بيرث موريزوت.. معنى الفن والوفاء

(ثقافات)

بيرث موريزوت.. معنى الفن والوفاء

حاتم السروي

فنانة رقيقة تنتمي إلى المدرسة التأثيرية أو “الانطباعية”، وهي أول امرأة تنتمي إلى الثورة الفنية التي أحدثتها تلك المدرسة، ففي الوقت الذي بدأ فيه التأثيريون يتكلمون عن ضورة التجديد والتجريب انضمت لهم “بيرث” دون تردد.

لقد كانت ثورة التأثيريين مثل كل الثورات الفنية التي عصفت بالقواعد القديمة، فقد واجهت مقاطعة شديدة وهجومًا لاذِعًا في الصحف؛ بل وصل الأمر إلى تحطيم اللوحات وتشويه الرسومات، ورفض أصحاب المعارض تعليق لوحات فناني هذه المدرسة أو تقديمها إلى الجمهور، كما أن الجمهور نفسه كان عازِفًا عن مجرد رؤية هذه اللوحات، ورافِضًا لشرائها ولو بأبخس الأثمان!

ومع كل هذا اتجهت “موريزوت” إلى هذه المجموعة الفنية الغريبة في عصرها، وعملت مع فنانيها، وهي التي كان أبوها من هواة الرسم الكلاسيكي، وكان أيضًا لحسن حظها غَنِيًّا واستطاع أن يوفر لها حياة مستقرة، ولهذا خرجت هادئة النفس مُتَّزِنَة ولا تعاني من العُقَد؛ فقد كان والدها يوفر لها احتياجاتها ولا يُسِيء معاملتها، ولهذا رأيناها فنانة ناجحة؛ فقد كانت أعمالها دون بقية التأثيريين تُقْبَل في معرض (الصالون) كل عام، وهذا معناه أنها كانت (قديرة) إذ لم يكن معرض الصالون في باريس يعرض لأي أحد.

ورغم نجاحها إلا أنها وضعت نفسها موضع التلميذة المخلصة للفنان الفرنسي “مانِيه” رائد المدرسة التأثيرية. وكان “مانيه” وسائر أعضاء المدرسة يعلمون أن معركتهم الحقيقية تكمن في أن يعرض الصالون أعمالهم؛ فهذه اللوحات لابد أن ترى النور، ولا يوجد فن بلا جمهور.

وتمر الأعوام، وهذا الصالون الوقور أكثر مما يجب والواصل إلى حد التَّجَهُّم لا يعرض إلا أعمال الفنانين ذَوِي الاتجاه (الأكاديمي) وأتباع المدرسة التقليدية، ويرفض أعمال التأثيريين وكل أصحاب الأفكار الفنية الجديدة والجريئة عمومًا، وأكثر من الرفض أنه يستنكر هذه الأعمال تمامًا؛ لكنه يستثني من هذا الرفض والإستنكار أعمال مدام “مُورِيزُوت”.

 وبدأ مانيه وأصحابه يشعرون بالقلق، ثم توصلوا إلى ضرورة تقديم أعمالهم في معرض مستقل بعيدًا عن الصالون، وهذا المعرض المستقل بدوره يحتاج إلى نقود، ومجموعة التأثيريين بالطبع لا تملك مالًا، ولا يُنتَظَر لها أن تربح المال حتى في المستقبل البعيد! وبالتالي أصبح وجود مدام “موريزوت” بينهم تضحية فنية ومالية تحملتها عن طيب خاطر، وقبلت بها دون ضغط من أي نوع؛ وإنما بقناعة شخصية تامة؛ مع أن “مانيه” نفسه حذرها من البقاء معهم، وأوضح لها أنه سيجلب لها المتاعب؛ ولكنها آثرت المتاعب وفاءً لأستاذها وزملائها وإيمانًا منها بأنهم جميعًا يقدمون فنًا حقيقيًا.

وتضامُنًا منها مع زملائها التأثيريين توقفت “موريزوت” عن تقديم لوحاتها إلى الصالون الذي كان العرض فيه أمل كل فنان في ذلك الوقت، وفرحت بأن تُعرَض أعمالها مع الأصدقاء الذين أبهرتها نظرياتهم الفنية وتحليلهم لمفهوم (الضوء) وفهمهم الخاص والجديد للفن والحياة.

لقد كانت تلميذة مخلصة لدعوة فنية جديدة مشكوك في صحتها وبالطبع في مستقبلها، ورغم ذلك فضَّلَت أن تعرض لوحاتها مع “رِينْوَار” و”دِيجا” و”مانِيه” الذين ينظر لهم رواد الفن التشكيلي الآن على أنهم من كبار الفنانين – وهم بالفعل كذلك- على أنهم حينها لم يكونوا معروفين، وظلوا في عالم النسيان مدة خمسين سنة، ثم بدأ رواد الفن في فرنسا يتنبهون لعبقريتهم؛ مع أنهم أثناء حياتهم كانوا يشعرون بالبؤس، ويلح عليهم الإحساس بالفشل، وتحاوطهم سخرية مريرة من المثقفين؛ أما الجمهور فكان يعاقبهم بالتجاهل التام، كل هذا لأنهم حاولوا أن يُغَرِّدُوا خارج السرب.

ورضيت “موريزوت” أن تشاركهم هذا المصير، وفي مقابل هذا الرضا تعلمت منهم الكثير؛ فقد تعلمت من “رينوار” الرقة في استخدام الألوان والحساسية الظاهرة في اللوحات، وتعلمت في المقابل من أستاذها “مانيه” القوة في تنفيذ الأفكار على اللوحة والجرأة في التعبير، وتعلمت من كل أفراد المدرسة صبر الفنان ذي الأفكار الجديدة، في الوقت الذي كانت باريس كلها ضدهم، وكان النقاد يقولون عن لوحاتهم إنها تشبه ورق الحائط القديم؛ بل إن أحد النقاد غالى في ذَمِّهِم إلى درجة مضحكة؛ فكتب في جريدة الـ “فيجارو” عام 1865م عن معرضهم الثاني: “هذه هي المأساة الثانية التي تُحِيق بمدينة باريس بعد الحريق الذي التهم دار الأوبرا؛ ففي “ديراند روبلز” افتُتِحَ أمس معرضٌ يُسَمِّى “معرض التصوير” تجَمَّع فيه خمسة أو سِتَّة من (المُخَرِّفِين)! بينهم ويا للعجب امرأة هي “بيرث موريزوت” ولا أدري ماذا أقول لهم؟! أأقول للمسيو “بيساروَا” إنه لا توجد أشجار جذوعها بنفسجية! وإن كل ما يرسمه من مناظر ليس له وجود في أي منطقة من العالم، وإن أي ذكاء لا يقبل مثل هذا الهذر.. وهذا المسيو “ديجا” – أشهر رسام للباليه في تاريخ الفن بعد ذلك رغم كل هذا التوبيخ-  لا يفهم حتى الآن أن فن التصوير له مقدمات أساسية لا يمكن تجاهلها تسمى: “التكوين” والتحكم في اللوحة… وماذا أقول للمسيو “رينوار” وغيره… ألا يُقَدِّرُون خطورة ما يُقَدِّمُونَه للناس؟؟ لقد أمسك البوليس بالأمس برجلٍ مسكين في شارع “بلتير” تبين أنه كان قد دخل معرض التأثيريين وشاهد لوحاتهم؛ فكان أن خرج في حالة هستيرية، وراح يَعُض الناس في الشارع حتى قبض عليه البوليس!”.

{للأمانة أذكر أن هذا النقد اللاذع المنشور في “الفيجارو” نقلته من مقالة للكاتب الصحفي المهتم بتاريخ الأدب والفن “حسن فؤاد” والمقالة منشورة في مجلة “روزاليوسف” عدد الاثنين 9 مارس عام 1970، وهي بعنوان “في الفن وفي الحياة” ومرفق معها صورة لوحة من أشهر لوحات الفنانة موريزوت}.

إن هذا النقد الذي خرج إلى حد التوبيخ والسخرية بل والتَّنَمُّر لم يكن فقط رأي الناقد الذي كتبه؛ بل كان أيضًا رأي “الفيجارو” وهي أكبر صحيفة فرنسية في ذلك الوقت، وطبعًا هذا الناقد لم يكن يعبر إلا عن ذوق عصره، وعن منطقه العام ونظرته إلى الفن التشكيلي.

ورغم كل ما سبق بقيت “موريزوت” مع أتباع هذه المدرسة المغضوب عليها، مُتَحَمِّلَةً ما لا يتحمله غيرها، وتزوجت من شقيق أستاذها مانيه، وفتحت معه بيتًا لا يعرف الهمجية والصراخ والصراع كما تعرفه بيوت الأكثرية عندنا مع الأسف؛ فلم يكن في هذا البيت إلا الأثاث واللوحات والأطفال؛ وذلك لأن ربة هذا البيت فنانة مثقفة مرهفة الحس، تلقت في صباها تربية جيدة في بيت أب حافظ عليها، وفي شبابها مارست الفن فهذب وجدانها، وهي بطبعها كانت راقية ومحترمة؛ فنتمنى أن تكون مثلًا وقدوة للزوجات في مجتمعنا الذي يحتاج إلى إصلاح جذري عاجل وفعَّال.

كان بيت “موريزوت” هو الملاذ الآمن لأفراد مجموعتها الفنية؛ حيث يجدون فيه الدفء والطعام والشعور بالحياة العائلية التي يفتقدونها؛ فمعظمهم مع الأسف دُمِّرَت حياتهم الخاصة، وماتوا قبل أن تتغير موازين الفن ويعترف العالم بهم واحدًا بعد الآخر وتباع لوحاتهم بمبالغ لو كانوا حصلوا عليها في حياتهم لما قضوا أعمارهم في الحزن والفقر!

ولعل أجمل ما قيل عن “موريزوت” ما قاله الشاعر الفرنسي “بول فاليري”: “إنها تعيش لوحاتها، وترسم الحياة التي تعيشها” ولا شك أن هذه المعايشة هي التي جعلتها مؤثرة في إطار مجموعتها الفنية ولها أسلوبها الخاص بين زملائها؛ فألوانها رقيقة خافتة، واختياراتها رقيقة بنفس رقة تناولها وتعبيرها، وكل موضوعات لوحاتها النساء والبنات وما يجري في الحياة اليومية العائلية، كما أنها كانت تحب رسم الزهور.

ويمكن تلخيص مساهمتها في الإبداع الفني بأنها استطاعت أن تقرن فن الرسم بحياة المرأة ومشاعرها. وفي عام 1895 توفيت “موريزوت” بعد أن تركت من اللوحات الجميلة ما يجعلها في مصاف كبار الفنانين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولاشك أن فنها سيظل باقِيًا بما له من تَمَيُّز ورِقَّة؛ ولا سيما أنه يتفق مع طبيعتها كامرأة وأم، وإنسانة مرهفة موهوبة هادئة الطبع راقية، ولقد آثَرتُ الكتابة عنها لعلها تكون قدوة لبناتنا ولنا جميعًا؛ لأننا بالفعل نحتاج إلى إشاعة روح الذوق والرُّقِي في التعامل، وأيضًا إلى الهدوء وضبط النفس وتقدير الفن بكل أنواعه.

شاهد أيضاً

أمجد ناصر: المقال الصحفي وكتابة الذات

(ثقافات) أمجد ناصر: المقال الصحفي وكتابة الذات   يحيى القيسي*   مُفتتح أحياناً وأنت تقرأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *