الرئيسية / خبر رئيسي / مشروع أومّا.. الخلاص الحقيقي في مواجهة الخلاص اليوتوبي

مشروع أومّا.. الخلاص الحقيقي في مواجهة الخلاص اليوتوبي

فلاح حكمت*

عقب مايقارب الخمس سنوات من نشر آخر رواياتها (عُشّاق وفونوغراف وأزمنة) تعود الكاتبة والروائية والمترجمة العراقية (لطفية الدليمي) لتستكمل مشروعها الروائي برواية جديدة إختارت لها عنوان (مشروع أومّا).

لاأعرف على وجه الدقة من هو قائل العبارة « إن كنتَ لاتزالُ تبحثُ عمّن سيغيّرُ حياتك فانظر في المرآة « ؛ لكنّي معجبٌ بها غاية الإعجاب، وأرى فيها تمثيلا حقيقيا لطبيعة وجودنا البشري، وهي في الوقت ذاته الموضوعة الأساسية التي تدور في مدارها الثيمة الجوهرية لرواية (مشروع أومّا). أنت وحدك وليس أحدٌ سواك من سيغيّرُ حياتك، وإذا ماتعاضدت رؤيتك هذه مع رؤى آخرين فيمكن للرؤية أن تنتقل من مستوى الفعل الفرداني إلى فعل جمعي ناجز على الأرض.

تؤشر لطفية الدليمي منذ البداية هذه الحقيقة ؛ فتكتب في روايتها مايفيدُ بحدود فعل الإرادة القصدية والأفاعيل العشوائية للطبيعة / القدر:

«… كلّ الطرق مسارات رسمتها الأقدار والمصادفات إلّا ماتختارهُ أنت ؛ فهو صنيعة يديك. لكن هل اخترتُ الطريق بإرادتي؟ أم أنّ ماسيحدثُ لي ولسواي سيحصلُ بترتيبات القدر أم لتردّي مقادير البلاد وأحوالها؟ أعلمُ أنّ المضي في الطريق هو القصة التي نعرف، وهو مانحُ المتعة والأمل لبلوغ المرام…… «

لطفية الدليمي: روائية في عصر العلم

لن يخفى على القارئ المتابع لروايات لطفية الدليمي أنّها تُعِدُّ لكلّ رواية تكتبها (وبخاصة رواياتها الثلاث الأخيرة) إعداداً تمهيدياً صبوراً مسنداً بمعرفة واسعة ؛ وليست الفاصلة الزمنية الكبيرة (بضع سنوات في الأقلّ) سوى إشارة مؤكّدة على ضرورة الإنغماس في تمهيدات معرفية وقراءات واسعة تتطلبها كتابة الرواية. الرواية ليست حصيلة حكايات متناثرة تستدعيها الذاكرة على نحو إعتباطي ؛ بل هي جسم حكائي مسنود بقيمة معرفية تمثل في النهاية خبرة ثمينة لنا جميعاً، ومالم تنجح الرواية في تقديم هذه الخبرة للقارئ في إطارٍ من المتعة العقلية المحفّزة بالكشوف المعرفية (وليس الإمتاع الحكائي الساذج) فسنكون حينها أمام عملٍ أدنى كثيراً من أن يستحقّ وصف (رواية).

لطفية الدليمي واحدة من الهايدرات المعرفية، والمتابع لأعمالها لايمكن أن تفوته ملاحظة هذا النهم الجارف لديها في تضمين كتاباتها الإبداعية تفاصيل علمية وتأريخية واقتصادية وأنثروبولوجية دقيقة، والإضافات التفصيلية هنا لا تأتي كمقبّلات فكرية تثري النص (أو الحكاية الإطارية بلغة السرد التقنية) بقدر ماهي تركيبات عضوية في الجسم الحكائي تشي بأن معرفة الكاتبة في هذه التفاصيل ليست مقتطفات سياحيةً بل ناشئة عن طول قدرة وتمرّس في هذه الحقول المعرفية. سيكون من الطبيعي هنا أن يتساءل المرء: من أين للكاتبة هذه المقدرة الدقيقة في سبر أغوار دفينة لا يصلها إلا غوّاصون ماهرون في الحفريات المعرفية؟ الجواب يكمن في ذخيرتها المعرفية الناجمة عن اجتهاد وقراءات طويلة معمّقة إستحالت في نهاية الأمر تأريخاً للكاتبة تشي به قائمة كتبها المنشورة – إبداعاً وترجمةً – والتي جاوزت الستين كتاباً ؛ فالكاتبة إعتادت في بضع السنوات الأخيرة على رفد الساحة الثقافية بكتابين أو ثلاثة على الأقل كل سنة، وفي حقول معرفية متنوّعة لكنها عظيمة الثراء في كل عناوينها ومتونها.

مشروع أومّا: الرواية تبدأ من عنوانها

يبدأ الفعل التأثيري لكلّ رواية من عنوانها ؛ ومن أجل ذلك وُصِفَ العنوان بأنه المثابة النصية الأولى في الرواية. (مشروع أومّا) عنوان إختارته الروائية بدقّة ؛ فهو يخلو من أيّ دفق درامي أو إطلالة على رؤية يوتوبية ميتافيزيقية كما اعتدنا الأمر في رواياتنا العربية. (مشروع أومّا) عنوان مصنوعٌ من خفّة وبساطة، محمّلٌ بمحمول إنساني ذي طبيعة إجرائية يتكثف في مفردة (مشروع). كلّ حياتنا البشرية هي في النهاية مشاريع بدأت بتخييل خلاق ثم انتهت مجسّدات حقيقية على الأرض. أما (أومّا)، تلك المفردة الرافدينية، فهي الجنبة التي تمنحُ المشروع البشري الدافعية التأريخية المحفّزة على الفعل المؤثر في الحاضر. الإنسان في نهاية الأمر لايعمل بطاقة الفراغ العقلي أو الروحي مهما كانت توجهاته مُعقلنة وتسعى للتعامل المباشر مع الواقع الحاضر، ولابدّ من مشكاة روحية تفعل فعلها فيه.

الصغير هو الجميل: الخلاص الجمعي هو حصيلة الخلاصات الفردية

عندما مضيتُ في قراءة (مشروع أومّا) تداعت في ذهني مفاعيل تلك الساعات اللذيذة التي قضيتها في قراءة الكتاب ذائع الصيت (الصغير هو الجميل: دراسة الإقتصاد باعتبار أنّ البشر كينونة مؤثرة**) المنشور عام 1973، والذي كتبه الإقتصادي الألماني ضارب الشهرة إرنست إف. شوماخر E. F. Schumacher، ومنذ ذلك الحين صارت الأفعال الصغيرة هي العنصر الحاسم في تشكيل سلوك الأنساق الكبيرة (على كلّ الأصعدة: العلم والتقنية والإقتصاد والسياسة). من الواضح أنّ هذه المقاربة الفلسفية تتخالف مع مقاربة السرديات الكبرى التي هي أقربُ إلى الرؤى اليوتوبية العاملة في نطاق التخييل البشري ولاتكاد تبارحه.

«… نحن لسنا عمياناً، نحن رجال ونساء ذوو أعين نبصر بها، وأفئدة نعقل بها، ولا يجب أن ننساق هنا وهناك وراء الأفعال العمياء للسرديات الكبيرة (السوق أو التأريخ أو التقدم «: هذا ماكتبه إرنست شوماخر في كتابه، وعندما وقف واحد من الحضور يوماً في إحدى الندوات ليسأله: ما هي النصيحة السياسية التي تنصحني بها انطلاقاً من رؤيتك الاقتصادية والاجتماعية، أجابه: أنا لاأستطيع أن أحدد للآخرين مايتوجّبُ عليهم فعله ؛ لكنني أقترح عليك « أن تزرع شجرة «.

تنتهج رواية (مشروع أومّا) النهج ذاته، وقد أشارت الروائية في أطروحة فكرية/ فلسفية ثرية على الغلاف الخلفي للرواية إلى هذه الحقيقة عندما كتبت:

«يبدو أنّ خلاصَنا البشري الموعود لاينتمي ليوتوبيا جمعية ولايبشّرُ بأيّ منها ؛ بل هو نتاج رؤية خلاصية يجتمع عليها أفرادٌ آمنوا بأنّ خلاص مجموعة بشرية ما هو مجموع « الخلاصات « الفردية لأفراد هذه المجموعة مستعينين بقدرات علمية وتقنية متاحة – بل حتى بدائية أحياناً – ذات تكاليف بسيطة ومستمدّة قدر الإمكان من البيئة المحلية . يؤمن هؤلاء أنّ الخلاص الفردي هو الطريق إلى إدامة الوجود البيولوجي وتنمية المقدرة العقلية وتحقيق التوازن النفسي في عالمٍ أصبح يتهاوى تحت ضربات استقطاب علمي وتقني عالمي شديد الضراوة من جهة، ومعضلات وجودية عالمية مهدّدة للنوع البشري من جهة أخرى (إحتباس حراري، ندرة مصادر المياه، معضلات الاستدامة البيئية،،،،) ؛ حيث لم تعُد المنظومات السياسية والهياكل المؤسساتية العتيقة قادرة على مواجهة هذه المعضلات البنيوية بفاعلية حقيقية يمكن أن ينتج عنها مفاعيل مؤثرة في أرض الواقع.

مشروع أومّا: الحكاية الإطارية

عندما تقرأ رواية للطفية الدليمي فالأفضل أن تمسك بقلم وورقة ثمّ تشرع من البداية في تثبيت قائمة بالأسماء الواردة في الرواية مع إشارات دليلية لكلّ شخصية في الرواية. هكذا هي روايات لطفية الدليمي (وبخاصة الثلاث الأخيرة كما ذكرت سابقاً): أنساق سلالية ومعرفية وتخييلية مشتبكة، وثمّة وشائج رابطة بينها.

تبدأ حكاية (مشروع أومّا) في بلدة الصافية (لاحظ النبرة الواقعية القصدية للصافية ؛ فهي مفردة يمكن أن تكون بديلاً مناسباً لبلدتك أو أية بلدة أخرى على هذه الأرض). الجدّة (فوزية الصافي)، المدرّسة المتقاعدة ومالكة لمعظم أراضي بلدة الصافية، وحفيدتاها (زهيرة وزهور)، بالإضافة إلى (إبراهيم)، هي الشخصيات المحورية في الرواية، هذا بموجب التوصيفات الروائية السائدة ؛ لكنّ حقيقة الأمر أنّ كلّ شخصية أخرى في الرواية لها الوزن التأثيري ذاته من حيث المساهمة في صناعة خلاص بلدة الصافية مستعينين بمشروع أومّا.

قدّمت لطفية الدليمي التوأم (زهيرة وزهور) في إطار رؤية تتناغم مع الموضوعة السايكولوجية الخاصة بِـ (الطبيعة في مقابل التنشئة Nature vs. Nurture). زهيرة (كما أغلب نساء لطفية الدليمي الأثيرات إلى قلبها) مثالُ المخلوق البري الذي يستعصي ترويضه بفعل المؤثرات المدينية، تقابلها أختها التوأم زهور، المتمركزة على ذاتها والتي فعلت فيها مفاعيل التنشئة العائلية لأسرة خالتها (ذات الأصول الوظيفية والمالية المتفوّقة) فعلها وجعلت منها الكائن الضدّي لتوأمها البرية.

سيكون مناسباً أن نقرأ عن الترسيمة الفكرية / السايكولوجية لزهيرة كما رسمتها أنامل لطفية الدليمي:

«…. أبحثُ يومياً في الكتب، أقرأ على الإنترنت عن حلول محلية، أتناقشُ مع عمّي الدكتور عادل لعلّه يعينني بخبرته، تدورُ في رأسي عشرات الأفكار لكنّي لستُ مؤهلة وحدي لمعالجة تلك المشكلات المعقدة كمعضلة الطاقة والجفاف…… أنجزنا شيئاً بسيطاً لحماية بيئة القرية، وثقّفنا السكّان بضرورة التوقّف – قدر الإمكان – عن استخدام البلاستك وأكياس النايلون ؛ فقد حصلت حوادث مقصودة أو عفوية بسبب نفايات البلاستك أدّت إلى هلاك أسماك مزرعة بكاملها وأسماك النهر……. «.

تتفرّع من هذه الثيمة الإطارية حكايات فرعية متشابكة معها: أفردت الروائية لكلّ شخصية في الرواية (بروفايلاً) كاملاً عنها حتى باتت الرواية صورة بشرية بانورامية لجماعة من الأشخاص الذين تلاقت تطلعاتهم الشخصية على هدف خلاصي مشترك هو (مشروع أومّا).

مآلُ مشروع أومّا:أن تفعل هو الأساس

هل نجح مشروع أومّا في تحقيق رؤيته المتطلّعة؟ ليس هذا بالأمر المهم. المهمّ أن تفعل ولاتُبقي رغباتك المشروعة في الفعل والتغيير حبيسة في عقلك وضميرك، أو قابعة في سجون الإنتظار المميت لخلاص يوتوبي موعود.

تشيرُ الروائية إلى هذه الحقيقة التي تميّز مشروع أوما عن المشروعات التأريخية السابقة له ؛ فنراها تكتبُ في الرواية بما يشيرُ إلى معرفة دقيقة بهذه التفصيلة التأريخية:

«… عاش ثورو (الفيلسوف الأمريكي) تجربة مبتورة بلا اضطرار يدفعه للإبتكار، ولم ينجز تغييراً جذرياً في حياته، كان يمجّدُ الطبيعة – كأيّ رومانسي – إنما بمشروع شخصي جداً منعزل تماماً عن مشاركة الآخرين وفي عزوف تام عن المجتمع ؛ بينما اجتهد روبنسون كروزو وحي بن يقظان ليديما حياتيهما بتطوير وسائلهما لضمان البقاء…… «

مشروع أومّا: أية رواية هذه؟

يحارُ المرء في تجنيس هذه الرواية للطفية الدليمي، وأرى أنّ هذه الحيرة التجنيسية يمكن تفكيك مغاليقها إذا ماعرفنا الخلفيات المعرفية الواسعة التي تنطلق منها لطفية الدليمي بفعل شغفها المعرفي ؛ فقد تسرّبت تلك الذخيرة المعرفية التي تعمل عليها الروائية في حقول الفيزياء والفلسفة والسايكولوجيا والأدب إلى خلاياها الإبداعية، واستطاعت مجساتها الروائية توظيفها بطريقة مؤثرة في أعمالها الروائية.

رواية (مشروع أومّا) أقرب إلى نسق دينامي معقّد متّسم بتنوّع روابطه المشتبكة ؛ لكن برغم هذا سأشيرُ إلى معالم روائية تجنيسية محدّدة:

أولاً: رواية بيئية

صارت البيئة ومفرداتها معلماً أساسياً في الأدب المعاصر والنقد الثقافي، وصارت مفردة الأدب البيئيEnvironmental Literature مصطلحاً ناجزاً في الأدبيات السائدة ؛ بل تعدّى الأمر البيئة كنسق كلي إلى حدّ التعامل مع عناصرها الجزئية (الاشجار مثلاً). أعتقدُ أنّ رواية لطفية الدليمي تمثلُ شاخصاً ريادياً في هذا الجنس الروائي.

ثانياً: رواية معرفية

نشهدُ في هذه الرواية – كعادة لطفية الدليمي – حشداً من المعارف البشرية في شكل توليفة نسقية مشتبكة، وأحسبُ أنّ روايات الكاتبة تمثيل صادق لعبارة أنّ الرواية المعاصرة صارت حاضنة معرفية لأي شيء وكلّ شيء. مائدة لطفية الدليمي الروائية عليها أصناف من كلّ نوع: فيزياء وفلسفة وسايكولوجيا ومستقبليات وبيولوجيا ؛ بل وحتى رياضيات أحياناً .

ثالثاً: رواية خلاصية

حذار ! الخلاص هنا ليس خلاصاً يوتوبياً نراه في أفق بعيد ؛ بل هو خلاص حقيقي نعيشه على الأرض. لسنا في حاجة لمنقذين متخيّلين. أنت من تنقذ نفسك، وتنقذ الآخرين ممّن يشاركونك رؤيتك.

* كاتب ومهندس من العراق

** عنوان الكتاب باللغة الانكليزية هو:

Small is Beautiful: A Study of Economics as if People Mattered

* عن المدى

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *