في الفراغ يولد الضوء: الشعر بوابة للحضور في الغياب
ديوان “لا أراني ” للشاعر المصري أحمد الشهاوي
د. مصطفى غلمان
نادرا ما أعود إلى الشعر بوصفه طقسا مقيما، لا لأن جذوة الشغف خمدت، بل لأن في القراءة ما يفيض بنصوص تؤلّف بين الأزمنة، وتنسج خيطا خفيا بين ما انقضى وما يتشكّل، دون أن تنفصم الصلة بتلك الحداثة الشعرية التي أقامت وعيي طويلا على حافة السؤال، ودرّبت حساسيتي على الشك باعتباره معرفة، وعلى إعادة التأمل بوصفها ضربا من الإنصات العميق. غير أن اللافت في هذه التحوّلات القرائية، أن النفس، كلما أثقلها التيه، تعود بغير وعي إلى منسجها الصوفي، حيث تخفّ أسماء الشعراء، وتتلاشى الأهواء، ويغدو المعنى وحده دليلا.
يكفي في مثل هذه اللحظات، أن تومض شرارة واحدة من ذلك التشابك العميق والامتداد السرمدي، حتى يستقر المقام في قراءة تشبه الإقامة أكثر مما تشبه العبور. قراءة ألوذ بها إلى أن تنفتح نافذة أخرى، تقودني على مهل إلى الجهة التي تليق بقلقي وأسئلتي.
وفي هذا التجلي المشبع بالدهشة واللذة الخفيّة، مازلت ألامس شوارد نهمي وأنا أقترب من بهاء المتن الشعري لدى شاعر مصر الكبير صديقنا أحمد الشهاوي. تجربة لغوية وروحية تنبثق من تخوم مشروع شعري متوثّب، حافظ على نسقه الوحدوي، وعلى قدرة نادرة في استنطاق العبارة الصوفية حتى تخوم ذوبانها في النور. والاشتغال على نصه أشبه بالعوم في بحيرة بلا ضفاف، حيث لا يُلاحَق المعنى، بل يُستسلم له.
ومن هذا الأفق، أنطلق من ثلاثيته الهرمية المبهرة: «لا أراني» (2018)، و «سماء باسمي» (2018)، و»ما أنا فيه» (2020)، لأمتطي أمواج ثرائها النصي، وألج قبابها المضمرة ومساربها الدقيقة، علّي أجد مقامًا أتماهى فيه مع توتيرها المستدام، ومع تجاوراتها الجمالية والإستطيقية، حيث يتحوّل الشعر إلى حال، والقراءة إلى مكاشفة، والذات إلى صدى يتعلّم الإصغاء داخل لغة لا تكف عن الانفتاح.
وأحسب أن ما يجمع شتات هذا الأفق، ويؤسس لهذا الفهم المتدافع، هو تلك القدرة الفارقة على جمع أنهر المشروع الشعري لدى الشهاوي في مجرى واحد، لا سيما في واسطة عقده «لا أراني». مجموعة تتجاوز منطق الطفرة العابرة، وتغدو نافذة مشرعة على حافة التمكين لشعرية منذورة، متورطة في التدبر الفكري والتحقق الصوفي، في أبهى تجلياتهما المعرفية والنفسية.
إن هذا الديوان، في تقديري الشخصي، مرشّح لأن يترك أثره راسخا في وجدان مشروع الشهاوي برمّته، سابقه ولاحقه، بما يثيره من كثافة تأويلية، وما يفتحه من إمكانات لانتقال الأنا في توسّع وعبور إنساني ووجداني لافتين.
الشعر كحركة ذهنية: العبور إلى الفراغ والاحتمال
ينفذ الشاعر أحمد الشهاوي إلى العالم عبر ثقب الشعر، حيث لا تُعرض الأسئلة في هيئة حلول، ولا تُقترح الطرق بصفة نهائية. هناك، يتقدّم الشعر كاختبار للفكر في حالته القصوى، بوصفه حركة ذهنية مفتوحة على الاحتمال. هكذا فهمه بول فاليري حين ربطه بطريقة التفكير، لا بما ينتج عنها. الدخول إلى هذا الحيّز مغامرة في نهر لا يُسلّم ضفّته بسهولة، وارتفاع بلا شبكة أمان، ومع كل خطوة يتكشّف أن المعنى يتكوّن أثناء المسير، ويتبدّد حال محاولة القبض عليه.
من هذه المسافة، تتشكّل حكمة الشاعر في العيش: الانتباه إلى الهشاشة، والإقامة في ما يتفلّت. الأشياء الصغيرة تُمسك على مهل، والأحاسيس تُصان ككائنات قابلة للكسر، والفعل يُوزن بما يخلّفه من فقد. فالخسارة هنا ليست طارئًا، بل نواة صامتة تُكثّف الدلالة. ومن هذا المنظور، ينهض الشعر في صيغته الأكثر صفاءً كفعل مقاومة هادئة، مقاومة تُنجز بالإصغاء لما يتسرّب من اللغة حين تتخفّف من ادّعائها، على النحو الذي ألمح إليه أدورنو.
ضمن هذا الأفق، تنبثق افتتاحية أحمد الشهاوي، في ديوانه « لا أراني» مندفعة نحو لحظة شعرية مشبعة بالسيولة، تتلقّى الشعر في حالته الأولى، رائقًا، شفافًا، متحرّكًا كالماء بين الفقد والتوحّد. ماء ينبت في الفاصل الدقيق بين ما يُعاش وما يعجز عن الترسّب. كأن الشهاوي يراهن على زمن يُعاد فيه وصل القصيدة العربية بجسدها العميق، حيث تصبح نبضًا متغلغلًا في الوعي الجمعي، لا علامة ثقافية معروضة للزينة.
“ لم آخذ شيئًا من الشعر سوى منخلٍ من الماء…”، عبارة تُعلن اقتصادًا جماليًا خاصًا: تمرير المعنى، غربلته، وترك الفائض يسقط. الشعر يُمارَس كعبور، لا كرصيد. وفي سياق تتراكم فيه كتابات مشدودة إلى ادّعاء الارتقاء، يطلق الشهاوي سؤاله المربك: ممّ يتكوّن جسد الشاعر فيك؟ سؤال يخلخل المتكلّم، ويعيد الجسد إلى موقعه بوصفه مسرحًا للرؤيا وحجابًا لها في آن. العزلة هنا ممارسة مولّدة، والاقتراب من العتمة تمرين على التقاط الرمز، في صدى واضح لما ذهب إليه باشلار حين جعل الخيال فعلًا مادّيًا.
في مواجهة هذه القيود الرمزية، تتحول تجربة الشاعر إلى رحلة بحث عن الحرية ضمن السجون، حيث كل حبس هو مساحة لاختبار الذات وفهمها. السجون في نص الشهاوي ليست جدرانًا جامدة، بل مرآة للوعي الإنساني وللغة، تُبرز هشاشة الإنسان وقوة إدراكه، تماما مثل القيود التي تكشف حدود العقل، وفي إدراكها تنبت الحكمة، بحسب ابن رشد.
قصائد مثل «أمشي وحيدًا إلى الظل» و»أنا خطأ النحاة» تؤكد هذا المسار، إذ يصبح الصمت حاضنا للمعنى ومُفسحا للحدس، يتشكل الضوء من داخله، ويستمد النص قوته من الفراغ المحيط به. كل كلمة هنا تتأرجح بين الحضور والغياب، بين الإفصاح والتأجيل، كما يرى جيل دولوز: «المسافة بين الشيء والكلمة تولد إحساسًا بالوجود».
كما وأن الصمت يتحول إلى اقتصاد شعوري، يوازن بين الفقد والحضور، ويتيح للنفس أن تستوعب العالم من دون أن يُثقلها الكلام الفارغ. فالنص عند الشهاوي يختبر هذا الامتداد بين الضوء والظل، بين النطق والامتناع، حيث يصبح الصمت أداة لإعادة اكتشاف المعنى وإضفاء كثافة على التجربة، كما قالت هيغينز: «الفراغ لا يفرغ، بل يُعطي الفرصة لتشكيل الروح».
إن الخسارة هنا تحقّق حضورا، والغياب يُحوّل التجربة إلى فضاء للتأمل والتجديد. كل سجن، كل ظل، كل قيد، يفتح نافذة لرؤية أخرى، لإعادة بناء الهوية الشعرية في أفق حر وغير محدود. يصبح الشعر عند الشهاوي مكانا للكشف عن الذات والوجود معا، حيث يتشكل المعنى في اللحظة نفسها التي يختبر فيها القارئ حدوده، ويتعرف على قيمته وسط التوتر بين الفقد والاحتواء.
النص لا يكتفي بتسجيل المعاناة أو الظلام، بل يعكس رحلة مستمرة للتساؤل والفهم والتجربة الوجودية، يتحوّل فيها الشعر إلى أداة لاكتشاف الضوء المخفي في الظلال، كما أشار الرومي: «في كل ظلمة ينبت نور، وفي كل قيود يُولد الفهم». الصمت يصبح إذن مفتاحًا لفك الشفرات الداخلية للوجود، واللغة تنبض بالحياة بقدر ما تحافظ على فسحها للفراغ والإمكانية.
الصمت والظل: الشعر كمسار للحدس والمعنى
تتقدّم الدهشة في هذا المسار ببطء محسوب، داخل فضاءات عطشى، حيث اليُتم يتحوّل إلى مفردة توليدية، لا علامة نقص. أسرار لا تسلّم نفسها للعبارات السهلة، يحتفظ بها الجسد، ويتحفّظ الحبر أمام كشفها. بعض المعاني تكتسب كثافتها من بقائها في الظل، وتستمد قوتها من قدرتها على الإفلات، كما لمح دريدا.
يميل النص عند الشهاوي إلى القصر، أو إلى الاكتمال عند حافة الغياب، أو إلى أن يُكتب بصوت كائن خارج الزمن. القصيدة تتحوّل إلى سيرورة تتجاوز صاحبها، وإلى أثر يواصل تحوّله بعد مغادرة اليد التي خطّته. وبحدسه الخاص، يلتقط الشهاوي علامات تجلّيه الكبرى، منفلتة من قبضة الزمن، متوارية فيه، بحثًا عن مؤنس يعيد ظهورها بعيدًا عن أعين المألوف.
يقترب الشهاوي في مجموعته الشعرية “ لا أراني “ من صوفيٍّ متفلّت من القوالب، صوفيّ يختبر ويحتجّ، يستمد طاقته من أفق علويّ غير مرئي، حيث الشعر يُختبر كلذّة تشكّل المعنى، وفق ما ألمح إليه رولان بارت. وفي هذا التشكّل، يظل الشاعر شاهدًا على هشاشته، وقادرًا عبرها على لمس ما يتمنّع عن اللمس. فالصمت يتكثّف كطاقة كامنة، مشحونة بالتوتر. جابيس رأى فيه لحظة حضور قصوى للكلام، وهنا يجد صداه. الصمت لا ينطفئ في مقام واحد، بل يتبدّل، يتقن التراجع خطوة كي تتّسع الرؤية، ويؤجّل النطق حتى تتشكّل الضرورة. بلانشو كان قريبًا من هذا الأفق حين أشار إلى النقطة التي يبدأ عندها الكلام في فقدان يقينه.
في نصوص الشهاوي، يتحوّل الصمت إلى دليل عبور، يقود نحو مناطق حدسية، حيث الكلمة تسبق الصوت، وتظهر كصورة ومرآة وأثر بصري. السواد هنا كثافة، عمق يتجاوز التوصيف، ومجال تتولّد فيه المحبة.
“ أحب من اللون أسوده…” اعتراف يعيد ترتيب العلاقة بين الرؤية واللغة. الصمت يشتعل في اختراقه، ويبتكر لحظات توتّر تُغوي المعنى وتؤجّله. لعبة حجب وكشف تستدعي مقولة نيتشه عن القناع بوصفه شرطًا للعمق.
في قصيدته « أمشي وحيدًا إلى الظل «، يبلغ هذا المسار صفاءه الحاد، إذ الصمت يتحوّل إلى جرح إدراكي مفتوح، حيث يُصاب النص كي يبقى، ويُحفظ عبر ألمه. وحين يكتب الشهاوي: «أتاجر في الصمت…”، يتحوّل الصمت إلى ممارسة وجودية، وإلى اقتصاد رمزي تُبدَّد فيه الأرباح، وتُشيَّع الهزائم، ويُعاد النسيان إلى مقام الخلاص المؤجَّل. هنا يتردّد صدى سيوران: الخسارة وحدها ما يُبقي الفكر متيقظًا.
في هذا الأفق، يتعلّم القارئ عبور الصمت نحو النسيان كتمرين على الوعي بندرة اللغة وحدودها. مساحة فاصلة بين الاحتراق والتلاشي، حيث يظل الشعر ممكنًا، ويظل الصمت في أقصى تجلّياته أقرب الطرق إلى القول. يبلغ صمت الشهاوي أقصى توتره، حين يستخلص من أداة النفي طاقةً مولِّدة للكلام، ويجعلها أثراً مرتجفاً في جسد الزمن وتحولاته الحادة. هناك، حيث تتصدّع الحدود بين الدلالة وتلاشيها، يتقدّم الشاعر في منطقة ملتبسة، لا يحكمها الامتلاك ولا الفقدان، وإنما يقيم فيها العشق بوصفه قدراً متحققاً، سواء أكان وعداً منجزاً أم نذراً معلّقاً في الغيب.
كلامه نادر، مشحوذ، يختار لحظاته كما تختار الحكمة مقامها. يتسرّب عبر مسالك الحياة وشعابها، ثم ينحسر، منسجماً مع اختفاء الزمن خلف تراكم طبقاته الصامتة. في هذا الانسحاب شيء من حكمة هيراقليطس، الذي رأى أن أعمق القوانين لا تُدرك بالتصريح، وشيء من وصية ريلكه حين دعا إلى مرافقة الأسئلة طويلاً قبل منحها صوتاً.
منذ استيقاظ الحواس، ينفر الشهاوي من الكلام حين يتحوّل إلى عبء عام، إلى فائض يُثقِل المعنى ويبدّده. فالأرض في نظره، تكتفي بإشاراتها الأولى، ولا تحتاج إلى ازدحام لغوي كي تُفهم. هنا يلتقي مع إدمون جابيس، الذي جعل من الصمت ركيزة للكتاب، ومع باشلار الذي رأى في الفراغ شرطاً لتكثيف الخيال لا نفيه.كما أن الصمت في تجربة الشهاوي، ينتظم كعقيدة داخلية، له معابده الخفية في القلب، تماماً كما يرفع العشق علاماته فوق الرؤوس. إنه صمت لا ينغلق على نفسه، ولا يستكين إلى السكون، بل يشحن الداخل بتوتر خلاق، يجعل الإنصات فعلاً وجودياً، ويحوّل الامتناع عن القول إلى شكل من أشكال اليقظة.
نتساءل بعد كل ذلك، ما جدوى استلهام هذا الصمت المفكَّر فيه؟ ذاك الذي لا يُمارَس بوصفه انسحاباً، وإنما باعتباره امتحاناً للحقيقة. صمت يوقظ الشك، ويدفع المعنى إلى أن يبرّر حضوره. فاللسان، في هذه التجربة، لا يرقد في جليد العجز، بل ينتظر لحظة الضرورة، حين يصبح الكلام كشفاً لا إضافة، وأثراً لا صدى.
قد ينسجم الشاعر مع ارتقاءاته الفلسفية في بحثه المتفحّص عن أثر الصمت على تكوين الكينونة الشعرية، حيث تتشابك الحقيقة مع ما يختبئ من خسارات، خصوصًا حين تتخذ الأخطاء شكل الحياة ونواميسها. في قصيدته «أنا خطأ النحاة»، يستلهم الشهاوي عناصر ضافية لمعنى الصمت: صمت يعلو على الفعل الفارغ، ويُتيح التعبير عن تجرد الذات من آمال قد لا تأتي، عن ضياع يزداد عمقًا حين يتحوّل الألم إلى فتنة، أو إلى نكبة إنسانية، على نحو من يوجّه التجربة الشعورية إلى حدود الغياب والافتراق.
وحين يرفض الشاعر شبه الصمت عبر استعارة أبو الهول، يتجه نحو استيعاب الغرابة، ويستقبلها عند انسحاب الشكوك من محيطه: «لا أبواب لي أو نوافذ. وإن كان فهي عمياء لا ترى. أدفع سماءين على رأسي.. وأعطي الحوائط وجهي..»، تعبير عن قطيعة وإذعان، وتحويل النهار إلى ليل، والساعة المجردة إلى فكرة لالتقاط الأشياء الهاربة. في هذه الرحلة، يصبح الشاعر «الأصمت بين الناس والأجن»، و»آلة الجنون حين أشرق»، حيث ينقش خساراته وارتداداته في فسيفساء التجربة الإنسانية.
ورغم ذلك، يلتقط الشهاوي إشراقة جديدة، يتذوّقها من عمق التردد على الكمال في أبهى تجلّياته: «أعطيت كل شيء .. ولم آخذ حتى من الظل أسماءه..»، إلى أن يصل إلى مركز ذاته الباطنة، حيث ينكشف عن ذاته المكتملة، أو المستنفدة، فيقول: «أنا أحمد الشهاوي الذي رتب الأبد .. كي لا تكون هناك فوائد.. من مصائب قوم يغزلون العنكبوت.» كائن متلاشي، منصهر في غمار الهيمنة دون مثيل، لا شبيه له، يختزن التجربة كقصيدة حية تتجاوز الكلام إلى مساحة من الصمت المتفجّر بالمعنى.
وتأسيسا على ذلك، يصبح الصمت فعلا مدرّبا على إدراك التناقضات، حيث يغدو الضوء الداخلي ساطعا من خبايا الخسارة، فاتحا للنفس مسالك غير مرئية. فالشهاوي لا يجعل الصمت فراغا، بل يسكّنه في قلب الزمن، ليصبح مادة أولية للمعنى وبوابة للتجربة. كل توقف، كل امتناع عن النطق، هو حركة تأملية، يخرج من خلالها المعنى من ظلّه، يقترب من جسد الوجود دون أن يقيده، يلمس ما لا يُقال، ويترك الأثر يكتسب كثافته في الهواء قبل أن يصل إلى الوعي.
فالنور عند الشهاوي لا يضيء بمعزل عن الصمت، بل يتكوّن من داخله. والإشراقة التي يلتقطها ليست شعاعا مجردا، بل تتولد من توتر الظلال، من المسافة بين ما يُفقد وما يُستعاد، بين ما ينكشف وما يختبئ. وبينهما تتجلى حكمة الصمت. إنها القدرة على إعادة تشكيل التجربة، وتحويل الفقد إلى فعل معرفة، وتحويل الألم إلى مادة متحرّكة، قابلة للانعكاس والإيحاء.
إن الخسارة ليست نهاية، بل شرطا للتوحد مع اللحظة، للعبور عبرها، لا للاحتفاظ بها. الصمت، حين يُمارس بهذا الشكل، يصبح اقتصادًا وجوديًا، يوزع المعنى دون تراكم، ويخزن التأثير دون استهلاك. وهنا تتلاقى تجربة الشهاوي مع رؤية سيوران، حيث الخسارة تتيح للفكر أن يبقى متيقظًا، وتفتح للغة نافذة على اللاواعي، وتحوّل النص الشعري إلى كائن حي، قادر على الانفتاح والإخفاء في الوقت ذاته.
وفي قصائد الشهاوي، الصمت يحمل ثقل الحياة والخطر، لكنه يظل أيضا فضاءً للعبور إلى مناطق حدسية، حيث الكلمة لا تسبق الصوت فحسب، بل تتشكل مع الصورة واللمس والظلال. السواد، والظل، والصمت، كلّها مكائن لتكثيف الإحساس، وتحويله إلى مادة شعرية تتأرجح بين الإيحاء والتمثل، بين الغياب والظهور.
لقد أقام الشاعر حوارا دائما مع ذاته، ومع الآخر المجهول، ومع الزمن الذي يتراكم خلفه. فالصمت عنده هو الرفيق، والإشراقة هي الهدف، والخسارة هي الوسيط. ووفق هذا النظر الهرمي، يُعيد الشهاوي صياغة التجربة الشعرية كرحلة مستمرة، لا تصل إلى نقطة نهاية، بل تتواصل في كل قراءة، في كل إيقاع، في كل لحظة يصغي فيها القارئ إلى ما يتجاوز الكلمات.
كما أن الصمت عند شاعرنا ليس مجرد أداة، بل كيانا نشطا ينشئ الشعر، ويحرّك المعنى، ويكثّف اللحظة، ويحوّل كل خسارة إلى طاقة محتملة، كل ألم إلى صورة قادرة على الحضور، كل غياب إلى حضور متبدّل، لتصير تجربة الشاعر حدثا مكتملا وسيرورة حية، تتشكل في تفاعل مستمر بين الضوء والظل، بين النطق والامتناع، بين الفقد والارتقاء، ولتؤكد أيضا أن الشعر هو تجربة كينونية، الصمت طاقتها الأولى وأساس كل إدراك، وشرط كل إشراقة ممكنة.
اللغة كبيت للكينونة
يتكشف الزخم الشعري لدى أحمد الشهاوي في أكثر من منعطف، حين ترتقي لغته إلى مقام الهوية، متحركة بين دلالات الكشف الصوفي وتكتمل صورته المجازية عند تخوم الرؤيا. تتحول اللغة إلى وطن مؤقت، حيث اللغة بيت الكينونة، بعبارة هايدغر، وأن الإنسان يسكن العالم بقدر ما يسكن لغته. الشهاوي يكتب وكأنه يعيد تشييد هذا البيت على حافة الانهيار، متنقلا بين السؤال والوجود، متتبعا التجربة الإنسانية من خلال الصوت الداخلي للنص، مستشعرا توترات الخوف والتوهيم وتأخر استعادة معنى التحدي، التي تجعل الكتابة نفسها فعلا متأرجحا بين النجاة والانسحاب.
اللغة عند الشهاوي لا تكتفي بتسجيل ارتجاج الواقع، بل تعمل على إعادة تأويله، متجاوزة حواجز المعنى، ممتدة في أفق الحلم وتأجيل سقوطه. تصبح الاستراتيجيات الشعرية، التقديم والتأخير، المراوغة والمعاندة، التوتر والاستدامة، ممارسة للحفاظ على الحلم وإطالة أمده، أكثر منها أعراضا أسلوبية، حيث ينكشف النص على ذاته ويختبر قدرته على البقاء في مساحة المعنى المفتوحة. هكذا يصبح الشعر ممارسة وجودية، كما لو أن الخيال لا يعيد إنتاج الواقع، بل يضخ فيه إمكانات جديدة للحلم، كما يرى باشلار، وهو ما يتحقق في نص الشهاوي عبر الامتلاء بالكلمات الذي يفتح لحظة انكشاف على حقيقة الوجود، دون أن يُقيد الشعر بوصفه جسدا عابرا.
في قصيدته «أنا المغسول بالذهب»، يفتح الشاعر حقل انتظارات مشبع بالوعي بالأنساق والعلاقات والتراكمات الخفية، ويمنح اللغة طاقة فائضة تكاد تصل إلى حد التخمة، في مشهد يتوهج بالحلم والمخاطرة: «الاختفاء من اللون»، «الاختفاء من ماء الذهب»، «العودة إلى الحراسة»، «نسيان حقائب السفر»، «وسم الاسم الواحد بلا أصدقاء»، «نسيان النساء»، «البحث عن الورق الأبيض»، «المشي بقدم واحدة». يتحول النسيان إلى شرط لإعادة التسمية وبناء المعنى، بينما تصبح العبارة الشعرية فضاءً مفتوحا للتأمل والانفجار الرمزي.
تصل تجربة النص في قصيدة «لا مكان له في اللغات» إلى علو دلالي مشبع بتدبير الحجة الكلامية، حيث يتآلف المعنى مع الزمن، ويصبح الكلام كيانا حيا ممتدا على أفق المستقبل. المجاز يعيد تشكيل العالم ويمنح القراءة آفاقًا جديدة، إذ يفيض النص بذاته، كحلم مبدع يفتح لحظة انكشاف على حقيقة الوجود، بينما يولد الوجه الآخر لرؤية الشهاوي سلطة محفوفة بالمجازفة، كما يتضح في نصوصه:
“وبحلكة من شاعر كنني… وبالبحر المجفف في فمي… وبالذكريات التي غربلت نفسها… وبوتر كاذب… وبعين قط خنته… ورميته لإناث في الشوارع كي يشبع النار فيه”.
غضب الشاعر يزداد ضراوة مع تدفق الماء الذي يهز عرش الصيرورة، ومع انتشاء الوقت الميت في ظلام الإقفار، محولا الانفعال إلى موقف وجودي صريح، كما يقول كامو:””أنا أتمرد، إذن نحن موجودون”. الهوية الشعرية تصل أخيرا إلى توافق هش بين البقاء والاستدامة، حيث يصبح النوم في أنساقها أرحم من العيش فيها.
تعمد لغة الشهاوي إلى تأويل الواقع عبر توسيع مساحة المعنى، فتطويل الحلم يصبح ممارسة مألوفة، ممتدة في الاستدامة والمراوغة والمعاندة، كما يبرز في صور نصوصه:
“نم كميت غاضب، واحلم بالماس في الماء. ولا تفكر بالمجازات، كي لا تنكسر الأجنحة، وإن أتاك كما يقولون ملاك، كن طائرًا واسأل عن مواعيد ساعة العشق”. تتحول المعركة مع العشق إلى متنفس للروح، معركة تُعيد للمتلقي تجربة شهقة التأمل وهي تسقي عطشها في ازدحام المعنى، بعيدا عن الانغلاق على مأساة أزلية، ومنحت التأمل انتصاره عبر الاشتباك مع النص.
ويبلغ النص ذروته حين يصبح الشعر مجرد مادة للتيه، لا امتلاكا ولا اكتفاء:”لم آخذ شيئًا من الشعر سوى منخل من الماء… ولم آخذ شيئًا من العشق سوى أمل من الخسران”. تنتظر المتاهة أعظم حين تصل الروح إلى أقصى حدودها: «سأقضي العمر في الصحراء… أبحث عن نوافذ للغزال، عن صبار عاطش، لأروي الأرض بما تبقى من مياه في دماغي». إن الشعر والوجود هنا يتحدان ليصبحا مادة للتجربة، حيث يوسع النص المعنى بدل أن يحصره، مثبتًا الشعر كفضاء للتيه والحرية والتأمل.
إن تجربة الشهاوي تؤكد أن الشعر ليس مجرد صورة، بل ممارسة وجودية متكاملة، تعيد اكتشاف الهوية والمكان والزمان والذات. النص يتحول إلى صحراء مفتوحة، حيث يحتمل التيه والمغامرة، ويصبح الشعر مأوى للوجود، ومجالًا للتأمل، وفضاءً للحرية، حيث تتحد الذات مع اللغة لتعيد بناء العالم في كل لحظة قراءة. وكما قال النفري: “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”، فالشاعر يوسع العبارة إلى أقصى حدودها، ليسع انفجار الرؤيا ويتركها مفتوحة لكل قراءة جديدة.
هكذا، يتحول نص أحمد الشهاوي إلى ممارسة للغة والوجود معا، مشروع مستمر للهوية والشعور، حيث يصبح الشعر مساحة للتأمل والتجربة، والبحث عن معنى يظل قابلا للتيه والمغامرة، دون أن يُستنزف، وتبقى كل قراءة فرصة لاكتشاف أبعاد جديدة للعالم وللذات.
الضوء في الفراغ الممتد
في تجربة الشهاوي، يصبح الشعر رحلة لا تنتهي بين الظلال والنور، بين الصمت والكلمة، بين الفقد والوجود. كل كلمة تتأرجح بين الحضور والغياب، وكل توقف عن النطق يُعيد تشكيل المعنى، ويحوّل الفراغ إلى مادة حية للتجربة. الصمت لا يعزل، بل يفتح الأفق على الإمكانيات، ويجعل كل خسارة نافذة للمعرفة، وكل غياب فرصة للحضور.
اللغة عند الشهاوي ليست أداة لتصوير الواقع فقط، بل جسدا متحركا للحرية، مساحة للتأمل، وعالما داخليا يُعاد خلقه في كل قراءة. الهوية الشعرية تتشكل من كل القيود الرمزية، من كل الظلال، ومن كل الفقد، لتصبح نصًا حيًا قادرًا على الانفتاح والإخفاء في الوقت نفسه. هنا، يصبح القارئ شريكًا في التجربة، مستشعرًا توتر الصمت، وضغط الظل، وامتداد الضوء، مشاركًا في بناء المعنى.
في النهاية، يكشف النص عن حكمة جوهرية: الضوء لا يظهر إلا عبر الفراغ، والمعنى يتكشف في حافة الغياب، والوجود يتشكل في ما بين الكلمات. كل قراءة هي فرصة جديدة للتيه والاكتشاف، حيث تبقى الشعرية مساحة للحرية والفراغ والحدس، ومكانا يتلاقى فيه الزمان والوعي والروح في توحد متجدد مع النص. وفي هذا التفاعل الدائم، يتحول الشعر عند الشهاوي إلى رحلة مستمرة للروح، مفتوحة على كل احتمالاتها، بلا نهاية، بلا احتواء كامل، لكن حاضرة في كل لحظة تدرك فيها الذات معنى الوجود.
*»لا أراني» أحمد الشهاوي،
الدار المصرية اللبنانية ـ ط1 ، 2018 (231 صفحة)
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!