“قصّة مغلفين” لحازم ملحم: كيفية تجاوز العقبات للوصول إلى العالمية

“قصّة مغلفين” لرجل الأعمال الريادي حازم ملحم:

سيرة غنية بالأحداث ترصد التقلبات وتجاوز العقبات للوصول إلى العالمية

يحيى القيسي

 

أحب قراءة كتب السيرة الذاتية لسبب بسيط أنها تقدم للقارىء خلاصة تجربة صاحبها الواقعية والدروس المستفادة بعيداً عن الخيال الجامح الذي تنطوي عليه الكتب الأدبية عادة مثل الروايات ودواوين الشعر، فمهما حاول كاتب السيرة أن يبتعد عن قصته الحقيقية وسيرته العملية، وقيامه أحياناً بإضافة شيء من التزويق لأحداث معينة أوالحذف أو التضخيم، فإنّها في النهاية تقدم خلاصات معرفية، وتجارب واقعية، مبنية على أحداث لها أصول في الحياة اليومية، ضمن تواريخ محددة، كما أنّها تدخل في سياق الأحداث العالمية الموازية سواء الكبرى أو الصغرى، فتظهر أحياناً بين طيات صفحاتها، ولها أيضاً صلة بأشخاص آخرين حقيقيين يمكن لهم تفنيد ما جاء في هذه السيرة أو التعليق عليها، وبالتالي هي شهادة خاصّة من كاتبها على العصر والأمكنة والأشخاص والأحداث.

من هذا المنطلق يمكن قراءة كتاب رجل الأعمال الأردني الفلسطيني حازم ملحم “قصّة مغلفين: كيف تتجاوز النكسات وتنهض بعد الفشل وتبني تجارة عالمية” الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في العام 2022 أي في فترة جائحة كورونا أو بعدها بقليل كما يبدو، إذ ثمة إشارات لذلك في سياق الكتاب.

النسخة التي بين يديّ مترجمة من اللغة الإنجليزية التي هي الأصل، ورغم ذلك فإنّها ترجمة سلسة بلغة عربية مبينة، وقادرة على إيصال الأفكار وتفاصيل الأحداث بيسر، بحيث يمكن لشخص مثلي منشغل بالأدب أن يفهم شيئاً عن عالم “البزنس” وبعض المصطلحات، وتفاصيل إنشاء الشركات المتخصّصة من خلال رحلة كاتبها، بدءاً من إنشائه متجراً لبيع أجهزة الكمبيوتر في عمّان منتصف الثمانييات وصولاً إلى تأسيسه شركته الخاصة التي تعنى بتوظيف التقنيات والبرمجيات الحاسوبية في طباعة البطاقات الشخصية، وخدمة السويفت البنكية، ومكافحة غسيل الأموال، وطرق التمويل الكبرى للشركات، وقضايا الإفلاس، والاختراقات الخاصة بالحواسيب وصولاً إلى الحوسبة السحابية ومواكبة العصر عبر توظيف الذكاء الاصطناعي.

 لست هنا في صدد إعادة شرح قصة هذا الرجل ونجاحاته وإخفاقاته، والمحطات التي مرّ بها في شركاته ومع شركائه، فتلك مسألة تحتاج إلى الكثير من الصفحات، وتزيل العنصر التشويقي لمن يرغب بالقراءة، ويرغب باكتشاف الأسرار، لكنّي سأمر على بعض الأمور الأساسية التي استوقفتني في هذه السيرة المتواصلة إلى يومنا هذا بكل نجاح، وأحاول التأشير على الأسرار الثمانية التي بثها في كتابه عن كيفية النهوض بعد الفشل.

يجب الإشارة أولاً إلى بنية هذا الرجل العائلية وكيفية مساهمتها في تكوينه، ومساندته في أحلك ظروفه، إضافة بالطبع إلى سعة أفقه، وانفتاحه العربي والعالمي، وعيشه في أكثر من مكان، فالتأسيس للإنسان يبدأ من العائلة، فهو ابن لمحامٍ بارع ومناضل هو محمد عياش ملحم المنحدر من حلحول، والذي كان من أوائل الفلسطينيين الذين ذهبوا في بعثات إلى بريطانيا، كما أن والدة حازم ذات الشخصية الخاصّة لعبت أيضاً دوراً في إنجاح مسيرته ولو بشكل غير مباشر.

ولد حازم في السعودية حينما كان والده يعمل في شركة أرامكو، وعاش جزءا من حياته في الكويت، ودرس بعض الوقت في الجامعات البريطانية، ثم هنغاريا، وأمريكا، وتنوعت أعماله لاحقا بين الأردن، ودبي، وبلجيكا ودول أخرى عديدة، لكنه يختصر كلّ هذه الأمكنة بانتمائه للأردن من جهة، وبلجيكا التي يحمل جنسيتها أيضاً من جهة أخرى، إضافة إلى جذوره الفلسطينية التي ساهمت وما تزال في رؤيته الوطنية، وأحلامه الشخصية للوصول إلى وطنٍ مُحرّر.

المثابرة والأمل رغم الإخفاقات

سنقرأ في هذا الكتاب أيضاً شيئاً عن سرّ العنوان” قصة مغلفين” إذ نتعرف إلى كيفية إخفاقه أثناء وجوده في بريطانيا بتلبية رغبته ورغبة والده في دراسة الهندسة إذ لم يحقق العلامات المطلوبة منه لدخول هذا التخصص، وهنا يطلب منه والده العودة إلى الكويت، ويقابله بجفاء في مكتبه الشهير للمحاماة، ويريه على الطاولة مغلفين بنيين أحدهما منتفخ، والآخر عادي ويبدو شبه فارغ، وكيف عرف أنّ المقصود من هذا الأمر درساً قاسيا من والده له كي ينهض من جديد ويتحمل مسؤولية أفعاله، فالمغلف الأول يحتوي على المال الذي كان والده قد خصّصه له للدراسة في بريطانيا، والمغلف الثاني الذي كان من نصيبه يحتوي فقط على 200 دولار كي يبدأ بها حياته.

هذا الدرس ساهم في نضج ملحم وأنّ عليه أن يعتمد على نفسه منذ ذلك الوقت وصاعداً فحتى لو نشأ المرء وفي فمه ملعقة من ذهب فإنّ الأيام قد تذيقه الويل لاحقاً، وعليه أن يحسب حساب المستقبل، وبالطبع فإنّ مسيرة الرجل الذي هو اليوم قد تجاوز منتصف الستينيات عبارة عن “رحلة جبلية صعبة” على رأي الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، من أجل الوصول إلى الاستقرار والوفرة في الحياة والعمل.

التثقيف الذاتي وسعة الأفق

سنكتشف الكثير ونحن نقرأ كتاب حازم ملحم عن كيفية تأسيسه أولاً لمحل بيع لأجهزة الكمبيوتر في بداية الثمانينيات ثم تطوير أعماله لاحقا لشركة عالمية كبرى تدعى “إيست نتس” متخصّصة بحلول البرمجيات، واستحواذه على شركة كبرى بلجيكية لاحقا، وصولاً إلى جانبه الإنساني عبر تأسيس جمعية خيرية تعنى بالمناطق المهمشة في الأردن وكيفية المساهمة في نشر الوعي بالعمل ودعم هذه المجتمعات.

من الواضح أنّ مؤلف الكتاب إضافة إلى خبراته الريادية في مجال الأعمال، وكيفية تجاوز العقبات، فهو قارىء ومثقف من طراز رفيع إذ يحتوي كتابه على الكثير من الاستشهادات لأعمال أدبية مثل ادوارد سعيد وهوراكي موراكي وجبران أو لأفلام سينمائية يستلهم منها أحياناً أمثلة على بعض ما يمر به، فسعة الأفق، وعمق الثقافة، إضافة إلى الثوابت الدينية والوطنية والإنسانية مسائل جوهرية في شخصيته لا يفرط بها – كما يذكر في كتابه – مهما اتسعت أعماله، وتنوعت انشغالاته، وكثرت العواصم والمجتمعات التي يقيم فيها، حتى إن شركته تضم الكثير من الجنسيات بسبب بحثه الدؤوب عن الكفاءات والخبرات النادرة لتحقيق استراتيجاته وتعميق نجاحاته.

من المؤكد أن هذا الكتاب غني بالمعارف والخبرات التي تستحق الكثير من التأمل، وتصلح لأن يستفيد منها طلبة الجامعات في تخصصات الإدارة والمالية، إضافة إلى رجال الأعمال والخبراء، وحتى الجيل الجديد المقبل على الأعمال، لمعرفة خلاصات مقطرة لكيفية الوصول بالمشاريع إلى قمة النجاح، ولعله قد أشار أكثر من مرة إلى أن معهد انسياد الشهير قد استضافه أكثر من مرة، ورسخه كنموذج للنجاح لطلبته في حقل الدراسات العليا، وهذا الأمر قلما يحصل لرجل أعمال عربي، فالموضوع لا يكمن في تأسيس شركة بل في معرفة لم يقوم مؤسسها بذلك، ولعل غالبية الشركات تنشأ بهدف زيادة الأرباح وجني المزيد من المال،  بالنسبة له “يرغب في إعطاء الناس الأدوات اللازمة للتواصل مع بعضهم بعضاً والمشاركة في الاقتصاد العالمي من أجل حمايتهم وحماية ممتلكاتهم”.

أسرار النهوض بعد الفشل

بقي أن أشير إلى خلاصة هذا الكتاب عن الأسرار التي ذكرها من أجل النهوض بعد الفشل لرجال الأعمال وللشركات التي تواجه العثرات، ومن ذلك التجسير والربط بين بعض النقاط المهمة في عالم الأعمال ووصل الناس ببعضهم، وعدم الخشية من ارتكاب الأخطاء، فمن لا يخطىء دليل على أنه لا يعمل، ولكنه يحذر من ارتكاب الخطأ مرتين، فهنا يقع وزر الفشل على المرتكب، وأيضا أن يتحلى المرء بالإيجابية، وينظر إلى نصف الكأس الممتلىء، وشعاره في ذلك الآية القرآنية “إنّ مع العسر يسراً”، فهو يرى حتى في قمة اليأس والقنوط شعاعاً من النور، كأنه أيضا يستلهم الآية القرآنية الأخرى”عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”، كما يشير ملحم إلى ضرورة طلب المشورة والنصح من الأشخاص الذين يثق بهم، ولا يعتمد فقط على رأيه الخاص، وقد كان في أحلك الظروف التي يواجها يستمع إلى والده، أو يستعين بأخيه وأخته، أو يلجأ إلى والدته، وأصدقائه.

هناك نصائح أخرى مهمة يرويها للقراء قام بتطبيقها بنفسه وآتت أكلها مثل أن يكون الانسان ديناميكيا ويتحرك سريعاً لاقتناص الفرص والبحث عن البدائل، وأن يطور قابليته لرؤية الصورة الأعم والأشمل، وأن يكون متنوعاً، و”فضولياً لعيش تجارب متنوعة” كما أشار في تأثره برواية “الأمير الصغير” لانطوان اكسوبيري الفرنسي، وأخيراً أن يؤمن الإنسان بنفسه ويكون أصيلاً وغير مقلد لغيره.

ثمة بين ثنايا الكتاب حكم أخرى ساهمت في تشكيل رؤية هذا الرجل الريادي ونجاحه، ومن ذلك تعلمه لفن الإصغاء، وانفتاحه على العالم كله مع المحافظة على قيمه ومبادئه، فإذا كان المغلف المنتفخ بالأموال قد خسره في بداية حياته فإنّ مثابرة الرجل واستفادته من تكوينه الأكاديمي العميق، وخبراته الحياته، ودروس والده قد أدت إلى اكتسابه سمعة دولية ووفرة مالية ومساهمة حقيقية في تطوير الاقتصاد العالمي في الحقل الذي اختاره وبرع فيه هو وفريقه.

أخيراً فإنني بعد انتهائي من السطر الأخير للكتاب شعرت بأن هناك من يشاركني بعض الآراء في هذه الحياة، رغم أني لست رجل أعمال، وبعيد عن عوالمهم المتشابكة والمعقدة، لكني أؤمن بأنّ الانسان يستمر في التعلم من المهد إلى اللحد، ومن يعتقد أنه وصل قمة النجاح، واستقر بها، فهو واهم، فالحياة اختبارات متواصلة، والسعيد من يعتبر من دروس الماضي، ويستند إلى إيمان راسخ، ونفس إيجابية، ويرى دائماً في طيات سحب القنوط المتراكمة شعاعاً من الأمل يزيل كلّ العتمة.

شاهد أيضاً

مذكرات المحامي محمد ملحم: العمل الاجتماعي بين الفرد والمؤسسة

مذكرات المحامي محمد ملحم: العمل الاجتماعي بين الفرد والمؤسسة عزيزة علي   يشكل كتاب “في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *