استكشاف الاستعمار في “قصص إفريقية”

(ثقافات)

استكشاف الاستعمار في “قصص إفريقية”

وليد الأسطل

لم تكن دوريس ليسينغ كاتبة غامضة لا تعرفها سوى زمرة ضيقة من المريدين، ولم تتقمص هيئة الروائية المتعالية التي تتطلب مفاتيح سرية لفهمها؛ كانت أشبه بقريبة، بصوت مألوف إلى حد الإيهام بأن القارئ قد جالسها يوما، أو شاطرها صمت المطبخ وحديث المساء.

وحين أُعلن فوزها بجائزة نوبل، لم تقفز إلى ذاكرتي أعمالها الأشهر، لا الدفتر الذهبي ولا الطفل الخامس. ما عاد إليّ بقوة هو مؤلَّفها “قصص إفريقية” African Stories ، تلك القصص المنغرسة في طفولة فتاة إنجليزية نشأت في روديسيا، الاسم القديم لزيمبابوي. من خلال نصوصها المستوحاة من طفولتها في روديسيا، أعادت ليسينغ بعث عالم المستوطنين البيض الأثرياء، أصحاب المزارع الواسعة، المحاطين بجيوش من الخدم السود، من ذوي الأجور المهينة والكرامة المسحوقة. أي طفولة تلك التي تتشكل فوق أرض مغتصبة؟ وأي وعي ينمو في ظل امتياز لم يُكتسب، بل وُرث كمرض مزمن؟

نشأت دوريس ليسينغ في مناخ يحتقر السكان الأصليين، وقد سُقيت منذ الصغر إحساسا حادا بالتفوق العرقي، كما لو كان حقيقة طبيعية لا تقبل الجدل. غير أنها، وعلى نحو يثير الدهشة، انقلبت على مهدها الفكري والاجتماعي بصفاء ذهن يقترب من الجرأة الفاضحة. فضحت عالمها الأول، فدُفعت خارج دائرتها الطبقية، كما يحدث غالبا لكل من يجرؤ على تسمية الامتياز باسمه. رحلت شابة إلى إنجلترا. غير أن السؤال يظل معلقا: هل يمكن للمرء أن يغادر روديسيا حقا؟ أم أن المستعمرة تسكن أبناءها حتى وهم في المنافي؟

كما بقيت مارغريت دوراس، طوال حياتها، أسيرة لطفولتها في الهند الصينية الفرنسية، ظلت ليسينغ مشبعة بذلك العالم الروديسي، عالم الامتيازات الهشة، والخوف المزمن من إفريقيا العميقة، والملل الاستعماري الذي يخيم على أراض قاحلة، مكسوة بشجيرات قصيرة تضربها الرياح الرملية، تلك التي تحمل اسم الفيلد. أليست الجغرافيا، في نهاية المطاف، قدرا نفسيا؟ وأليست الطفولة استعمارا أولا للذاكرة؟

في زمننا هذا، زمن الارتباك الحاد حول قضايا الهجرة، حيث ينحرف النقاش حول التعايش والاختلاف إلى انغلاق مرضي ونبذ للآخر، يبدو الرجوع إلى حقائق الاستعمار ضرورة فكرية وأخلاقية. هذه الحقائق لا تفسر كل شيء، غير أنها تذكّرنا بالتربة التي نمت فيها ثروات البعض عبر تجريد آخرين من أرضهم وحياتهم. كما تضيء المسار الذي قاد، بعد تفكيك استعماري عنيف، إلى تدفقات بشرية هائلة من الجنوب نحو الشمال. يمكن للمرء أن يراجع كتب التاريخ طلبا للتذكر، غير أن قراءة قصص دوريس ليسينغ تحقق الغاية ذاتها، مع إضافة جوهرية: القيمة الأدبية بوصفها معرفة حسية، لا مجرد سرد للوقائع.

من بين الأجزاء الثلاثة ل”قصص إفريقية”، يبرز الجزء الأول، تشرق الشمس على الفيلد، بوصفه الأكثر قوة. أرادت ليسينغ أن تفرض نبرة حادة منذ البداية، فوجهت سهامها إلى معسكرها الاجتماعي نفسه، باندفاع يكاد يكون غضبا أخلاقيا. فخيالها السردي يتغذى من ذكريات لم تُخفَ كثيرا، ذكريات تطاردها، ولن تكف على الأرجح عن ملاحقتها، حتى في أكثر لحظات الحياة هشاشة.

تكتب في أحد مقاطعها عن الأطفال البيض الذين كانوا، حين يجتمعون، يجدون متعة في مضايقة أحد السكان الأصليين المارين، يطلقون عليه الكلاب، يراقبونه وهو يهرب، يعذبون طفلا أسود كما لو كان جروا صغيرا. تكمن المفارقة الصادمة في اعترافها بأنهم لم يكونوا ليقذفوا كلبا بالحجارة أو العصي دون أن يشعروا بالخجل. أي ترتيب أخلاقي هذا الذي يجعل الحيوان أسمى من الإنسان؟ وأي نظام قيمي يسمح للبراءة الطفولية أن تتحول إلى مختبر للقسوة؟

هل يمكن اعتبار هذا الاحتقار العرقي صفحة مطوية في ماضٍ بعيد لدوريس ليسينغ؟ من يصدق ذلك؟ يكفي أن يتجول المرء في إفريقيا، في آسيا، في أماكن كثيرة من العالم، ليدرك إلى أي حد لا يزال الاستعمار حيا، متخفيا في خطابات البيض المقيمين هناك، أولئك الذين يطلقون عبارات عنصرية بطمأنينة أصحاب الضمير المستريح. نصغي إليهم ونحن نرتجف، مذهولين من استمرار علاقات الهيمنة، من بقاء السلطة في يد طرف، والخضوع في يد آخر. وفي الخلفية، تتصارع القوى الغربية القديمة على النفوذ الاقتصادي في مستعمراتها السابقة، كما لو أنها لم تغادر المكان قط. تنخر العنصرية والانتهازية الغربيتان تلك المجتمعات كما تنخر الأرضة هياكل البيوت في رطوبة المناطق المدارية.

تزخر “قصص إفريقية” بحكايات خدم سود مهانين، مسلوبي الكرامة، بأطفال من أصول مختلطة ينبذهم آباؤهم البيض، بفتيات إفريقيات يُدفعن إلى حواف البغاء، وبنبرة التعالي التي يتحدث بها ملاك الأراضي إلى خدمهم الراكعين. إنه أدب الشهادة، حيث يتحول السرد إلى مساءلة أخلاقية مستمرة.

تأتي قصة الزعيم العجوز مشلانغا في افتتاح مجموعة “قصص إفريقية” كواحدة من أكثر النصوص إيلاما. عبر صوت طفلة روديسية، تشرع القصة في اكتشاف خجول للظلم العرقي. على أرض المزرعة العائلية، تلتقي الفتاة بالزعيم الشيخ، سيد الأرض القديم، المحاصر بالجوع، المحتفظ بكرامة صامتة. هناك تدرك، ببطء مؤلم، أنه نظير لها في الإنسانية، وأنه شخصية عظيمة ذات ماضٍ مجيد، ماضٍ مسحته الوثائق الرسمية كما يُمسح الغبار عن طاولة.

حين يقول ابن الزعيم: “كل هذه الأرض التي تزعمون أنها لكم، هي أرضنا وأرض شعبنا”، لا يكون الكلام مجرد احتجاج، وإنما إعلان حقيقة تاريخية تهز أسس السرد الاستعماري. أي معنى للأرض حين تُنتزع من ذاكرتها؟ وأي تاريخ ذاك الذي يُكتب عبر الشطب؟

أحيانا، وسط المجتمع الفرنسي المتعدد الثقافات الذي أعيش فيه، أفكر في تاريخ الاستعمار الكامن خلف وجوه الذين أصادفهم في المترو أو في الشارع، بملابسهم المختلفة، بأزيائهم التقليدية. يخطر لي أن وراء كل مظهر قصة اقتلاع، وراء كل لغة أو لهجة رحلة فقدان. أتمنى عندها أن تنهض أصوات أخرى، كصوت دوريس ليسينغ، لتحكي مصائرها، لتحدث شقوقا في جدران العنصرية، تلك العنصرية الذي تتغذى قبل كل شيء على الجهل، أفظع أشكال العمى الإنساني.

شاهد أيضاً

الشاعرة العراقية أمل الجبوري: لم أجد ما ينقذني سوى الكتابة

الشاعرة العراقية أمل الجبوري: لم أجد ما ينقذني سوى الكتابة حاورها: عبد اللطيف الوراري أمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *