الرئيسية / خبر رئيسي / التراث وتحولات الشخصية في رواية “مزار محيي الدين”

التراث وتحولات الشخصية في رواية “مزار محيي الدين”

*د.علياء الداية

يشغل التراث والأماكن الأثرية اهتمام كل شخصيات رواية “مزار محيي الدين” – صدرت عن دار التنوير في بيروت عام 2017 وتقع في 272 صفحة، للروائي السوري محمود حسن الجاسم، ويختلف سلوك هذه الشخصيات بحسب ما تعنيه لها هذه الآثار، وبحسب التراث المحلّي ومحورية حضوره في حياتها اليومية وتطلعاتها المستقبلية. إذ تدور أحداث الرواية في منطقة ريفية سورية قريباً من آثار مملكة إبلا التاريخية القديمة، يتنقل إليها بعض أبطال الرواية مرات عدة انطلاقاً من مدينة حلب حيث يقيمون، منهم الباحث الوافد من خارج البلاد والطالبة والسائق. ويشكّل التعلّق المريب للباحث آدم بالكهف محوراً للأحداث، ولاسيما أن الكهف مقترن بزيارات درويش محلّي في المنطقة له، وتردده الدائم قرب المكان. وضمن هذا كله ثمة شخصيات متحولة وأخرى جامدة على الرغم من حركتها ودورانها في فلك الشخصيات المتحولة.

الشخصيات المتحولة:

تعيش هذه الشخصيات تحولات عديدة على مدار الرواية، بعض الشخصيات تتقبل وقائع جديدة، وأخرى تتصادم معها، وشخصيات تتكيف مع أي تغير.

آدم:

آدم باحث الآثار هو أكثر الشخصيات المتحولة إثارة للجدل في هذه الرواية، وهو المحور الثاني لها بعد شخصية الدرويش محيي الدين. إنه الشخصية ذات البعدين العملي والثقافي، يظهر البعد العملي في خبرته الواسعة بآثار المنطقة، “عُرف آدم في عمله بهدوئه وصبره وحنكته في التفاعل مع الآخرين… بعدما عاد من العراق نوى أن يستقر في جورج تاون، ليتابع بحوثه ودراساته في المعاهد التي تدرس الآثار، ويؤلف كتاباً حول تجربته في الشرق”، فقد سبق له العمل في العراق مما أكسبه خبرة كبيرة، وهو يتعامل ببراعة مع الشخصيات من حوله، وتعوّل عليه مؤسسته كثيراً، ويشكّل هذا خلفية معرفية للمتلقي حوله. أما البعد الثقافي فهو يؤدي دوراً كبيراً؛ ففي الرواية يكتشف آدم جانباً ثقافياً روحياً كان خفياً عنه، إنه يأتي إلى حلب محملاً بخوف ينتابه بعد تشخيص مرضه، وفي الريف يتجلى له ما يبدو أنه تطابق مكاني مع حلم رآه مؤخراً، فيقول لنفسه إن تفسير الحلم يعني شفاءه في الكهف قرب مزار الشيخ محيي الدين الدرويش المحلّي في المنطقة، إنه في الكهف “يفصل ذاته عن الزمان الدنيوي، الخالي من القداسة، ويلتحق، سحرياً، بالزمان الكبير، الزمان المقدّس”. في حلب يتجول في الأسواق ويستمع إلى الأناشيد والطرب من نافذة الفندق “عند القلعة وجد السائق مكاناً للسيارة وركنها. نزل برفقة آدم. دخلا باب المدينة وسارا. تفاجأ آدم بأن شارع المدينة الرئيس مسقوف كله رغم مساحته الهائلة… تشمم رائحة البضاعة عبر طريق الحرير مع المواويل والقدود وحكايات المسافرين”، وقرب الكهف وفي الأرياف ينعم الباحث آدم برؤية الطبيعة الساحرة: “تنشّق هواء نظيفاً وقطف نباتات برية، وتعطّرت يداه بالشيح، ونعناع البرية، والبابونج. وعلى صوت النمل الطيار وضجيج القرية البعيد، بدأ يسجل على ورقة بعض الملاحظات المتعلقة بطبيعة الآثار والموقع”.

وتفرد الرواية صفحات طويلة في أماكن متفرقة حيث تزور آدم جدته في رؤاه وأحلامه، وثمة من يقول له: اشرب، “ويتكرر مشهد جدته مع الشبح المعمم. وخيل إليه في نومه أنها تقول: اشرب. اشرب!” إذ يكمن في الماء سرّ الشفاء، فـ”يكون الماء، لحالمين عدة، الحركة الجديدة التي تدعونا إلى الرحلة التي لم تحدث أبداً. وينتزعنا هذا الرحيل المُمدّى من مادة التراب”. وتتداخل صورة الدرويش أو تجليها الروحي مع تصورات جدّته: “صادفته جدته ماري، تنظر إليه بلهفة، كأنها خرجت من كنيسة أثرية في منطقة من تحت شجرة فوق قبر”، كما أنه يرى الدرويش محاطاً بالهالة البيضاء التي تحيط عادة بالشخصيات الزاهدة والنقية، “جذبه الشيخ محيي الدين كما يحذب العسل النحلة. وخيّل إليه أنه محاط بهالة بيضاء دائرية، تشع صافية كالشفق، شفافة كالظل، مؤثرة أقوى من الكهرباء. تختفي وتبين. تبث طمأنينة في نفسه، وتبدد ظلمة خانقة تضغط على صدره”؛ ويتداخل كذلك عالم الأحلام مع الواقع، فكأنهما وجهان لعملة واحدة. إن المشكلة الأساسية لا تكمن في أفكار آدم أو معتقداته، بل في سلوكه وقراراته المبنية عليها بما يخالف اتفاقه واستنتاجاته المسبقة مع مؤسسته، فهو ينقب أثرياً في مكان لم يتفقوا عليه، ويترك المكان الأساسي: “لكن هذه الصخرة فوقها المزار! وعمل كهذا قد يُغضب الدرويش محيي الدين، وأهالي البلدة أيضاً!”

إن أحداث الرواية تسعف آدم بلُقى أثرية في الكهف، غير أن الهدف هو الماء فقط؛ ويظهر الدرويش محيي الدين كأنه طُعم أو مصيدة يلقي بها الوجود في وجه آدم، ليرفض واقعه القاسي ويندمج في آخر مشبع بتراث المنطقة فكأنه يرغب في التلاشي والخفة كما هي حياة الدرويش وغموضه، “ثم اختلط طيف الدرويش بطيف جدته، وأخذ يسحبه بجاذبية خاصة، كأنها حبال مفتولة من نور، تشده من دون أن يلمسها، واندمج آدم في عالم النور”. وكأنه يغادر تطفّله على الآثار هنا وهناك ليتفانى في شخصية الدرويش الذي يتقبل الجميع وجوده ويعتبرونه مكوناً أصيلاً له الحق في الوجود بطريقته الخاصة؛ هذا ما يمكن رؤيته في عناوين فصول الرواية على التتابع: الكشف، المحبة، الألم، التحرر.

مايكل:

يظهر مايكل بوجوده الفعال بعد أشواط من أحداث الرواية، حين يأتي إلى حلب من أمريكا ليلاحق آدم وليتابع ما يحصل عن كثب، إنه يبدو بمظهر الرجل الخبير الصارم جداً، فهو يستهجن كل الاستهجان ما يبدر من آدم من سلوك ومعتقدات وتعلـُّق بالكهف وبشخصية الدرويش محيي الدين: “سمعت أن آدم كروز معجب بمعتوه بدائي هناك، ويعيش شكوكاً وأوهاماً، مما يشكل خطراً، وتهديداً عليكم وعلى أسرارنا”. ولكن نقطة تحوّل تلفت انتباه المتلقي، تكمن حين يُخرج مايكل عبوة خاصة بالتصدي للظواهر الماورائية! فهو والمؤسسة التي أرسلته يؤمنون بوجودٍ فيزيائي غير مفسَّر لظواهر فوق طبيعية، وبإمكانية مواجهتها علمياً، ولكنه لا يوافق الإيمان بهذه الظواهر والانسياق وراءها لأي سبب من الأسباب: “مايكل استمرّ يتحدى ولم يأبه، أخرج قارورة فيها محلول ما، كان مصنوعاً في أحدث المختبرات لمواجهة الظواهر الخارقة، وسكب منها في مواضع عدّة”.

إن نقطة التحول هذه تعتبر مرنة قياساً بتحول آخر، فهو يسمح لآدم بالشرب من مياه الكهف، على الرغم من أنه كان يحثه على الإسراع بالسفر والعودة إلى أمريكا في حالته الصحية الحرجة؛ “هل نذهب غداً، وتشرب من المياه؟… لا بأس… اذهب الآن إلى غرفتك حتى ترتاح”. فهنا تحوَّل مايكل من الشخص الجاف الصارم إلى حالة عاطفية، ليتفهم ضعف صديقه آدم، وحاجته إلى التمسك بالأمل، “إن الحدس الحالم بالماء العذب يستمر رغماً عن الظروف المعاكسة. يعطي ماء السماء، والمطرُ الخفيف، والينبوع الصديق الشافي، دروساً أكثر مباشرة من مياه البحار كلها”. لقد وصف سوريا بأنها كنز الشرق، ولعله أيقن أن كلاً يفهم هذا الكنز على طريقته: “مايكل متحمس لفكرة جادل الكثيرين بشأنها، وتزداد قناعته بها يوماً بعد آخر، مفادها أن سوريا كنز الشرق، وهي مليئة بالأسرار الحضارية والتاريخية”.

الحاج فيصل:

يظهر الحاج فيصل أقرب إلى الشخصية الأليفة في التزامها العادات والتقاليد المحلية، يستضيف آدم وبعثة الآثار في داره، ويعمل على تقديم العون لهم، وتتحول شخصيته السردية شيئاً فشيئاً حين نرى طمعه بالحفاظ على مكاسبه، فيُقنع العمال بمواصلة الحفر في الكهف على الرغم من ذعرهم من الحوادث الغريبة التي حصلت فيه، “ظنّ أمجد أن صاحب المزار يعاقبهم، وأنه يصعد إلى الفضاء، شاكياً من فوهة الكهف”، ثم إنه يخفي الحقائق عن الناس ويدعي بأن الدرويش الشيخ محيي الدين راضٍ عن كل ما يحصل، ويؤول سلوكه وصياحه على أنه خير، “طلب الوجهاء من الحاج فيصل أن يكلّمه، لكنه اعتذر بحجة أن الدرويش ليس غاضباً، وأن هذه الحالة تأتيه في بعض الأوقات، ولكنهم لا ينتهبون”، وقد سبق أن لجأ الحاج فيصل إلى إقامة حفلة ذكر، “أصر الحاج فيصل أن يأتوا إلى المضافة، وأخبرهم أنه سيقيم اليوم حفلة ذِكر للتبرّك وهي حفلة يقيمها في مناسبات ترتبط بأحداث حصلت معه”. غير أن التحول الكبير الهائل في شخصيته يكمن في قبوله القيام بدور القاتل في حق الدرويش، فحين يقرر مايكل الخطة، لا يدوم تردد الشيخ فيصل، فهو ممن يتظاهر بالعادات والتقاليد من دون أبعادها النفسية والمعنوية، “قال الحاج فيصل: كأن السمّ قليل؟ عندها اقتنعت بصدقه معنا، وبرغبته في التعاون”، ولعل انتهازيته بدت في لمحة حين رأى صقراً في السماء وتمنى لو أنه كان في موسم مخصص لصيده: “قطع حوارهم صقر يطير في الجو. لفت نظر الحاج فيصل، تحسّر وقال متحمساً يشير بيده: شوف! هذا صقر. آخ لو عندي عدّة الصيد، هذي السنة راحت عليّ”.

الشخصيات الجامدة:

تتكامل الشخصيات الجامدة مع الشخصيات المتحولة، فوجودها ضروري في الرواية لتحقيق الصورة الواقعية المتوازنة بين الممكن والمتخيل، وبين الموت والحياة.

سورين:

على الرغم من أن شخصية الطالبة سورين توحي بالحركة واقتناص الفرص واليقظة للتغيرات، فإنها شخصية تحافظ على نمطيتها على مدار الرواية، ولا تغير فيها الأحداث شيئاً، بل تعزز من التزامها بأهدافها الخاصة؛ فهي تدرك التحول الذي نال من شخصية آدم، ودور البيئة الشرقية والمعتقدات الروحية فيما يعانيه، ولكنها لا تتعاطف معه، بل تتبع تحركاته بحذر وتطلع مايكل عليها أولاً بأول: “انشغل مايكل يستعرضها ويقرأ. وفجأة اتصلت سورين بالهاتف الآخر في جيبه. نهض معتذراً من زميله وخرج ليردّ عليها”. إنها تتوجه من الداخل إلى الخارج، ليبدو كل من مايكل وياسر والحاج فيصل ولقمان وآدم أشبه بعلامات طريق على مهمة تخصها وحدها، وكذلك هو أي سلوك تقوم به، سواء تقديم الخبرة في المناطق الأثرية أو في قوائم الطعام الحلبية، أو حوارها مع شخصيات الرواية، “طلبت سورين مقبلات مكونة من: فتوش وسلطة جرجير ومحمرة ومتبّل وكبّة نيّة ويالنجي. والوجبة الأساسية من مشاوي مشكّلة، وكباب بباذنجان، وكباب حلبي”.

السكان المحليون:

يظهر السكان المحليون سواء في الريف أو في حلب بمظهر جامد وهم يزاولون حياتهم التقليدية أو اليومية، ففي الريف لا يتغير مظهر الراعية الشابة، وكأنها مَعلم ثابت في المنطقة، يلتفت إليه آدم ويشير إليه بإعجاب حين يزور المكان مع مايكل ليتأمله معه، “رأى فتاة تجلس فوق عمود صخري ضخم ملقى أرضاً، وبجانبها صبي بحدود الثانية عشرة من عمره. كانت تغني، وتنظر إلى قطيع من الأغنام يرعى حولها”. وكذلك هي موائد الطعام متكررة في عاداتها وتقاليدها “وما كاد الرجال ينتهون من تطييب الخواطر، ويتبادلون بعض الموضوعات الجانبية حتى مُد الحصير في المجلس، وباشروا بنقل مكونات المائدة. كانت المائدة مكونة من صينيتين ضخمتين تحتوي كل منهما على خروف مطبوخ مقطع فوق كمية كبيرة من الأرز، وأباريق من اللبن المروب وعدد كبير من صحون السلطة”. وفي حلب يلحظ آدم اختلافات سكان المدينة باختلاف أحيائها، كما أنه يتعرف شخصية السائق لقمان حين يدعوه إلى بيته البسيط ويلتقي هناك بجيرانه، “ثم دخلت الأسرة كاملة، كان الأولاد يلبسون لباساً متواضعاً. مراد في الثاني الإعدادي وخليل في الرابع الابتدائي واثنان صغار قبل المدرسة. ثم دخل بعد قليل جارهم وزوجته، وانضموا إلى السهرة”، إنها مستويات من الشخصية ولكنها ليست تحولات فهي لا تتغير سلوكياً مع تغير الأحداث.

الضحايا:

ومما يلفت النظر في الرواية وجود عدد من الشخصيات “الضحايا”، ولعله بهدف جعل فكرة الموت تدريجية في السرد، إلى أن ينتهي الأمر بموت الدرويش وآدم. أما الشخصيات التي رحلت خلال سرد الرواية، فهي كل من أمجد الذي راح ضحية ثأر بين عائلتين على الرغم من براءته، “من الذي قتله؟ لا أحد يعرف. قالوا لي: ثأر قديم. نصبوا له كميناً بطرف القرية وأطلقوا عليه النار”. وياسر الذي وضعته أفعاله موضع شبهة فقُتل، ويلمّح السرد إلى مرض جدة سورين ولكنه لا يوضح ما إذا كانت قد توفيت.

لقد كان الدرويش وآدم شخصيتين محوريتين، إذ يتكامل الموت والحياة بعملية تبادلية، آدم كان حياً ثم ذوى ومات، أما الدرويش فكان أشبه بالأموات مهملاً يعيش على هامش الحياة، غير أنه بمقتله ثم اختفاء جثته صار ذكرى حية ليتبارك بها الناس، تنتهي حياة آدم ويعود من حيث أتى، أما المكان الذي جاءه زائراً فتستمر الحياة فيه بكل ما فيها من غرائب وتحولات.

*

مصادر ومراجع:
ـ مزار محيي الدين، محمود حسن الجاسم، دار التنوير، بيروت، 2017
ـ الأساطير والأحلام والأسرار، ميرسيا إيلياد، وزارة الثقافة، دمشق، 2004
ـ الماء والأحلام ـ دراسة عن الخيال والمادة، غاستون باشلار، ترجمة: د.علي نجيب إبراهيم، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 2007
ـ مقالات، غاستون باشلار، ترجمة: سلام عيد، وزارة الثقافة، دمشق، 2006
  • عن مجلة تراث – الإمارات
  • * د.علياء الداية: أديبة وناقدة وأكاديمية سورية
*

شاهد أيضاً

عائشة البصري: لن ننسى بسهولة هزيمتنا أمام فيروس صغير!

* عماد الدين موسى عائشة البصري شاعرة وقاصة وروائية مغربية، عضو الجمعية الدولية للنقد الأدبي (AICL) في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *