الرئيسية / إضاءات / مليون دقيقة من التاريخ على «يوتيوب»

مليون دقيقة من التاريخ على «يوتيوب»


صباح جلول

انسَ نشرات الأخبار المحليّة لدقائق، وتخيّل نفسك شخصيّة أساسيّة في فيلم يحكي مرحلة ما قبل الحرب العالميّة الثانية وصولاً إلى الحرب. أنت داخل فيلم، تجلس في قاعة سينما إيطالية الهندسة، بانتظار أن يبدأ عرض لوريل وهاردي أو بانتظار مشاهدة فيلم ويسترن أو ريتا هايوورث في أحدث أفلامها. يبدأ مشغّل بكرات الأفلام بعرض أفلام قصيرة ما قبل العرض الرئيسي المقرر. هنا «سينما الأخبار»، حيث تعرف أحدث ما يجري في العالم من خلال أشرطة إخبارية، يقدّمها لك مذيع رخيم الصوت، حماسيّ النبرة، مرافقاً موسيقى أوركسترالية ملحمية غالباً… يومها، كان عليك أن تترك المنزل وتسعى نحو قاعة سينما وتقطع تذكرة حتى يتسنى لك مشاهدة أخبار الجنود في أرض المعركة، خطابات رجال السياسة، مشاهد من بلاد بعيدة غريبة، أو آخر أخبار نجوم هوليوود. كان هناك نوع من «الدراما» يرافق نفس فعل مشاهدة شريط إخباري، وترافق كذلك نبرة المذيع الحيوية. العتمة، الاكتظاظ في قاعة واحدة، أصوات التهليل أو الاستهجان من الناس الذين يجلسون قربك والذين لا تعرفهم بالضرورة، رهبة المكان بسقف مرتفع وشد الرقبة إلى فوق، كلها أشياء جعلت من مشاهدة شريط إخباري في تلك الأيام أمراً أكثر سحراً، لنقُل، من مشاهدة نشرة أخبار لبنانية كلاسيكية بمقدّمة سجعيّة مقفّاة.

بقيت بكرات الأفلام الإخبارية القديمة تلك، منذ بداية الصورة المتحرِّكة وعملها التوثيقي أوائل القرن الماضي، محفوظة لدى شركات الإنتاج الأولى، «يونيفرسال»، و «غومون»، و «باتي»، و «فوكس»، و «باراماونت»، وغيرها… ومع بدء العصر الرقمي، حافظت تلك الشركات على أرشيفها المؤفلم، وحوّلته إلى أرشيف رقمي خاص.
أما الآن، فقد وفّرت علينا «أسوشيتد برس» عناء البحث، ورفعت للعموم، بالتعاون مع شركة «بريتيش موفيتون» للأفلام الإخبارية، أكبر مجموعة من الأرشيف التاريخي المصوّر على منصّة إلكترونية لمشاركته مع الجميع. ما يزيد عن 550 ألفاً من القصص الإخبارية المصوَّرة على شريط خام تمّ تحويلها إلى نسخ رقمية وتحميلها على «يوتيوب»، وعرضها على قناتي «أسوشيتد برس» و «بريتيش موفيتون». أقدم تلك الأفلام يعود إلى عام 1895، ويمتدّ تاريخها حتّى أيامنا الحاليَّة، في مجموعة مذهلة تتخطّى مدتها المليون دقيقة من التاريخ المعاصر، موزّعة على مقاطع، منها ما هو بالأسود والأبيض ومنها ما هو ملوّن.
كانت تلك الأفلام دائماً موجودة ومحفوظة في أرشيفات خاصة، لكن أهميّتها اليوم تكمن في أنّها باتت متوفّرة لجميع من يتصفّح «يوتيوب». مواد أرشيفيّة متنوّعة وغزيرة على بعد نقرة، من دون حاجة إلى طلب أذون خاصة أو البحث في مكتبات ضخمة. «موسوعة بصرية تحت الطلب»، كما سمّتها «أسوشيتد برس»، تضمّ أهم لحظات التحوّل التاريخيّة في مجالات السياسة، والعلم، والرياضة، والأزياء، والترفيه. ستقوم «أسوشيتد برس» بتحديث محتوى مقاطع الفيديو المرفوعة بأخبار جديدة بشكل دائم، بحيث يبقى المحتوى مفتوحاً لكل جديد ومتمدداً لأجيال لاحقة.
يذكر أن لدى شركة «بريتيش موفيتون» أكبر أرشيف من الأفلام الإخبارية في العالم، يضمّ أشرطة منذ العام 1895 حتَّى 1986 مصوّرة على بكرات أفلام 35 مليمتر، تحوي تغطية لأحداث لا تنسى من حول العالم، كما أنها أولى شركات الأفلام الإخبارية أدخلت الصوت مع الصورة، ومن الشركات الرائدة في استعمال الأفلام الملوّنة.
على موقع «أسوشيتد برس»، والصفحة الخاصة بأرشيف «بريتيش موفويتون»، تطالعنا كلمات «الولوج إلى محتوى حصري»، إلى جانب فيديو ترويجي لمجموعة من اللحظات التاريخيّة الهامّة التي تضمّها فيديوهات الأرشيف الرقمي. لقطات سريعة كفيلة بإثارة اهتمام أيّ كان، ولو بجانب واحد على الأقل من الجوانب التاريخية التي يضمّها الأرشيف: ونستون تشرتشل يعلن نهاية الحرب، مارلين مونرو تتزوّج جو ديماجيو، موسوليني يعلن رغبته بالسلام، اعتقال مارتن لوثر كينغ، فرقة البيتلز تتسلم تكريماً من ملكة بريطانيا، أول عرض أزياء لتنانير الميني جوب، احتفالات يوم النصر في لندن، تجارب القنبلة النووية، تشارلي شابلن في رحلة مع زوجته، الجرافات تزيل جدار برلين وسط غناء الجموع، وغيرها الكثير الكثير من لحظات لا تُعَدّ صنعت عالمنا الحالي…
إليكم هذا المشهد من الأرشيف: برلين مدمّرة بعد الحرب، أطفال يلعبون وسط الركام ونساء يبكين في الشارع. المذيع بصوته المميّز ولكنته الإنكليزية يقول «إذا بدأتم تشعرون بوخز الأسى والشفقة على هؤلاء النسوة، لا تنسوا أنهن نفسهن كنّ يلقين التحية ويهتفن من أجل الفوهرر، ولم يعارضن الحرب أبداً».
لا يوفّر هذا الأرشيف فقط بوابة للحصول على تلك الأفلام الإخبارية الرائعة والإطلاع عليها واستخدامها، ولكنّه أيضاً يعطينا فكرة واضحة عن بدايات الصحافة المصوّرة، وطريقة عرض الأخبار السياسية، الاجتماعية، والترفيهية للعموم، ويسمح لنا بإجراء مقارنة بين حقبات سياسيّة مختلفة، وطريقة إدارة صناعة الأخبار في كلّ منها.
السفير

شاهد أيضاً

عبدُه خال: أتركوني أكتب كما أشاء، ولا تقرأوا لي!

 دعا الروائي السعودي عبده خال إلى ثورة ضد كل الموروث الذي أوقف الأمة عن الحركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *