ذاكرة الأمكنة والبعد الإنساني في «كاندي كرش» لريما ملحم

ذاكرة الأمكنة والبعد الإنساني في «كاندي كرش» لريما ملحم

موسى أبو رياش

ريما ملحم

تتخذ الكتابة الوجدانية في الأدب أشكالا متعددة تتراوح بين الشعر والخواطر والرسائل والسرد التأملي وغيرها، حيث تتداخل التجربة الشخصية مع الذاكرة الجمعية؛ لتنتج نصوصا مُشبعة بالعاطفة والتأمل. ويأتي كتاب «كاندي كرش.. وخواطر أخرى» للكاتبة الأردنية ريما ملحم ضمن هذا الأفق الأدبي، بوصفه مجموعة من النصوص القصيرة والخواطر، التي تتكئ على الذاكرة والحنين والتجربة الإنسانية، وتتنقل بين أمكنة متعددة وأزمنة مختلفة، في محاولة لالتقاط لحظات شعورية عابرة وتحويلها إلى نصوص مكثفة.
صدر الكتاب حديثا عن دار اليازوري للنشر في عمّان، ويقدّم للقارئ فسيفساء من النصوص التي تمزج بين الخاطرة، والتأمل الذاتي، والحنين إلى الأمكنة، والالتفات إلى التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تشكّل جوهر التجربة الحياتية، وكل ذلك، بلغة مُشبعة بالعاطفة، وهو ما يجعل هذه النصوص قريبة من الأدب الوجداني الذي يركز على المشاعر والتجربة الإنسانية.
ومن خلال هذه النصوص تتكشف رؤية الكاتبة للعالم، حيث يصبح النص مساحة للبوح، والذاكرة حاضنة للتجربة، واللغة أداة لاستعادة ما مضى ومساءلة ما هو آتٍ.
بنية الكتاب وطبيعة نصوصه
يتكوّن الكتاب من ثمانية وأربعين نصا قصيرا معنونا ومرقما، وينتهي كل نص بتاريخ كتابته ومكانها، وتميل النصوص إلى الكتابة الوجدانية الحرّة، التي تقع في منطقة وسطى بين الشعر والنثر التأملي، وتتميز بالتكثيف والصورة الشعرية واللغة الإيحائية، وهذا الشكل الأدبي يمنح الكاتبة مساحة واسعة للتعبير عن التجربة الذاتية، من دون الالتزام ببنية سردية أو شعرية صارمة، ما يجعل النصوص أقرب إلى شذرات وجدانية أو مقاطع تأملية.
وتظهر هذه السمة منذ النصوص الأولى التي تستعيد الطفولة والذاكرة، حيث تقول الكاتبة في أحد المقاطع:
«حُلُمُ طُفولَةِ يَركُضُ حَولَكَ..
حَقيبَةُ مَدرَسَةِ تَضُمُّ كُرَّاسا وصَفحاتٍ مِنْ كِتابٍ..
ومَقلَمَةٌ تَضُمُّ مِمْحاتَكَ،
وقَلَمُ رَصاص وبَعضُ ما احتَفَظتَ بِهِ مِنَ الألوان..
سَتَرسُمُ وَجِهَ الكَون فَجرا وظُهرا
وتَرسُمُهُ ساعاتِ العَصرِ وفي المنام..»
وعن الأب الذي كان ملء الحياة، تظهر هذه الدفقات الشعورية الدافئة، تقول:
«هيَ طَرِيقَتُكَ في الحَياةِ.. صَوتُ أُمِّكَ وأُمّي.. قَلْبُ ابْنِكَ وابْني..
رَفُّ طَيرٍ مُسافِرٍ.. فَراشَةٌ وجْهَتُها الدّائِمَةُ شَمسٌ وحَياةٌ..
«بِانتِظارِكِ ظُهرا»..
سَأستَعِدُّ لِلقُدومِ هذا المَساء..
«بِانتِظارِكِ عَصرا»..
ونَجلِسُ سَويا لِلعَشاء..
أُضيفُ لِلزَّعتَرِ نَكهَة.. لَمْ تُعِدُّهُ يَداي..
كانَتْ أَمّي قَدْ أعَدّتْهُ وخَبّأتْهُ لَكَ..
فيهِ بَسمَةٌ ودَعوَةٌ وحِزرٌ.. أوصَتني أنْ لا نَنساهُ يَومَ قالَتْ:
«خَبِّئيهِ ذُخرا لَهُ في هذِهِ الحَياة..»
في هذا النوع من الكتابة، تتقدّم الصورة الشعورية على الحدث، ويصبح النص أقرب إلى لوحة شعورية قصيرة.

المكان في النصوص

يلعب المكان دورا أساسيا في تشكيل عالم الكتاب، ولكل نص مكانه الذي يستلهم منه مادته وموضوعه، وتنتقل النصوص بين مدن وأماكن كثيرة منها: المشرفة، مخيم سوف، عين الحلوة، عمّان، الطفيلة، جرف الدراويش، بيت لحم، الحسينية، أزبكية عمّان، بيروت، القدس، بغداد، دمشق، دبي، البقعة، نهر البارد، ذكرين، غزة، الأغوار الشمالية، لندن، جدة، ماركا، العقبة، رحمة، الحميمة، الصالحية، الغويبة، عكا، البقاع، صيدا، شرق الأردن، وغيرها.
هذه الأمكنة ليست مجرد إشارات جغرافية، أو خلفية مكانية للنصوص، ولكنها شخوص نابضة بالحياة والحنين، تتحوّل إلى رموز شعورية ترتبط بذكريات وتجارب مختلفة.
فبيروت تظهر بوصفها مدينة العشق والجنون:
«لِبَيروتَ حُلُمٌّ وبَعضُ ظُنون..
لبَيروت عاشِقٌ مَرَّ..
ومَرَّ بها آخرون..
لِبَيروتَ عُيون تَتأمّلُ..
وعُيونٌ تُبحِرُ..
وعُيونٌ تَراها تَتَحَدّى هذا الزّمَنَ المَجنون»
كما تحضر عمّان في نصوص عديدة بوصفها فضاء يوميا للذاكرة واللقاءات الإنسانية:
«سَأنامُ على كَتِفِها.. لأحلُمَ..
رُبِّما يَتَغيّرُ هذا الزَّمانُ..
«مُدُنُنا» سيرَةُ عِشقٍ وتَعَبٍ وأمَلٍ وحَياة!»
ولمدينة العقبة في الجنوب نصيب:
«وشاطِئُ البَحرِ الأحمَرِ صَديقُكَ هُنا في بَرْدِ كانون،
يُحَدِّثُكَ عَنْ ميناء ومَدينَةٍ جَميلَةٍ
تَنامُ لِتَحتَضِنَ سُكونَ الكون.. تَماما مِثلَكَ في الجَنوبِ».
هذا التنقل بين الأمكنة يمنح النصوص بعدا إنسانيا واسعا، ويرتقي بالتجربة الذاتية لتتقاطع مع تجارب إنسانية وجغرافية متعددة.

البعد الإنساني والقضايا الجمعية
على الرغم من الطابع الوجداني الشخصي للنصوص، فإنّ الكاتبة لا تنغلق في ذاتها، بل تنفتح على قضايا إنسانية أوسع، مثل: الحصار والحروب، معاناة الأطفال، الاغتراب، الأمل بالمستقبل… فعن الحرب والحصار تكتب عن دمشق:
«لِلبَحرِ لَونٌ آخَرُ..
حِصارٌ وقَبضَةُ إصرار..
لا جَديدَ هُنا..
شُموعٌ وصُوَرٌ لِأطفال
وإِنْذارٌ يَتبَعُ إنْذار..
لا وَقودَ هُنا..
لا بُدَّ مِنْ كَسرِ الحِصار».
وعن الغربة ومعاناة المغترب وأهله تكتب:
«في الغُرْبةِ يا ابْني..
سَتَنامُ وتَصحو على أمَلِ بِشارَةِ قادِمَةٍ.. وزَخّاتٍ واعِدَةٍ مِنْ فَرَحِ ومَطَر..
وسَأشتاقُ إلَيكَ مَعَ كُلِّ فَجرِ دونَ أنْ أُصارِحَكَ..
ولكِنّني سَأكتُبُ لَكَ رَسائِلي كي لا تَغيبَ طَويلا عَنِ الوَطَنِ..»
وعن غزة ذات عدوان تقول:
«في الفَجرِ يُنادي المؤذِّنُ: «حَيَّ على الصّلاة»..
وتَحتَ بَقايا مِئذَنَةٍ.. يَرقُدُ طِفلٌ قَطَعَتْ أطرافَهُ آلافُ الغارات!
وفي المدى حُطامُ صاروخِ كُتبَ عليه:
«هُنا باقونَ في وَجهِ الإعصار»
وفي كثير من النصوص، تتحوّل الكتابة إلى صرخة إنسانية ضد الألم والعنف والظلم والعدوان، وهنا تتجاوز النصوص حدود التأمل الذاتي لتصبح شهادة وجدانية على الواقع.
دلالة العنوان
يحمل عنوان الكتاب «كاندي كرش» مفارقة لافتة، إذ يحيل إلى لعبة إلكترونية معاصرة، بينما تتناول النصوص موضوعات إنسانية عميقة مثل الذاكرة والحب والحنين والغربة والطفولة والمرأة. وهذه المفارقة تشير إلى فكرة مهمة؛ هي أنّ الإنسان المعاصر يعيش بين عالمين؛ عالم التقنية السريع، وعالم المشاعر والذكريات، وبذلك يصبح العنوان رمزا لواقع الإنسان الحديث الذي يحاول التوازن بين سطحية الحياة الرقمية وعمق التجربة الإنسانية.
وبعد؛ يمثل كتاب «كاندي كرش.. وخواطر أخرى» تجربة أدبية تقوم على التقاط اللحظة الإنسانية الهاربة، وتحويلها إلى نصوص مكثفة، تنبض بالحنين والذاكرة، فالكاتبة ريما ملحم لا تسعى إلى بناء حكاية متكاملة بقدر ما تسعى إلى تسجيل أثر الشعور في اللحظة، حيث تتحوّل الذاكرة إلى نبع للكتابة، والمكان إلى مرآة للذات. وإذا كانت النصوص تبدو للوهلة الأولى شذرات متفرقة، فإنّها في العمق تشكّل خيطا وجدانيا واحدا يربط بينها، هو البحث عن المعنى الإنساني في عالم سريع التحوّل. إنّه كتاب يُقرأ بوصفه دفتر ذاكرة شعورية تسجل فيه الكاتبة لحظات الحياة الصغيرة التي غالبا ما تمرّ من دون أن ننتبه إليها.
وأخيرا؛ يمكن القول إنّ نصوص «كاندي كرش.. وخواطر أخرى» محاولة إنسانية لمقاومة النسيان؛ فالإنسان، في جوهره، كائنٌ مهدَّد بالزوال؛ الزمن يمضي، والوجوه تتبدّل، والأمكنة تتحوّل، غير أنّ الكتابة تظل الفعل الوحيد القادر على انتزاع لحظة من مجرى الزمن وإبقائها حيّة في الذاكرة. ومن هنا تبدو هذه النصوص كأنّها مرايا صغيرة موزعة على الطريق، تعكس ما يتبقى من الضوء في حياة الإنسان؛ طفولةٌ بعيدة، مدينةٌ أحببناها، صوتٌ غاب، أو حلمٌ لم يكتمل. في هذا المعنى، تتحوّل الكتابة إلى شكلٍ من أشكال الإنقاذ الوجودي؛ إذ تمنح اللحظة العابرة معنى يتجاوز الزمن العابر، وتعيد إلى التجربة الإنسانية قدرتها على البقاء. وهكذا يغدو هذا الكتاب، في عمقه، محاولة هادئة للقول، إنّ ما يكتبه القلب لا يضيع، وأنّ الذاكرة حين تتحوّل إلى لغة، تصبح شكلا من أشكال الخلود الإنساني الصغير في مواجهة الزمن الكبير.

كاتب أردني

  • عن القدس العربي

شاهد أيضاً

تحديات الإعلام التقليدي في ظل الثورة الرقمية ومنصات السوشيال ميديا

تحديات الإعلام التقليدي في ظل الثورة الرقمية ومنصات السوشيال ميديا حوار مع الإعلامي والأديب: يحيى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *