رقمنة الثقافة العربية

(ثقافات)

رقمنة الثقافة العربية

 يحيى القيسي*

 

يبدو المحتوى العربي على شبكة الانترنت ضئيلاً وغير مؤثّر على المستوى العالمي، فإذا عرفنا أنّ هذا المحتوى يتكون أصلاً من المسموع والمرئي والمكتوب، وأنّه يضمُّ الغثّ والسمين، فإنّنا سندرك حينها حصّة الثقافة العربية الجادّة من هذا المحتوى، وإذا أردنا أن نكون أكثر تركيزاً، فإنّنا يمكن أن نقول بالفم الملآن إنّ نصيب الأدب العربي من كل ذلك شيء بسيط وعشوائي، وهو موضوع على هذه الشبكة العنكبوتية غالباً بشكل غير احترافي، بل بوسائل تقنيّة تقليدية وغير فعّالة، وبالتالي يكون مجال انتشاره محدوداً.

إنّ نظرةً على موقع عالمي مجاني للأرشفة مثل ” INTERNET ARCHIVE”  مقره في كندا، ويضمّ ملايين الوثائق والصور والكتب والأفلام من لغات عديدة، ويتيح المجال لأي شخص بوضع المحتوى المرئي أو المسموع أو المكتوب عليه دون رقابة، تظهر حقيقة المحتوى العربي الذي تمّ توثيقه إلى اليوم على أقسام هذا الموقع الضخم، فهو في الحقيقة مزيج من المواد ذات الطبيعة التافهة، أو التي تحمل فكراً متطرّفاً، أو الكتب المصوّرة، أو الأشياء ذات الطابع الشخصي، وبالتالي يصبح البحث بين ثنايا المحتوى العربي هناك عن شيء متميز مثل البحث عن إبرة في كومة من القش.

 ليست المشكلة هنا تتعلق بالباحث العربي فقد يجد ضالته في مواقع أخرى، لكنّ الكارثة في غير العرب من المعجبين بثقافتها، أو الراغبين بالتعرف على أمر ما، أو التوسّع في قضية معينة، خصوصاً من طلبة أقسام الدراسات الشرقية أو اللغة العربية وآدابها، من دول آسيا أو أوروبا أو أميركا الذين ليس لهم من وسيلة أحياناً غير الانترنت للاستزادة من المعرفة، ويقودهم بحثهم إلى مثل هذا الموقع.

 عصر جديد بوسائل قديمة

من الواضح إذن أنّ نسبة الثقافة العربية التي تمّ تحويلها رقمياً وبثها في هذا الفضاء السيبراني للعالم ما تزال ضئيلة، فأغلبها حبيس الأرشفة الورقية البدائية، ومعارض الكتب المحدودة التوزيع، والمكتبات العامة والجامعية وغيرها.

 صحيح أنّ هناك مبادرات خلاقة في السعودية والإمارات والأردن ومصر على وجه التحديد بخصوص زيادة المحتوى العربي المتميز على شبكة الانترنت ورقمنة الكتب، لكنّها في الحقيقة غير كافية، إذ هناك الكثير من الدول العربية التي لم تدخل بعد عصر الرقمنة، أو تهتم بوجود المحتوى الثقافي الخاص بها، وتكتفي بالوسائل التقليدية التي عفى عليها الزمن لنشر هذا المحتوى، وبالتالي فإنّ الدخول في عصر جديد بوسائل قديمة كمن يستخدم عربة الخيل للذهاب إلى بلد آخر بدلاً من ركوب الطائرة.

ثمة مقولة منسوبة إلى العالم الشهير بيل غيتس مؤسس الشركة العملاقة ميكروسوف “إن لم تكون مُرقْمَناً فإنك غير موجود” ، وهذه تبدو مقولة واقعية اليوم، فكل ما هو خارج الشبكة من وثائق وكتب وأفلام وبقي على حاله فوق الرفوف والمكتبات والمستودعات، ولم تتم رقمنته ووضعه بصيغة ما داخل الشبكة،  فإنّ أحداً لن يعثر عليه إلا بالبحث اليدوي وشدّ الرحال إلى أماكنه، وبالتالي يبدو وكأنّه غير موجود أو متوفر في الواقع، لهذا سارعت الكثير من الجامعات العريقة والجهات الثقافية العالمية لايجاد مكان لها في هذا الفضاء، وبثّ جزء من مخزونها الهائل للناس، سواء كان ذلك بشكل مجاني أو عبر اشتراك رمزي، لا بل إنّ بعض الدول الكبرى مثل الصين وروسيا ودول أوروبا وأميركا قد وفرت بعض منصاتها الرقمية بلغات عديدة، من أجل الاستفادة من أكبر عدد مُمكنٍ من الزوّار والباحثين من شتّى أنحاء العالم.

توظيف الذكاء الاصطناعي

ومنذ انطلاق برامج الذكاء الاصطناعي وتطويرها بشكل متواصل أصبح لها دور كبير أيضاً في المساعدة على الأرشفة، والبحث، والتنظيم، ففي أغلب المواقع ستجد إشارة لوجود خاصية لأحد برامج الشركات الكبرى للذكاء الاصطناعي لمساعدة المتصفح في عمله، لا بل ثمة تنافس هائل اليوم في مثل هذه البرامج المتكاثرة لخدمة الراغبين بالمعرفة، فوسط هذا البحر المتلاطم من العلوم والثقافات والمعلومات بصيغها الرقمية المختلفة المقروءة والمصورة والمرئية، والكثير من التضليل أيضاً يصبح الأمر صعباً على المتصفح غير المحترف لمعرفة الأصيل من المقلد، وبالتالي قد يجد ضالته في واحدة من هذه البرامج الذكية للفرز والتحليل، إضافة إلى أنّه يمكنك أن تسأل برنامج الذكاء الاصطناعي الذي قمت بتنزيله على جهازك، أو ذاك المجاني المرتبط بالموقع مدار البحث أن يجلب لك معلومات أخرى، أو يقترح مواقع شبيهة أو رديفة أو أن يعيد صياغة بعض المقالات والمواد التي حصلت عليها بشكل آخر حتى لا تقع في فخ السرقة الأدبية للنص، في حال نشرته في مكان آخر أو وظفته لأمر ما.

 منصات الكتب الرقمية

خلال العقد الماضي ظهرت بعض المواقع المتخصصة لعرض الكتب العربية رقميّا وتوفيرها بصيغة ”   PDF” وبشكل مجاني، ولا يتعلق هذا العرض بالجهود الفردية، بل قامت وزارات ثقافة عربية وجامعات معروفة بتوفير بعض أرشيفها من الكتب والمخطوطات عبر الانترنت، لكن ظهرت هنا إشكالية حقيقية، وهي وجود بعض القراصنة الذين يقومون بعمل مسح ضوئي للكتب الصادرة حديثاً أو التي عليها طلب من القراء، وتوفيرها على مواقع كثيرة دون مراعاة أي حقوق للمؤلف أوالناشر، وهذا ما يتسبّب عادة بخسائر كثيرة معنوية ومادية للطرفين، كما إنه من الصعب ملاحقة هؤلاء القراصنة قضائياً لأنّ بعض الدول العربية متساهلة – للأسف – في قضايا حقوق المؤلف، ولا تقوم بتفعيلها.

من أجل ذلك، وحفظاً لحقوق الناشرين والمؤلفين ظهرت منصات  عربية لعرض الكتب الرقمية والصوتية عبر تطبيقات هاتفية أو على الحاسوب المحمول “التابلت”، دون إمكانية أن يقوم المتصفح المشترك بتنزيل الكتاب خارج الجهاز، وهذا نوع من التطور في عرض الكتب العربية وتوزيعها علىى نطاق عالمي واسع في كل مكان يمكن أن تتوفر فيه خدمة الانترنت.

في الحقيقة بدأ الأمر مع شركة عملاقة مثل “أمازون” التي تخصصت في أول ظهورها في بيع الكتب الورقية وتوزيعها، لكنها تطورت فيما بعد لتبيع أي شيء، ثم قامت بتأسيس شركة رديفة تعنى بعرض الكتب أيضاً رقمياً وهي “كيندل”، إذ يمكن للمتصفح الاختيار بين أن يشتري الكتاب ورقياً بسعر ما أو يقوم بقراءته رقمياً فقط بسعر منخفض، لكن هذه المنصة العالمية الشهيرة اليوم متخصّصة أكثر بالكتب الانجليزية، لهذا قامت بعض الجهات الخاصة العربية بتأسيس منصات شبيهة لعرض الكتب بالطريقة نفسها، أي برمجة تطبيقات هاتفية وعرض الكتاب العربية فيها بصيغة تفاعلية تدعى “E Pub” وهي صيغة متطورة لقراءة النصوص تختلف تماماً عن الصيغة المنتشرة في تصفّح الكتب التقليدية التي أشرنا إليها أي ”  PDF ” إذ يمكن من خلال القارىء الالكتروني الذكي استعراض العديد من الخيارات التي تجعل من القراءة الالكترونية مسألة مريحة للمتصفح، وكأنك تقرأ كتابا ورقياً، ومن ذلك توفير خاصية القراءة المريحة للعين ليلاً أو نهارا، وتكبير الخط أو تصغيره، أو تبديل نوعه، وإمكانية تظليل بعض النصوص او الاقتباسات وحفظها أو مشاركتها، وكذلك وضع التقييم الخاص للكتاب بعد القراءة وكتابة الملاحظات المتعلقة به وعرضها أمام المتصفحين الآخرين. إنها باختصار صيغة تفاعلية متطورة لعرض الكتاب العربي، ومن أشهر المنصات حاليا “أبجد” و “رفوف”، “سماوي”، “ألف كتاب وكتاب” وغيرها.

 تطلعات رقمية للثقافة العربية

من خلال متابعتي السنوية لمعرض لندن الدولي للكتاب المتخصص بقضايا النشر، وتوقيع العقود مع المؤلفين، وحقوق الترجمة، وأيضا الاطلاع على آخر ما توصلت إليه صناعة النشر في العالم، ثمة تركيز واضح على ضرورة نشر الكتب رقمياً لتزايد طلب الجيل الجديد على ذلك، ولسهولة الحصول على الكتاب من أي مكان في العالم، واستخدامه في البحث أو لمتعة القراءة، إضافة إلى ذلك هناك توجه عالمي نحو “الكتب الصوتية” إذ توفر هذه الصيغة أيضا الفرصة لعشاق الكتب الاستماع إليها دون عناء قراءتها، بسبب من الظروف المانعة أحياناً من توفر وقت للقراءة، إذ يمكن عبر الاستماع للكتاب صوتياً أثناء قيادة السيارة مثلا أو ممارسة الرياضة أو المشي توفير فرصة مذهلة لزيادة المعارف عند الراغبين والمتعة الفكرية أيضاً.

لهذا يمكن القول في النهاية إنّ خيار رقمنة الثقافة العربية وتحويلها إلى صيغ تفاعلية وصوتية وحتى مرئية لاحقاً أمر في غاية الأهمية، وما لم تبادر الجهات الكبرى المشرفة على الثقافة سواء كانت أهلية أو حكومية لتأسيس مبادرات حقيقية لرقمنة الكتب والمجلات والمخطوطات وحتى الأرشيف، ووضعها على منصات احترافية ذات قدرات تقنية عالية، وبصيغ سلسة، فإن الجيل الجديد لن يعرف شيئاً عن هذا المخزون الهائل لهذه الثقافة في ماضيها وحاضرها، وهذه الجهود للرقمنة لن تساهم في إلغاء الكتب الورقية والأرشيف التقليدي بل تتجاور معه، وتساهم بتوثيقه والحفاظ عليه، والعمل على انتشاره بشكل واسع، فقد يمر زمن طويل من حالة التجاور بين الثقافة التقليدية والمرقمنة، فالخيارات كثيرة والأذواق مختلفة، لكنها في النهاية فرصة ذهبية لأن يحمل المرء في هاتفه الصغير أو على جهازه الحاسوبي إرث العرب الثقافي الهائل والمتواصل، فيما هو ينتقل من مكان إلى آخر في هذا العالم الشاسع.

  • روائي وباحث أردني

شاهد أيضاً

رواية “ثرثرات في متجر السحر”: سيمفونية الوجع والغرائبية في جبل عمّان

رواية “ثرثرات في متجر السحر”: سيمفونية الوجع والغرائبية في جبل عمّان تبارك الياسين  في رواية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *