نوال السعداوى الأردنية.. زليخة أبوريشة: زواجي الغبي من إخواني حكم على موهبتي بالسبات الطويل
حاورها: نضال ممدوح
منذ عام 1981 تواجه الشاعرة والكاتبة الأردنية الكبيرة «زليخة أبوريشة» حملات هجوم مسعورة من قبل جماعات «الإسلام السياسى»، وفى القلب منها جماعة «الإخوان»، وصلت ذروتها إلى التكفير وإهدار الدم، حتى إن السلطات الأمنية الأردنية خصصت لها حراسة مسلحة أمنية لحمايتها.
وقبل شهرين، وعلى خلفية حظر السلطات الأردنية جماعة «الإخوان»، وغلق جميع مقارها، ومصادرة أموالها وأصولها فى الأردن، عقب كشف مخطط إرهابى تخريبى كانت تعد الجماعة الإرهابية لتنفيذه- أطلقت شبكة «رصد»، التابعة لجماعة «الإخوان»، حملة ضد الكاتبة الأردنية، حرّضت فيها على قتلها!
لكن زليخة أبوريشة لم تخف أو تتراجع عن أفكارها ونشرها وإعلانها على رءوس الأشهاد، واستمرت فى إطلاقها دون مواربة أو أى خوف، لتعلنها مدوّية: «نعم.. أنا ضد الإخوان، وضد السلفية الجهادية، وضد الوهابية، وضد الإسلام السياسى»، معتبرة أن «من يماهى بين أصحاب هذه الانتماءات والإسلام، ويعتبر النقد الموجه إليها موجهًا إلى الإسلام، فهو صانع فتنة ومهدد حياتنا بأرخص العبارات».
وتشدد على أن «دم الأردنيات والأردنيين ليس لعبة فى أيدى مختلين أصابهم هوس إثبات الذات، وجشع السلطة والتسلط، وتحريف البيان القرآنى إلى أقصى ما يجمح إليه خيال مريض وفكر أعمى. وأرواح الكاتبات والكُتَّاب فى هذا البلد لن تكون هدفًا سهلًا لمن يتلطى بالدين ليحرز نصرًا، ويشوه مجتمعًا كان بسيطًا ومسالمًا وإخائيًا ومحبًا».
وتضيف فى تحدٍ: «من يظن أن تهديد حياتنا سيمنعنا من الاستمرار فى مهمة كشف المستور عن هذه العصابات الدموية، التى تتغذى على نشر الكراهية ونزع الانتماء إلى الوطن، لصالح عاطفة مسعورة ضد كل ما هو جميل وكريم وإنسانى، فهو مخطئ وعليه أن يعيد قراءتنا كوعى وكإرادة».
وطالبت زليخة أبوريشة باستخدام أموال جماعة «الإخوان» المُصادَرة فى بناء وعى الشباب من خلال الثقافة والتعليم، قائلة: «إذا كان النظام جادًا فى التخلص من الإخوان وفكرهم الذى شوّه المجتمع الأردنى، فعليه أن يضخ التمويل (وليكن من الأموال المُصادَرة)، فى وزارتى الثقافة والشباب، للإنفاق على مراكز الشباب وإحيائها، وبرامج الثقافة المجتمعية من مسرح وسينما ومسابقات أدبية وتدريب وسياحة ثقافية وبرامج مطالعة وتأليف وإبداع ومخيمات».
ونبهت إلى تعاظم أهمية مطالبتها تلك بعد ترك ساحة الشباب فارغةً ليملأها «الإخوان» ببرامجهم الجهادية و«التأسلم السطحى» والجعجعة، مضيفة: «ينبغى الحذر، فدروس الوعظ والإرشاد فى المساجد لم تؤدِّ إلا إلى تجييش إخوانى أو سلفى. بينما الشباب فى حاجة إلى أكسجين الملاعب والمسارح والموسيقى والاختراع، لا إلى أدب عذاب القبر، وأختاه حجابك بدمى!».
فى لقائها التالى الحصرى مع «حرف»، تطلق «أبوريشة» قذائف جسورة بشجاعة تُحسد عليها، عن ازدواجية المثقف الذى «سمحَ بأن يجتاحه (التأسلم) وأسرته والفضاء العام، وكان سعيدًا بأن نساء العائلة قد تحجبن، والتحقن بمراكز تحفيظ القرآن التى كانت غطاء لتسلل الفكر الإخوانى والوهابى».
وتتحدث بجرأة كبيرة عما تسمى «الصحوة»، وما خلّفته من آثار لم تتخلص منها المجتمعات العربية حتى اليوم، قبل أن تتطرق كذلك إلى التطرف الذى قابل طوفان الحجاب والنقاب، ولكن على الناحية المقابلة، ألا وهو تفشى العرى.
وتتطرق الشاعرة الأردنية، أيضًا، إلى ريادة الدكتورة نوال السعداوى فى تحرير المرأة العربية خلال العصر الحديث، وما يجمع بينهما، ولماذا أطلق عليها لقب «نوال سعداوى الأردن». كما تبوح بأسرار مسيرتها الإبداعية فى الشعر، وما آل إليه حاله اليوم، كاشفة عن مشروعاتها الإبداعية الجديدة التى تعكف على إنجازها.
■ «فى المجتمعات العفيّة لا يحدث كسر عظم عند الاختلاف فى تقييم شخصية أدبية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية، لكن فى مجتمع الشحّ والأزمات يبدو صنع الرمز والاستقتال فى الدفاع عنه، عملية تعويضية».. ما الذى تقصدينه بكلماتك هذه؟
– نعم، صنع الرموز فى هذه المجتمعات يبدو وظيفة وطنية وقتالية وتعبدية تعويضية عن هوان الوطن وضعفه. لن نذهب بعيدًا، انظرى إلى ما يجرى حول فيلم «الست» من نقاشات صاخبة وبلغة اتهامية، وكأن المطلوب من الفيلم الروائى أن يكون بأمانة الوثائقى! أو كأن الحديث عن مثالب فى حياة السيدة أم كلثوم كفر وإساءة وطنية عظمى.
ولننظر أيضًا إلى ما يحدث من سجال فى العراق حول شخصية الشاعر بدر شاكر السياب، وما قيل عن ضعف شخصيته وافتقاره إلى جمال الشكل، والغضبة التى فارت هجومًا على من تجرّأ على هذا الرمز الأدبى الكبير. وإذا ذهبنا إلى «رموزنا» الدينية بات الأمر أسوأ. خذى مثلًا من تناولَ عندكم فقهاء العصور الخالية أو البخارى، وما حدث حولهم من لغط وتكفير أدى إلى سجن من سُجِنَ منهم. وعندما أنظر فى المقابل إلى الشعوب الأخرى، لا أجد هذا التوتر عند تناول «رموزهم» الوطنية والتاريخية أو حتى الدينية.
■ فى رأيكِ لماذا ندور فى نفس الدوائر المفرغة منذ بواكير النهضة العربية فى نهايات القرن الـ١٩ وحتى يومنا هذا؟
– المجتمعات العربية كانت فى صعود حثيث، حيث الاستقلال عن المستعمر، واللحاق بركب الحضارة. لكن زلزال «النكسة» عام ١٩٦٧ كان مدمرًا، وقُضِى على الحلم القومى بالوحدة العربية. ولأسباب سياسية أخرى فُرشت الطريق أمام «الإسلام السياسى» لينمو ويزدهر كاستراتيجية «إمبريالية» فى مواجهة الاتحاد السوفيتى وشيوعيته. وهكذا غرقنا فى مياه آسنة من التخلف والرجعية والانحطاط الفكرى والحضارى.
■ منذ انطلاق ما سمى بـ«الصحوة الإسلامية» فى السبعينيات، والوصول إلى ذروتها فى تسعينيات القرن المنصرم، ولم تقم للمنطقة العربية قائمة حتى الآن.. هل تشاركينا شهادتك عن ذلك؟
– قبل سنوات، قال الأمير محمد بن سلمان، ولى العهد السعودى، فى مقابلة تليفزيونية، إن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة فى سبعينيات القرن الماضى، أثناء «الحرب الباردة» مع الاتحاد السوفيتى، اتخذتا قرارًا بنشر «الإسلام السياسى» لمواجهة خطر الشيوعية.
هكذا دُعِمَ «الخمينى» كحائط صد، ودُعمَ الأفغان كقوة إسلامية على حدود الاتحاد السوفيتى. كما دُعمَ «الإخوان» وبن لادن والسلفيات والجهاديات كلها. وكان نصيب الأردن ومصر وسوريا من هذا «التأسلم» كبيرًا. بل إنه وصل إلى أوروبا وأمريكا نفسها والشرق الأقصى عبر المراكز الإسلامية.
وهكذا، أغمضنا عينًا وفتحنا عينًا لنجد أن هوية مجتمعاتنا العربية قد تغيرت. فبعد شيوع الحجاب واللحى أتانا النقاب وملاءات الصلاة فى الطرقات، وانتشرت ثقافة الدعاء والفكر الغيبى، والتفكير الاتكالى، والتدين التفاخرى والنفاقى، وتحول النضال من نضال ضد الاستبداد إلى نضال لنشر الاستبداد المجتمعى. ومقابل ذلك اندثرت الحريات كلها، منها ما دمرته الأنظمة، ومنها ما دمرته المجتمعات العربية.
■ عشرات الدعاوى القضائية والتهديدات التى تعرضتِ لها من قبل منتمين إلى «الإسلام السياسى».. متى وكيف بدأت؟ ومن حرّكها وحرّض عليها؟ هل هم «الإخوان»؟
– صدامى مع «الإخوان» قديم يعود إلى عام ١٩٨١، عندما كتبتُ أول مقالة/عمود، فى زاوية «٧ أيام» بجريدة «الرأى» الأردنية، وكانت بعنوان «هذا الدين الحق». وقتها هاج «الإخوان»، وأرسلوا المقالة إلى الإخوانى السورى الشيخ على الطنطاوى، الذى كان قد لجأ إلى السعودية بعد حكم البعث فى سوريا، فتناول المقالة التى تدور حول رفض النقاب، محرضًا على كاتبتها الدولة والنظام والملك.
تتالت المقالات التى أخذت تنقد التأويل الحَرفى للإسلام، وتطرح قراءة جديدة للنص المقدس. وتتالى الهجوم اللفظى علىّ فى المساجد وفى صحف «الإخوان» ومنابرهم، بل وفى المناشير التى كانوا يوزعونها، والمكالمات الهاتفية المليئة بالسباب والشتائم البذيئة، ومئات الرسائل التى كانوا يسطرونها بأقذع الألفاظ.
ولما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعى، صار الأمر عليهم أسهل، إذ كانت تُنَظَّم الحملات الإلكترونية ضدى كـ«خارجة عن الإسلام»، مع كمية مهولة من هدر الدم والتكفير، والطعن فى الأخلاق والانتماء الوطنى، والاتهام بـ«العمالة للغرب وللصهيونية»، و«التآمر على الإسلام»!
بات واضحًا أن تهديد حياتى بات جليًا، فوضعت الحكومة لى حراسة دائمة استمرت لسنوات. وفى هذه الأثناء اهتدى بعض «الإخوان» إلى وسيلة أخرى للضغط علىّ، وهى إقامة الدعاوى بتهمة «الإساءة إلى الشعور الدينى»، ما كان يعنى أن أتنقل بين المحاكم فى سنى المتقدمة، وبوضعى الصحى التعبان. وقد فزت فى جميع هذه الدعاوى الكيدية بالبراءة.
■ هل يتم استهدافك لكونك امرأة وتنادين بأفكار تنويرية فى آن؟
– طبعًا، كونى امرأةً وغير محجبة وعلمانية، وكان لها علاقة أسرية بـ«الإخوان»، كلها أسباب مهمة فى هذه الحملات المسعورة لإسكاتى، خاصة أن مجموعة مهمة من المجتمع الأردنى كانت قد التفَّت حولى وناصرتنى، وبسبب ذلك تشكل «تيار تنوير الأردنى»، الذى يشكل ضوءًا صغيرًا وسط هذا الظلام الدامس.
■ إثر غلق مقار جماعة «الإخوان» فى الأردن، ومصادرة أموالها.. لماذا طالبتِ بضخ هذه الأموال فى نشاطات تثقيفية وتنويرية؟
– المليارات التى ضُخّت لجيبة الإخوان فى الأردن أُنفقَ بعضها على نشر اللحى والحجاب، وتأسيس مراكز ظاهرها لتحفيظ القرآن الكريم، وباطنها لنشر «النسخة الإخوانية من الإسلام»، وهى نسخة تعادى العروبة والحكم الوطنى والفكر الحر والتنوير والحداثة بطبيعة الحال. لذا من باب أولى أن تُنفَقَ الأموال المُصادَرة على تنوير المجتمع الغارق فى ظلام «عبادة الماضى»، ليتنفس معنى حرية الفكر، وليتحرر من الأفكار التافهة عن نفسه وعن المختلف، وعن العلمانية وعن الدين. على الدولة أن تُعنى بالشباب الذى انغسلت عقوله بـ«الإسلام السياسى»، وبالأطفال الذين يُضَخّ فيهم الفكر «المجلعص»، ويُنَشَّأون على الحقد الأعمى والكراهية والطائفية والإقليمية والشوفينية الذكورية وكره المرأة.
■ ما اللحظة التى شعرتِ فيها بأن صوتك الشعرى يشق طريقه الخاص خارج القوالب الجاهزة؟
– مررتُ شعريًا بعدة مراحل، بسبب تجربتى الحياتية الصعبة. فبزواجى الغبى من إخوانىّ حكمتُ على موهبتى بالسبات الشتوى الطويل، وجفّ نبعى. وكل ما كتبته شعرًا فى تلك المرحلة لا قيمة له فنيًا. ووأدتُ عددًا من المجموعات الشعرية كأثر من ذلك العهد البائس. وحتى بعدما نشرت «تراشق الخفاء» (١٩٩٨، دار فارس بدعم من وزارة الثقافة)، والتى أهدانى رسومها الفنان السورى الكبير (نذير نبعة)، كنت أحاول التجريب بعيدًا عن السائد.
وأول ديوان أجد فيه نفسى هو «تراتيل الكاهنة ووصايا الريش» (٢٠٠٠، وزارة الثقافة السورية، دمشق)، إذ فيه تجربة تفكيكية أعتدُّ بها، حيث تختلف عما كان موجودًا من أشكال شعرية، وحيث كانت اللغة فيه هى ميدان الاختبار وعدته، والتفكيك هنا ليس فقط للغة، بل للصورة ولمفردات المخيلة، ولمحمول الذاكرة، ولأطياف الشعور.
■ كيف تنظرين إلى التحولات التى شهدتها القصيدة العربية، خاصة مع انتشار المنصات الرقمية؟
– لا أهمية أضافتها المنصات الرقمية على القصيدة العربية، سوى أنها باتت وسيلة سهلةً للنشر وكثير منه بلا قيمة. أما القصيدة نفسها فقد خضعت للشروط الاجتماعية، وما جدَّ فيها من اختلاف وقيم وهوية. فالردة التى أسموها «صحوة» قد أثرت على شكل القصيدة وعلى بنيتها الفكرية والروحية. إذ لحق تلك الردة ردةٌ شعرية بالعودة إلى الشكل العمودى لدى عدد لا بأس به من النبت الجديد. كما استُعيدت البلاغات القديمة والمدائح الدينية ومجازات البوصيرى. فى ردة جذرية شملت هوية القصيدة وتاريخها الحداثى. ومن ناحية ثانية، بدت قصيدة النثر متجهةً، فى هذه الأجواء الملوثة، إلى السرد أكثر فأكثر، وإلى العادية واللا شعرية. وهذا فى رأيى احتجاج على الجاهز من بلاغة القدماء التى استعادها شعب الشعر المتأسلم. بعبارة أخرى، فإن هوية القصيدة العربية فى مأزق مثلما هى هوية الشعوب العربية وثقافتها.
■ كيف ترين صورة المثقف العربى؟ وهل ما زال يحتفظ بدوره أم أنه تغيّر فقط ولم ينتهِ؟
– يعانى المثقف العربى اليوم من عدد من الاختلالات التى هزت صورته ودمرت دوره. فقد غدا جبانًا رعديدًا انتهازيًا تخلى عن دوره فى معارضة السلطة وتقويمها، إلى منافق بصمته وبطمعه بالفُتات، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه قد سمحَ بأن يجتاحه «التأسلم» وأسرته والفضاء العام، وكان سعيدًا بأن نساء العائلة قد تحجبن، والتحقن بمراكز تحفيظ القرآن التى كانت غطاء لتسلل الفكر الإخوانى والوهابى. وغدا إلى ذلك مفضوح الازدواجية، فخطابه تنويرى، وحياته ظلامية. بل إنه التحق بثقافة المسجد التى يسيطر عليها الإخوان أو الوهابية. أما مواقفه من الحريات فقد باتت باهتة. ولم يتصدَّ لمن عبث بالهوية العربية لصالح هويات صحراوية وأفغانية.
وها هو القضم والهدم والترويع يطال أهل الثقافة وحرياتهم العامة دون أن يصّاعد هدير المثقفين واحتجاجاتهم على ما يجرى. ناهيك عن تخاذلهم فى مواجهة الإمبريالية الجديدة وعدوانها السافر والمتكرر لا على فلسطين فحسب، بل على دول الجوار «العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، السودان، اليمن» والحبل على الجرار.
وأنا من موقعى كمناضلة لحقوق المرأة والإنسان العربى وللحريات العامة، وكمثقفة تواجه قوى التخلف والظلام فى رحلة مريرة وخطيرة دامت أكثر من أربعين عامًا، لم أجد فى مثقفى بلادى سندًا واحدًا يقف معى ويحارب فى صفى. ومن ساندونى كانت النسويات وفرادى من الشعب، لم يرتبطوا بمطمع بجائزة، أو بدعوة لمؤتمر.. فيا له من ثمن بخس!
■ إلى أى مدى حوصرت المرأة العربية بالتسليع بين قوسى «العرى/ التكفين»؟ وما الرسالة التى توجهينها إلى المرأة العربية التى تقف اليوم بين الخوف والرغبة فى التغيير؟
– إذا أردنا أن نحكم على شعب فلننظر إلى المرأة فيه. وامرأتنا كانت أول عنصر هدف الإسلام السياسى إلى تغييره وغسل دماغه، فعمد إلى نشر الحجاب و«اللباس الشرعى» مقابل المال. وكان خطاب الحجاب ينطوى على تفكير دونى للمرأة يتصل بجسديتها، أى أنها «جسد» و«جنس» و«فتنة»، وهو مما ليس فى الإسلام أساسًا، ولا فى القرآن وأسباب النزول، ولا فى كتب التفسير.
وفى تقديرى أن هذا التحديد الجنسى للمرأة متأتٍّ عن عبادة قديمة كانت فى المنطقة، أو وفدت إلى المنطقة مع مسلمى الشرق الأقصى، هى «عبادة الفرج». وهذه العبادة تملت سرديتها فى بيئة عبدت خصال المرأة العشتارية علانيةً. فكان لا بد من إخفاء وثنيتها، بإخفاء سائر أعضاء المرأة. وأما الغواية والدنس فأتى من الفقه التلمودى الذى «يقذِّر» المرأة ويأنف من ملامستها. وإذا فعل فعليه أن يغتسل أو يستغفر الله.
وهكذا وجدنا أن «فقه الحجاب» و«فقه العورة»، وهو إمعان فى تأثيم كشف أى جزء من المرأة حتى صوتها، قد أتى بضدّه تمامًا، وهو «تعرى النساء». إنه احتجاج صامت، ولكنه متطرف، على ذلك التطرف الآخر فى تحجيب النساء وتنقيبهن. فمثلما نشط الإلحاد كردة فعل على التدين الاتباعى وإغلاق منافذ العقل، فإن المرأة تعرت كردة فعلٍ على تأثيم جسدها، وتلخيص كينونتها فيه، لتقع فى الجورة ذاتها التى منها ينظر المتأسلمون إليها. فمثلما أن الحجاب والنقاب ولوازمهما من الألبسة والملاءات تعلن بصريح العبارة أنها تخفى جسد المرأة لأنه «جنس»، فإن المتعرية تقول بصريح العبارة أيضًا إنها «جنس» فانظروا إلىّ.
■ كيف تصفين المشهد الثقافى العربى اليوم؟ وهل ما زالت المؤسسات الثقافية قادرة على خلق حراك جاد؟
– المشهد الثقافى العربى لا يختلف كثيرًا عنه فى الأردن. فهو مشهد تصنعه الأنظمة، إما إهمالًا، وإما توجيهًا تحت طائلة الحساب. مؤسسات ثقافية مقموعة ومختَرَقة ومتعثرة ماليًا وإداريًا، وعاجزة عن أى مواجهة مع السلطة، وعاجزة عن أى دعم للمثقف/ة عند تعرضه لاستبداد سلطة النظام أو سلطة المجتمع.
هناك بطبيعة الحال أنظمة تنفق على الثقافة كواجهة حضارية، ولكنها ثقافة منزوعة الأظافر لا تستطيع قول «لا»، ولو همسًا. ولذا فلا حراكَ ثقافيًا من أى نوع من المحيط إلى الخليج. بل إن منتديات الثقافة تقتصر مهمتها اليوم على مهرجان هنا، ومهرجان هناك، وعلى معارض كتب باهظة الثمن، وندوات متفرقة. ووزارات ثقافة تدير أعمالها اليومية بروتين محض.
■ بِمَ تقيّمين الجوائز العربية الكثيرة خلال الفترة الأخيرة؟ وهل أحدثت حراكًا إبداعيًا بالفعل أم كرست لظواهر بعينها؟
– لا أعترض على الجوائز الثقافية العربية، فهى طريقة للفت الانتباه إلى هذا الإنجاز أو ذاك، والترويج له. كما أنها فرصة ليتمتع بعض أهل الثقافة، وهم من أكثر الناس شقاء فى حياة الكدح، بشىء من راحة المال.
غير أن مردود الجوائز لا يتجاوز ذلك، بالإضافة إلى تكريم الاسم الذى تحمله. فالحياة الثقافية لن تزدهر بسبب وجود جائزة للمبادرات الثقافية، ولن تزدهر الرواية بسبب جائزة دسمة للرواية. وكذلك الشعر والمسرح والفن التشكيلى. فهذه كلها وسائل للترويج، وهو مهم. ولكنى لا أتفق مع من يقول بوجود آثار سلبية لهذه الجوائز على الفنون التى ترعاها، فتلك من مبالغات المثقفين الأيديولوجية. لكن المثلبة الوحيدة لها، فى ظنى، تأثيرها السلبى على المثقف الذى يطمع فيها فيهادن السلطة. وهو تأثير تكمل دائرته عند أصحاب الشأن والمصالح.
■ ما المشروع الذى تعملين عليه الآن؟
– لدىّ مشروع الإعداد لطباعة الأعمال الكاملة للشاعر عمر أبوريشة، وجمع ما لم يُنشَر من قبل. فقد ظُلِمَ الشاعر كثيرًا فى حياته، ظلَمه وطنه فى فترة الحكم الأسدى لأنه لم يكن بعثيًا. كما أنوى نشر أعمالى الكاملة، بعد نشر ما لدىّ من مخطوطات.
وما زلت أقوم ببعض الواجب تجاه الثقافة والوطن بإدارة «تيار تنوير الأردنى»، الذى انضم إليه مؤخرًا عدد من كبار مثقفى مصر. بالإضافة إلى الإضاءة على ما يجدّ من منشورات تنويرية فى الفكر والأدب عبر «منتدى لقاء» الشهرى. وبالإضافة إلى مقالاتى الأسبوعية التى أنشرها فى صفحتى على «فيسبوك».
ولدىّ مشروع قديم أتمنى أن أجده منشورًا، وهو تقديم التراث للأطفال كما هو. وقد اخترت صفحات من كتب اللغة القديمة تصلح أن تُقدَّم بشكل عصرى إلى الأطفال. كما أنى أعكف على كتابة قصة للأطفال من وحى حكايات أطفال غزة، ولكن بطريقة مبتكرة. متمنية أن يمد الله فى عمرى لأفعل كل ذلك، كرسالة امتنان للحياة.
■ وُصفت بأنك «نوال سعداوى الأردن» إلى أى مدى يتطابق النعت بالمنعوت؟
– المفكرة نوال السعداوى رائدة من رائدات تحرير المرأة العربية، بل هى أهم رائدة فى العصر الحديث، ويشرفنى أن أوسم بها، لكن هذا الوسم غالبًا أريدَ به باطل. فالمجتمع المتأسلم عندما يريد شتمى ويحدد مدى خطورتى يتذكر خصمه الأكبر «السعداوى». فالإسلام السياسى هو الذى يحذر منها ومنى، ويجمعنا معًا فى صور فوتوغرافية نبدو فيها فى غاية القبح ليتلوها بعد ذلك سيل من تهم التآمر على الإسلام، والعمالة للغرب والصهيونية، وتدمير الأسرة وحرف المرأة والأخلاق…. إلخ.
- عن جريدة حرف المصرية
ثقافات موقع عربي لنشر الآداب والفنون والفكر يهتم بالتوجه نحو ثقافة إيجابية تنويرية جديدة ..!









