الرئيسية / خبر رئيسي / «مع الحياة.. نظرات في صفاتها وأسرارها» لسامر المجالي

«مع الحياة.. نظرات في صفاتها وأسرارها» لسامر المجالي

«مع الحياة.. نظرات في صفاتها وأسرارها» لسامر المجالي

موقف صوفي من الحياة

  • مجدي دعيبس

يأخذنا سامر حيدر المجالي في كتابه الصادر حديثًا عن “الآن ناشرون وموزعون” في رحلة عبر الحياة، فقد كشف المؤلف من السطور الأولى أنّ نيّته من هذا الطرح تقديم أفكار ورؤى متعددة حول ماهيّة الحياة ودلائلها، والخروج باستقراء يلقي مزيدًا من الضوء على دربنا نحو فهم أفضل لحياتنا. ولم يكن من قصدية الكاتب كشف أسرار الحياة التي نقف أمامها صاغرين حائرين ولا نملك منها إلّا أقلَّ القليل، فارتأى أن يكون كتابه اجتهادًا في الإجابة عن أربعة أسئلة: ماهي الحياة علميًّا؟ ماهي الحياة فلسفيًّا؟ ماهي الحياة قرآنيًّا؟ ماهي الحياة عرفانيًّا؟ وتلك وجهات نظر متفاوتة يكشف كلٌّ منها جزءًا صغيرًا من مفهوم الحياة اللامتناهي.

وبصرف النظر عن صفات الكائنات الحيّة التي خاض فيها الكاتب في الفصل الأول، والتي جاءت في معظمها محصّلةً لتطور العلوم التجريبية عند الإنسان، فإن ما يهمّنا هو ما ورد في نهاية الفصل من تصنيف إلى “حياتي” و”آلي”، وهما نظرتان متابينتان في أصل الحياة؛ الحياتيّون يقولون إنّ نقيض الحياة هو الموت، وهذا اعتراف ضمني بوجود خالق لهذا الكون، بينما يرى الفريق الآخر أنّ نقيض الحياة هو العدم، ما يعني أن الحياة تشكّلت على الأرض نتيجة لتوافق ظروف معينة للمادة كما يحدث في تشكّل ونزول المطر أو تكوّن الضباب والانجماد وغيرهما من الظواهر الطبيعيّة المعروفة، وأنّ الحياة مجرد نظام من أنظمة الكون التي تخضع للقوانين الفيزيائيّة فحسب. وهي نظرة إلحاديّة وماديّة بحتة.

أفرد الكاتب لكل سؤال من الأسئلة الأربعة المشار إليها أعلاه فصلًا من الفصول اللاحقة للإجابة عليه والتّوسع بالشرح والتعليل والمقابلة والاستنتاج. على أن الإحاطة بجميع الفصول في مقالة واحدة هو أمر أعدّه من التّجنّي وسوء التدبير، فرأيت أن النظر في إحدى المقالات دون غيرها أولى وأوجه، واخترت أن أخوض في الحياة كما ظهرت عند الصوفيين، وهو في ترتيب الكتاب الفصل الرابع وحمل عنوان: “كمالات حيوية بين الجيلي وابن عربي”. وربما نقف على فصل آخر في مقالة قادمة إن تيسّر لنا الذهن الصافي لفك المربوط أو ربط المفكوك. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى الجهد الكبير المبذول من المؤلف في البحث اللغوي الشائك، إذ كانت المراجع من الكتب الصوفية التراثيّة التي تتجاوز فيها فلسفة اللغة وفقهها ما ندركه نحن اليوم، خاصة عند الخوض في مسائل فكرية جدليّة تنصهر فيها الفكرة في اللغة فيختلط علينا الأثر بالمؤثر.

قُسّم الفصل إلى بابين لعلمين من أعلام الصوفيّة؛ الأول يتحدث عن رأي ورؤية عبد الكريم الجيلي، وتناول الثاني فكر وتأمّلات ابن عربي بالحياة والوجود. عبد الكريم الجيلي المتوفى عام 805 هجري طاقة فكريّة وأدبيّة ولغويّة لا تنضب، وهو على غرار علماء العرب والمسلمين في ذلك الزمان موسوعي، يلمّ بعلوم عصره، والأهمّ من هذا أنّه يُعمل ذهنه في ما يقرأ فينكشف عنه الحجاب ويرى ما وراءه، ويعبّر عنه بلغة لا ينقصها الخيال عند استحضاره، ولا يعييها التّجريد عند لزومه. يوظّف اللغة لخدمة الفكرة وليس العكس، ويتّجه مباشرة إلى صُلب الموضوع بأقل الكلمات دون مواربة وتسويف، لكن هذا لا ينفي الإرباك الحاصل من تفاوت مستويات اللغة بين ذلك العصر وعصرنا هذا؛ فاللغة بحر شاسع لا ندرك منه إلّا القليل.

عندما وصلتُ إلى نظرية التّجلّي عند ابن عطاء الله السكندري، اتّضح لي السبب وراء خوض الكاتب في أسماء الله الحسنى وصفاته، وهو باب اجتهاد واسع بحث فيه الكثيرون من أمثال أبي بكر البيهقي والغزالي والبيضاوي وابن عربي وابن عطاء الله السكندري. وقد خصّص الكاتب لكل منهم عنوانًا بحثَ تحته مقالهم في هذا المبحث، وهو موضوع فكري يُبنى عليه لواحق وتدفع به سوابق أهمّها تأمّل الذّات الإلهيّة من خلال الأثر الذي نراه وندركه؛ فالإحاطة بذات الله عزّ وجل غير ممكنة كما أكّد المفكرون ومنهم الجيلي لأنّ العقل البشري له حدود لا يتجاوزها. لم يخرج التّصنيف الذي ذهب إليه المفكرون لأسماء الله وصفاته عن التقسيم الثلاثي وهو: أسماء ذاتيّة كالموجود، وأسماء معنويّة كالحيّ وأسماء فعليّة كالخالق.

وبحسب نظريّة التّجلّي؛ فإنّ أسماء الله التي لا حصر لها حلّتْ على العالم والكون فتخلّق بما قُدّر له من جسد وروح بفعل سريان صفات الله وأسمائه في الوجود. يقول الجيلي إنّ هناك صفات نفسيّة ترتبط بأحد أسماء الله «الرحمن»، وهذه الصفات هي: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر والكلام. ويؤكد أيضًا أن الحياة أهمها ومصدر باقي الصفات ومحفّزها.

يعرض الجيلي معنى الوجود من خلال طرح فكرتين أساسيتين: الثنائيات ومراتب الوجود. وتقوم فكرة الثنائيات على وجود إله ومخلوقات (حق/خلق)، وأنّ الوجود أصل وفرع، قديم ومحدث، خالق ومخلوق. ولمّا كان الإنسان أعلى مراحل الخلق فإنّ أسماء الله تعالى وصفاته تنداح عليه بدرجة ما؛ فالله حي والإنسان حي، الله رب والإنسان رب راعٍ في بيته، ويسري الأمر عينه على باقي الصفات، لكن الله كامل والإنسان ناقص. ثم جاء الجيلي بمراتب الوجود حتى يرسخ معنى الثنائيات وقال إنّ عددها أربعون، وهي مقسمة إلى مراتب حقّيّة ومراتب خلقيّة، وتأتي مرتبة الإمكان لتفصل بين النوعين. تتدرج هذه المراتب في وجودها من الغيب المطلق في المرتبة الأولى وصولًا إلى الإنسان الذي تمّتْ به الحياة وتجلّتْ فيه أسماء الله وصفاته على أصفى درجات التّجلّي وأرقاها في المرتبة الأربعين.

قضية الروح عند الجيلي متفاوتة الوضوح في مؤلفاته؛ فتارة تسري الروح في الموجودات جميعها، وتارة هي مقصورة على بعض الكائنات مثل الإنسان والحيوان والجان. أمّا المادة فيرى الجيلي أنّها موجودة في الدنيا والآخرة، وأنّ البعث يكون بالروح والجسد، وقال أيضًا إنّ الجسد مجرد حيّز تحتلّه الحياة. قسّم الجيلي الحياة إلى خمسة أنواع متفاوتة السمات: الوجوديّة والروحيّة والبهيميّة والعارضة وأخيرًا حياة الهيئة، وهي حياة في غاية الكمال وتليق بإنسان الجيلي الكامل الذي هو صورة لذات الله عزّ وجل. وبحسب تصور الجيلي عن الوجود؛ فإنه الحياة التي تطال كل شيء في العالم، وهذا تأكيد لرأيه في صفة الحياة التي لا تعادلها أي صفة أخرى، ولا تكتمل الذات بدونها. كما يشير إلى أنّ إدراك الكائن يحدّد مستوى الحياة التي يرتقي إليها. لكن تبقى فكرة الإنسان الكامل عند الجيلي فكرة مربكة لأنّه يقرّر أنّ الإنسان الكامل «موجود لنفسه»؛ أي أنّ حياته ليست مستمدّة من غيره ولا عرضة للزوال. ويؤكد الكاتب في غير موضع أنّ اجتهاده في التفسير والاستنتاج قاده إلى هذا التحليل، وقد أورد بعض النصوص الجدليّة كما وردت في المصدر ليتدبّرها القارئ بنفسه.

ابن عربي:

الشيخ الأكبر ابن عربي(المتوفى عام 638ه) شخصيّة عرفانيّة ذائعة الصيت ومعروف بأفكاره الجدليّة، وهو من أهم المفكرين العرب والمسلمين في كل العصور، غزير الإنتاج وصاحب ذهنيّة متوقدة وحجّة دامغة وقدرة طاغية على الإقناع. ومن المؤكد أنّه اطّلع على علوم السابقين من اليونان والإغريق والفرس والهنود وغيرهم قبل أن يخوض في هذا الأمر، فأصبح خياله مدرَّبًا على تحرير الفكرة التي تحثّه للتمدّد والتّوسّع، والوصول إلى أماكن بعيدة وغامضة.

يتناول ابن عربي قضية التشبيه والتّنزيه بغير ما قال عبد الكريم الجيلي في إنسانه الكامل على الرغم من اتفاقهما في الثنائيات كحال كل المتصوفة. يذهب الشيخ الأكبر إلى تنزيه الذات عن أي تشبيه ويقول: «العلم بالله عزيز عن إدراك العقل والنفس إلّا من حيث أنّه موجود تعالى وتقدّس». فالله عليم والإنسان عليم بوجود الله ووجوب عبادته وتوحيده. لولا الخالق ما كان مخلوق، ولولا المخلوق ما عُرف الخالق، وهذا يجعل من المخلوقات ضرورة توحيديّة. وهو ما أورده ابن عربي إذ ينقل الحديث النبوي الذي يقول: «كنتُ كنزًا لا أُعْرف، فأحببت أن أُعرف فخلقتُ خلقًا فعرّفتهم بي فعرفوني».

لكن ماهي نظرية الخلق عند ابن عربي؟ لم يكن التّصوّر الذي جاء به الشيخ الأكبر ببساطة الطرح الذي اقتنع به الجيلي، فقد كان يحاول جاهدًا الخروج بفكر جديد تتفق عليه الشيع والفرق، ويفسر كل شيء بمنطق وخيال محسوبين. استخدم ابن عربي مفاهيم مختلفة حتى يؤثث مقولته في الخلق والوجود مثل الأحديّة والألوهيّة وأعيان الممكنات الثابتة وأعيان الممكنات الفعلية والعدم المطلق والعدم النسبي والتّجلّي والفيض الأقدس وغيرها. الأحدية هي مرتبة الذات التي لا يمكن تصورها ولا يمكن لعقل البشر أن يدركها لأنّها مجردة من الأسماء والصفات التي نعرفها. أمّا مرتبة الواحديّة أو الألوهيّة فهي التي تنبثق منها الأسماء والصفات، فتكون الحياة والوجود من خلال تحويل الأفكار وهي أعيان الممكنات الثابتة الموجودة في العدم النسبي إلى مخلوقات الوجود وهي أعيان الممكنات الفعليّة؛ أي أنّ كل مخلوق هو صورة عن فكرة صادرة عن الذات.

لكن تبقى فكرة الاختيار المقيد فكرة مربكة نوعًا ما عند ابن عربي؛ وهي أنّ أعيان الممكنات الثابتة ذاتيّة الوجوب، وأنّ القدرة الإلهيّة تنقلها فقط من حيز إلى آخر.

ما هو موقع الإنسان من كل هذا؟ يقول ابن عربي: فالأمر كله منه، ابتداؤه وانتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدأ منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة. ومعنى هذا أنّ الإنسان هو أبهى صورة من صور التّجلّي بوعيه وإدراكه وارتقائه في التّعقّل والحياة. أمّا مقولة أنّ الكون إنسان أكبر فتتأتّى من فهم الإنسان لهذا الكون من خلال تطور العلوم، فيصبح الأمر وكأنّه فيض ثانٍ فاض به الإنسان على الكون.

يتحدث ابن عربي عن الأمور الكليّة وهي الموجودة في باطن الكون وغير قابلة للتجسد الفيزيائي لأنّها أمور معنوية مثل الحياة والعلم والجمال. ثم صنّف الحقائق إلى أربعة أنواع: الحقيقة الأولى هي ذات الله عزّ وجل وهي مطلقة ولا ندرك حدودها، وهناك حقيقة الحقائق وهي الاستدلال على وجود الله من خلال وجود مخلوقاته إذ تعتمد قوة الصفة على الموصوف؛ فهي في الذات مطلقة وفي المخلوق محدودة. الحقيقة الثالثة هي العالم، والحقيقة الرابعة هي الإنسان الكامل أو الإنسان الخليفة.

الحقيقة المحمدية هي أكمل تجليات الحياة. وهي التي تجعل من كون آلي وظيفي ليس فيه قيم، كونًا أخلاقيًّا ذا غاية. هي حقيقة الحقائق، هي العقل والإدراك والأخلاق التي تحقق مبدأ الخلافة في الأرض. الفرق بين الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية أنّ الإنسان يتمتّع بالصفات التي تمكّنه من الجانب الحركي والمهارتي في الحياة، لكن الحقيقة المحمدية هي التي تعطيه الغاية فيتسق الجسد مع الروح في صورة تتقرب من الذات الإلهيّة ولا تطالها. يقول ابن عربي: اعلم أن مرتبة الإنسان الكامل، الذي لا أكمل منه، من العالم، مرتبة النفس الناطقة من الإنسان، وهو سيدنا محمد الذي هو الغاية المطلوبة من العالم.

وبناء على ما تقدم يصبح فهمنا للخلق والوجود في فلسفة ابن عربي بحسب التسلسل التالي: ذات الله المطلقة، أسماء وصفات (أمور كليّة)، أعيان ثابتة (أفكار)، أعيان فعلية (مخلوقات)، معرفة وذكاء (إنسان كامل) ثم حقيقة محمدية (كون أخلاقي).

في الختام نقول إن خيال ابن عربي في تفسير علل الكون والوجود جاء في حالة متقدمة من الصفاء الذهني والسمو والشغف بمعرفة الذات الإلهية. وتلك الحالة نتاج رحلة تأمّل وتفكّر طويلة في هذا الكون الشاسع، وما كان له أن يصل إلى ما وصل، لو لم يشأ الله له الوصول.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “من زاوية أنثى”: آثام الذنوب في الحب والطموح.

(ثقافات) ميسّر السردية في سيرة مدينة –عمان في الأربعينات – يقول عبدالرحمن منيف ” هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *