية على مايرام فقد نسيها بعدما هجرها طويلا .

 : ويضيف مصطفى سليم بأن سعيد

“حصل على إجازة بهدف البحث والكتابة قضاها في بيروت وصفها بأنها في غاية الأهمية “(01 ) .

:  ثم يقدم مصطفى سليم إضاءة مهمة لطريقة استعادة سعيد للغة العربية

 ” لقد بدأها من الصفر على نحو مغاير للتعليم  إذ كان مدخله إليها من بوابة علم اللغة المقارن فتعلم كل مبادئها من منظور مقارن أي مع لغات أخرى إلى جانب العربية لأن معلمه  أنيس فريحة كان يجيد العبرية والآرامية وبعد ثلاثة أشهر حدث ما لم يكن يتوقعه أبدا ” (02)

ومهما يكن من أمر ،  فهناك رأي آخر لأحد النقاد  من الذين   يقاسمون إدوارد سعيد المنشأ ( فلسطين ) والتخصص ( الأدب المقارن )  والمنفى ، وهو الناقد الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة من مسألة صلة إدوارد سعيد باللغة العربية والأدب العربي  ،  و هو الذي لا ينفي بأن سعيد تفرغ عاما كاملا ببيروت لتعلم اللغة العربية .

لكنه من جهة أخرى  ،  يشكك في مسألة إجادة إدوارد سعيد للغة العربية ،  و يصر إصراره المحموم  بأن بعض محبي إدوارد سعيد  يؤكدون بأن معرفته بالأدب العربي واللغة العربية اعتمدت على ثلاث  قنوات

:القناة الأولى

بعض الأعمال الروائية العربية المترجمة إلى الإنجليزية التي أرسل  له مؤلفوها نسخا منها

:القناة الثانية

زياراته المتعددة للقدس وبيروت وعمان  والقاهرة واللقاءات المحدودة بينه وبين بعض المثقفين الذين غالبا ما حجبوا عنه المعرفة الحقيقية بالأدب العربي واللغة العربية لأسباب شخصية .

: القناة الثالثة

هي مجموعة صغيرة من المثقفين تنتمي للتيار الحداثي الميتافيزيقي في الثقافة العربية قدموا أنفسهم له على أنهم الممثلون العلمانيون الحقيقيون للثقافة العربية .

وهنا يشدد عز الدين المناصرة بأن ”  هذا غير صحيح لهذا كله جاءت كتابات إدوارد  سعيد عن الأدب العربي سماعية والمشكل أن إدوارد سعيد استسلم لهذه القنوات من منظور براغماتي بحت ” (03) .

وأعتقد بأن عز الدين المناصرة لم يكن دقيقا ولا منصفا  .

لأن إدوارد سعيد نفسه بعد عودته من بيروت بعد أن قضى سنة كاملة في صحبة أنيس فريحة لتعلم اللغة العربية  ،  سرعان ما شرع في تجريب بعض إمكاناته اللغوية في كتابة بعض المقالات المهمة باللغة العربية  ، التي تعود على نشرها في الصحافة المصرية خدمة للقضية الفلسطينية ،   ومنها تلك المقالات التي ذكرها الناقد الأردني فخري صالح بين طيات كتابه ( دفاعا عن إدوارد سعيد ) .

وينبغي أن لا ننسى أيضا بأن إدوارد سعيد لم يتردد في المقدمة التي كتبها لمذكراته ( خارج المكان )  في الكشف عن ما سماه بالإنفصام بين اللغة العربية لغته الأم واللغة الإنجليزية .

لذلك كانت لمحاولاته في سرد التجارب من منظوره الخاص مهمة معقدة وهكذا يقول :

صعب علي التعبير في الإنجليزية عن الفروقات اللفظية والوشائج العينية التي تستخدمها العربية للتمييز مثلا بين العم والخال ” (04) .

والغريب في الأمر أننا عثرنا على رأي ثالث من مسألة علاقة إدوارد سعيد باللغة العربية يقدمه هذه المرة ناقد أردني من أصل فلسطيني  ،  يعتبر من المقربين إلى ورثة إدوارد سعيد مثلما يقدم نفسه ،  إنه الناقد محمد شاهين وهذا الناقد خصص مقالا مهما من بين المقالات التي تضمنها كتابه ( إدوارد سعيد الإستشراق سيرة ومسيرة ) .

حمل عنوان ( إدوارد سعيد واللغة العربية ) ،   وفي هذا الكتاب يروي محمد شاهين الحكاية التالية  :

في حزيران 1983 صادف حضوري لمحاضرة قدمها إدوارد سعيد بلندن بعنوان ( لماذا اسرائيل اجتاحت لبنان .. ؟ )  .

وبعد الفراغ من المحاضرة يشدد محمد شاهين بأنه اصطف أعضاء الجمهور وقد كان جمهورا كبيرا  يتشكل من أعضاء البرلمان البريطاني وأكاديميين من الجامعات البريطانية لتحيته والسلام عليه عبرت مثل بقية الخلق عن اعجابي بالمحاضرة .

فأجابه إدوارد سعيد بأنه لا يسعده كثيرا أن يحاضر في بريطانيا أو في أمريكا ويستقبل بإعجاب شديد من قبل الجمهور الغربي  ،  بل إنه يريد أن يحاضر في العالم العربي وباللغة العربية .

هذا مثال من بين أمثلة كثيرة عن سر تعلق إدوارد سعيد باللغة العربية  ،  لم يتردد محمد شاهين في الإقتباس من حوار كان قد أجراه أحد الكتاب الغربيين وهو دافيد بارسميان من بين حوارات مهمة نشرت ضمن فصول كتاب بعنوان  ( الثقافة والمقاومة ) .

ففي أحد الحوارات التي يقتبس منها محمد شاهين رد إدوارد سعيد على سؤال وجهه له المحاور دافيد بارسميان  ،  يريد توضيحا من سعيد لتلك الظاهرة التي يختزل فيها معظم الأمريكيين أسطورة قائلة بأن هناك ألف مرادف لكلمة سكين في اللغة العربية فيرد إدوارد سعيد :

نعم وهو أمر سخيف للغاية  إن اللغة العربية يساء تقديمها على نحو مريع .

 ويتم النظر إليها بوصفها أولا وقبل كل شيء بوصفها لغة مولعة بالجدل وعلى أنها لغة عنيفة  لكونها لغة الإسلام  ،  لكنها في حقيقة الأمر بالنسبة لواحد مثلي يعرف العديد من اللغات أنها أكثر اللغات جمالا على الإطلاق إنها لغة جد رشيقة ومتساوقة في بناءها ومنطقها  إن لها بنية أرسطية ” (05) .

  وأعتقد بأن إدوارد سعيد بهذا التصريح قد بدد كل الشكوك حول معرفته باللغة العربية .

فلو لم يكن عارفا بها لما تجرأ على القول بهذه المعرفة العميقة باللغة العربية  من أنها لغة جد رشيقة ومتساوقة في بناءها ومنطقها  إن لها بنية أرسطية  .

رغم أن محمد شاهين مؤلف كتاب ( إدوارد سعيد الإستشراق سيرة ومسيرة ) .

لا ينكر أبدا وهو أحد الأصدقاء المقربين من إدوارد سعيد بأن إدوارد سعيد حاول جاهدا تعلم اللغة العربية كتابة على الأقل  مرتين الأولى عام 1968 عندما جاء إلى عمان لهذا الغرض والأخرى عام 1972 .

ثم يكشف محمد شاهين بأن صديقه إدوارد سعيد لم يحقق مطلبه في الحالة الأولى لما انتاب المنطقة من اضطراب حال دون تحقيق حلمه وفي الحالة الثانية لما أختار قسطنطين رزيق ليكون معلمه في اللغة العربية ثم أيقن أن سنة واحدة لا تفي بالغرض المطلوب .

إحالات

01 ) إدوارد سعيد الذي ورث أرض الحكاية / مصطفى سليم / صحيفة أندبندنت / الأحد 01 نوفمبر . 2020

02 ) إدوارد سعيد الذي ورث أرض الحكاية / المرجع نفسه

03 ) ) إدوارد سعيد والنقد الثقافي المقارن قراءة طباقية / عز الدين المناصرة مجلة فصول العدد 64 صيف 2004 القاهرة ص 147

04 خارج المكان إدوارد سعيد ترجمة فواز طرابلسي ص 22 منشورات دار الآداب بيروت الطبعة الثالثة 2021

05 ) إدوارد سعيد الإستشراق سيرة ومسيرة محمد شاهين ص 120/ 121 / منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت  الطبعة الأولى  2024

شاهد أيضاً

من غوستاف لوبون إلى الجمهور الخوارزمي

(ثقافات) من غوستاف لوبون إلى الجمهور الخوارزمي  رائد سمور   مقدمة ليست المشكلة في استحضار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *