الرئيسية / إضاءات / الرواية في مواجهة العنف

الرواية في مواجهة العنف




لنا عبد الرحمن

عيون تلمع حدقاتها في الليل مثل نصل سكين حاد تسبب الرعب للأطفال؛ رجال ملتحون ينامون قرب بنادقهم، مستعدون للقتل والموت بكل أشكاله العنيفة بحجة الشهادة، نساء ملثمات ببرقع أسود، ينظرن للعالم من خلف ضباب كثيف؛ أطفال صغار تتشابه أحلامهم مع كل أطفال العالم، لكن طفولتهم منتهكة وهم يكبرون على تقديس التعصب.

هذه الصور، هي ملمح طفيف من الوجوه المتعبة أو المختنقة، أو الأموات الأحياء، في روايات كثيرة تناولت العنف، وتعمقت في تقديم شخصية الإرهابي وكيف مضى في طريقه هذا، فيما عرضت بعض الروايات لما يفعله الإرهاب في المجتمع، وأي دمار ينتج عنه.

* * *

يشكّل النتاج الروائي العربي بغزارته وتنوّعه، وبالوتيرة المتصاعدة التي عرفها منذ قرابة خمسين عاماً، رافداً إبداعياً مهماً؛ فالرواية هي فن العصر الحديث أو بعبارة أخرى شائعة نعيش “زمن الرواية”، فالرواية تمكّنت من بناء تواجدها الأدبي متجاوزة الفنون النثرية الأخرى، من خلال تقديم انعكاس التفاعل الفني والمعرفي، والحدثي، والثقافي والاجتماعي الذي برعت في تسجيله عبر صفحاتها.
وإذا كان الإرهاب كحدث سياسي بدأ مع مطلع السبعينيات، فإن حضوره في الأدب تكرر منذ مطلع الثمانينات، ولعله أصبح موضوعاً بارزاً في العديد من الروايات في أعقاب عام 2001 بعد حادثة 11 سبتمبر.
تكشف الروايات التي سيتم تناولها في هذه القراءة، أن النسخة الحالية التي تتراءى من مشاهد الإرهاب، هي النسخة الأكثر نزقاً وتطرفاً في منظور الصراع، لأنها مصنعة على غير قياس، وليست وليدة صدفة أو نتاج ظروف فقر وجهل فقط، بل الجهل والفقر وكل موبقات المجتمعات، ما هي إلا المادة الخام التي استحضرت ليعد منها استحلاب هذا المزيج مر المذاق لما يسمى بالإرهاب. 
* * *
يرصد فتحي غانم في رواية “الأفيال” بداية ظهور الحركات الإرهابية التي يقوم بنائها الفكري على رفض المجتمع وتكفيره، فمن خلال شخصية حسن وعلاقته بالجماعات الدينية، قدّم غانم نموذجاً للوسائل التي مكّنت من سريان الفكر الإرهابي وانتشاره؛ وكيف يتغلغل في أفكار الشبان ويؤثر عليها.
وتُعتبر هذه الرواية من الأعمال الأولى التي تنبأت بموجة الإرهاب في السبعينيات التي انتهت باغتيال السادات، وكيف سيصير الإرهاب أداة تُستخدم ضد المجتمع. 
تناول فتحي غانم أيضاً شخصية الإرهابي في روايته “تلك الأيام” عبر شخصية عمر النجار، كاشفاً كيف أن هذه الشخصية العنيفة والدموية هي النتاج الطبيعي للعنف، والفقر، والجهل والقمع السياسي والديني؛ ووصف الناقد جابر عصفور رواية غانم بقوله: لم يتناول روائي عن أساليب الجماعات الإسلامية لاستقطاب الشباب وتحويلهم من كائن بسيط إلى متطرف ديني، يسمع فيطيع ويؤمر بالقتل فيقتل مثلما فعل فتحى غانم.
أما الكاتب محمد المنسي قنديل فيعود إلى جذور الإرهاب خارج العالم العربي في روايته “قمر على سمرقند”؛ متجهاً نحو ما كان يحدث في “كازاخستان” مع شخصية الشيخ لطف الله، والصراع الذي نشأ في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي، والكشف عن مدى العطش الديني عند الدول التي حكمتها روسيا، محكمة قبضتها الشيوعية عليها، وهذا ما سيظهر مع “لطف الله”، الذي يختار الموت على الاستسلام للنظام الحاكم بعد سقوط الشيوعية، ويطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويقوم هو وبعض رجال الدين من الشباب المتعصبين بالاستيلاء على بعض مقار الحزب الشيوعي التي خلت بعد رحيل السوفيت؛ يعتصمون بها، ويعلنون مطالبهم بإنشاء دولة تقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية، بل واختاروا لها اسماً أيضاً “إسلامستان”.
وفي موازاة شخصية “لطف الله” هناك “نور الله”، وهو من الشخصيات المحورية في الرواية، رجل الدين المتشدد والمنفلت في آن واحد، الذي تلقى علومه الدينية في الأزهر، تنسال حكايات نور الله، المتداخلة أيضاً مع تاريخ مصر، ويصف لقاءه مع عبد الناصر مطالباً إياه بالإفراج عن سيد قطب قائلاً له:”إنه شيخ كبير”، فيرد عليه الرئيس بأنه غير مسموح له بالتدخل في شأن داخلي.
في هذا المزيج السردي المنفصل مكانياً، من “كازاخستان” إلى مصر، يمكن للقارئ تتبُّع الخيوط الدقيقة التي نسجت الصراع الديني، في مجال خصب من النزاع السياسي الذي كان قائماً في ذاك الحين تحت اسم “الحرب الباردة”؛ التي ستؤدي بدورها في زمن آخر إلى اشتعال حرب الإرهاب.
الموت في بغداد
لم تغب الحرب بوجهها المشوه، والإرهاب بكل عنفه ودمويته عن الرواية العراقية، ولعل التساؤل يكمن حول ضياع “الحب”، كمعنى إنساني نبيل ينقذ الفرد من لعنة الخراب المزدوج، لكن الحب بكل أبعاده يتلاشى على أرض مشتعلة، ولا يبقى منه إلا إطار صورة ضعيف. تقع “زينة” بطلة رواية الحفيدة الأميركية للكاتبة العراقية إنعام كجه جي- في حب “مهيمن” وهو شاب من جيش المهدي، هي القادمة من أميركا –كمجندة- في الجيش الأميركي لتعمل مترجمة تمضي في خطوات متعثرة وراء حب غامض لرجل يتبنى الجهاد رسالة لحياته، لكنه يرفض “زينة” لأنه يعتبرها شقيقته بالإرضاع، بينما هي تمضي في مغازلته، تعود زينة إلى أمريكا وحيدة و”مهيمن” حبيبها العراقي يظل يقاتل في مدينة الصدر، من دون أن تتمكن قوة الحب من التأثير عليه ليترك القتال.
في مقابل هذا يمكن اعتبار رواية “فرانكشتاين في بغداد” للكاتب أحمد السعداوي الحائز على جائزة البوكر لهذا العام، من الروايات التي جسدت ظاهرة العنف الدموي في أبرز أشكاله، فالكاتب يبدأ الفصل الأول من روايته بحدوث انفجار قائلاً: ” حدث الانفجار بعد دقيقتين من مغادرة باص الكيا الذي ركبت فيه العجوز إيليشوا أم دانيال”، يقدّم السعداوي في روايته تشريحاً اجتماعياً ونفسياً لدلالات العنف، ونتائجه من خلال عدة أبطال، تختلف ردود أفعالهم على وقائع الدمار، وتتقاطع في نتيجة واحدة “التشوه”؛ يتشكّل بطل الرواية المجهول الاسم والهوية الملقب “باشسمه” و “فرانكشتاين” و “المجرم أكس” من بقايا أعضاء بشرية قام “هادي العتاك” بجمعها على شكل جسد بشري، ولحكمة القدر تدب فيه الروح، انطلاقاً من هذه الفكرة الفانتازية عما تفعله الحرب، ويؤدي إليه العنف ينسج النص أحداثه وأفكاره. يشق السعداوي مسار حياة بطله المتخيل “الشسمه”، وبطله الواقعي هادي العتاك، موحداً وفاصلاً بينهما في آن واحد لنقرأ: 
” جاءت سيارات الإسعاف وحملت الجرحى والقتلى، ثم جاءت سيارات الإطفاء وأطفأت الحرائق في السيارات ثم سحبتها سيارات قطر المركبات نوع دوج إلى مكان غير معلوم، واستمرت خراطيم مياه الإطفائية في غسل المكان من الدماء والرماد، ظل هادي يراقب المشهد بتركيز شديد، كان يبحث عن شيء ما وسط مهرجان الخراب والدمار هذا، وبعد أن تأكد من مشاهدته، رمى سيجارته على الأرض وانطلق مسرعاً ليلتقطه من الأرض قبل أن تدفعه المياه القوية لخراطيم الإطفاء إلى فتحة المنهول في الرصيف، رفعه ولفه بكيس الجنفاص وطواه تحت إبطه وغادر مسرعاً”.
أساطير رجل الثلاثاء
يكشف صبحي موسى النقاب عن تجربة الإسلام السياسي في روايته “أساطير رجل الثلاثاء” ، عبر أشهر القادة الجهاديين من خلال التعرض لشخصيات مثل أسامه بن لادن، وأيمن الظواهري. يمضي مسار التطرف الأصولي –في الرواية- الذي بدأ مع سنوات السبعينيات، وظل متصاعداً في سرد شيق؛ فيبدأ مع خريف 1977 والحرب مع الروس خلال الحقبة الشيوعية، وتدور الأحداث في عدة أماكن ومدن من صنعاء إلى لندن، وصحراء السعودية، وأفغانستان. 
يصوغ موسى في روايته تجربة بن لادن منذ البداية وحتى النهاية، متوقفاً عند المحطات المهمة في حياته؛ إلى جانب تقديمه للشخصيات المؤثرة التي عاشت معه وشاركته تجربته، مثل أبو سعيد الذي يعتبر النواة المؤسسة لتنظيم الإخوان على مستوى العالم العربي والخارج، وهناك أيضاً الظواهري وانتماؤه لتنظيم الجهاد، تتضافر كل الشخصيات لتدعم التطرف، مع التوضيح أن المنشأ الفكري للإرهاب يعود لتنظيم الإخوان، تغوص الرواية أيضاً في بعض الحوادث التاريخية التي لا يأتي ذكرها جذافاً، ورغم اعتماد الكاتب على تفاصيل ووقائع تاريخية إلى أنه عبر لغته السلسة، تمكّن من نسج الجانب التخيلي الفني مع الجزء الواقعي في إيقاع منسجم مع السرد، الذي ابتعد عن الجفاف الذي يفرضه موضوع الرواية.

فراشات محترقة
تُعتبر الجزائر من البلدان التي اكتوت بنيران الإرهاب، لذا كان من الطبيعي حضور الإرهاب في الإبداع الروائي الجزائري، كما نجد في رواية ” الزلزال” لطاهر وطار التي نُشرت للمرة الأولى في بيروت عام 1974، واعتبرها النقاد من الروايات التي تنبأت بتصاعد الأعمال الإرهابية التي تتخذ من الدين ذريعة لارتكاب أفعالها. 
قدمت أيضا روايات جزائرية أخرى رؤيتها لظاهرة العنف المتصاعد كما نجد عند واسيني الأعرج، وأحلام مستغانمي وفضيلة الفاروق.
يبدأ واسيني الأعرج روايته مملكة الفراشة بإهداء يشير فيه إلى الحرب يقول فيه: الحرب ليست فقط هي ما يحرق حاضرنا؛ ولكن أيضاً ما يستمر فينا من رماد حتى بعد خُمود حرائق الموت، لكل فراشة احترقت أجنحتها الهشة، وهي تحاول أن تحفظ ألوانها، وتبحث عن النور في ظل ظلمة كل يوم تتسع قليلاً.”
في هذه الرواية، وعبر أسرة جزائرية هي عائلة “سي الزبير” يتتبع الكاتب مصير أفرادها، يكشف ما فعل الإرهاب في حياة كل منهم، فالأم فريجة أو فيرجي مُصابة بمرض نفسي تعيش حية جسدياً، لكنها منفصمة عن الواقع نحو واقع آخر اختارت الفرار إليه في خيالاتها، والبطلة الساردة “ياما” التي تمتلك صيدلية وتعمل بها، تعيش حياة متخيلة عبر الفيسبوك، قصة حب عظيمة تكتشف أنها وهم كبير، الأخت التوأم لياما تختار الهجرة إلى كندا والانفصال تماماً عن الجزائر، أما الأخ فيكون مصيره الإدمان بعد الفشل في تحقيق أحلامه، وينتهي إلى الموت بطريقة مجهولة، تتقاطع هذه المصائر في عائلة واحدة، مع الوطن الممزق نتيجة الإرهاب، لذا تشكّل هذه العائلة نموذجاً مكرراً لبلد صعقه التطرف في أعماقه وفتت جذوره، وفي مقابل هذا كله يحضر الفن في الرواية كعامل أساسي للمقاومة؛ ففي داخل غرفة ياما وفي حواراتها مع والدتها يحضر الشعر، والموسيقى، وإن كان ثمة التباس أو تشويش بسبب ارتباط الفن بالمرض النفسي في أكثر من موضع؛ غير أن الحالة الفنية والبحث عن الفنون سواء بالرسم أو العزف، أو تلقي الموسيقى عموماً شكل حالة من طوق النجاة، والأمل بالفرح في مواجهة كم من العنف والدمار والوحشية، من هنا حققت الرواية نوعاً من الموازاة في تقديم الحرب، وما فعله الإرهاب بالجزائر مع تقديم وجوه متعددة للفن، وما يتركه من أثر في الحياة والروح. 
نجد انعكاساً للفكرة عينها، حيث الفن يقاوم القتل، مع بطلة رواية “الأسود يليق بك” لأحلام مستغانمي، تستمد هالة شجاعتها من الموسيقى؛ وتتحدى الأرهاب بالفن أيضاً، بطلة الرواية هي فنانة جزائرية من الأوراس، قُتل والدها وأخيها على يد الإرهابيين،كما تلقت هي تهديدات لأنها مغنية، لذا قررت مغادرة الجزائر مع والدتها السوريّة إلى الشام، لكنها ظلت ترتدي الأسود ولا ترضى بتبديله، ولعل هذا السواد الذي يحضر كعنوان للرواية، هو ما يلفت انتباه البطل اللبناني وهو رجل أعمال ثري تخوض معه البطلة مغامرة عاطفية ساذجة؛ لكن بعيداً عن القصة العاطفية في “الأسود يليق بك” يحضر الإرهاب بقوة في حياة البطلة، ومصيرها الذي يتبدل تماماً بعد موت أبيها وأخيها، تكشف الرواية عن سنوات الإرهاب العشر في الجزائر، وما فعله المتطرفون في حياة الناس العاديين لنقرأ: 
“في نوبة من نوبات العفة، تم إلقاء القبض ذات مرة في العاصمة على أربعين شاباً وصبية معظمهم من الجامعيين، وأودعوا السجن فيما كان الإرهابيون يغادرونه بالمئات مستفيدين من قانون العفو! كان زمناً من الأسلم فيه أن تكون قاتلاً على أن تكون عاشقاً”.
حاولت مستغانمي في هذه الرواية أن تمجّد الحب والفن، رغم تقديمها لأكثر من مشهد من آلام الواقع العربي، سواء في معاناة وطنها الجزائر، أو فيما مر به العراق من أحداث مفجعة، وتتوقف تحديداً عند مآسي سجن أبو غريب، لكنها تختتم روايتها منتصرة للحب والحلم قائلة: 
أيتها الحياة؛ دعي كمنجاتك تطيل عزفها.. وهاتي يدك؛ لمثل هذا الحزن الباذخ بهجة.. راقصيني” 
تاء الخجل
تواجه الكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في روايتها “تاء الخجل” مأساة أكثر عمقاً وتشعباً، فهي من خلال شخصية خالدة التي تعد تحقيقاً صحفياً، تتناول قضية النساء اللواتي تعرضن للإرهاب عن طريق خطفهن من “جيش الإنقاذ” واغتصابهن، وحملن سفاحاً؛ تكشف أن خمسة آلاف امرأة بين سن الثالثة عشر والأربعين تعرضن للاغتصاب والتعذيب، وعبر شخصية يمينة التي تروي تجربتها تميط فضيلة الفاروق اللثام عما يحدث حين تقول يمينة: 
هل تعرفين ماذا يفعلون بنا؟ إنهم يأتون كل مساء ويُرغموننا على مُمارسة العيب وحين نلد يقتلون المواليد، نحنُ نصرُخُ ونبكي ونتألم نستنجد، نتوسّل، نقبّل أرجُلهم ألا يفعلوا ذلك لكنهم لا يُبالون، كنا نطبخ ونغسل، وفي الليل يفعلون معنا العيب، ومن ترفض يقتلها الأمير، أمير الجهاد بالطبع”.
تعري الكاتبة المجتمع، كاشفة عن تخاذل الدولة في مساندة النساء المغتصبات؛ وفي أن محنة الإرهاب آذت المرأة إلى حد لا يحتمل، في الوقت الذي لا يتم الاعتراف بحجم هذا الإيذاء.
مُغلق للصلاة
يبدأ الكاتب السوري مصطفى سعيد روايته القصيرة “مغلق للصلاة” بحديثه عن انفجار هائل يقع في المدينة من دون تحديد لاسم هذه المدينة؛ ومن الصفحات الأولى يتسلل الحضور الديني القوي عبر بطلة الرواية التي تظل شبه مجهولة، وبملامح غائمة، لكن حضورها السردي يتوازى في نهاية النص مع الإرهاب الذي تقوم به وتنفذه كأمر واقع، وفي هذا النص على خلاف الرويات الأخرى يأتي الإرهاب من المرأة. 
البطل في الرواية هو فنان مشهور يُدعى “معن راجي” يتلقى اتصالاً من امرأة لا يعرفها، بينما استطاعت هي أن تعرف عنه كل شيء، وتزعم أنه المنقذ الوحيد لحياتها، وتتوالى الأحداث بشكل متلاحق حتى لحظة الوصول إلى النهاية، عندما تقوم تلك المرأة بتفجير نفسها في دار الأوبرا في حفل موسيقي كبير للفنان الذي أدعت أنه منقذها، وتمكّنت من التسلل بما تحمله من متفجرات إلى دار الأوبرا بسبب تواجدها في سيارته، لنقرأ :” تفيد الأنباء الأولية وما صرّحت به وزارة الداخلية أن التفجير حصل نتيجة عملية انتحارية، حتى الآن يكتنف التحقيق الغموض، كيف تمكّن انتحاري من التسلل إلى مكان يغص برجال الأمن…وترجح الاحتمالات أن العملية الانتحارية قامت بها امرأة مجهولة الهوية لبست حزاماً ناسفاً”
* * *
يتضح من خلال الأعمال الروائية التي تم تناولها، وغيرها مما لا تتسع هنا المساحة للحديث عنه، إن ظاهرة الإرهاب شغلت الروائيين العرب، فأفردوا لها حضوراً في أعمالهم الإبداعية، حيث تعمق بعض الكتاب في الظاهرة متسللين لجذورها الأولى، فيما توقف البعض أمام نتائجها الاجتماعية والنفسية وأثر ذلك على المجتمع العربي ككل، وانعكاسه على الأجيال القادمة، وعلى علاقة الفرد العربي بوطنه، ومدى تشبثه بهويته في مواجهة عالم غربي صار يرى في صورة العربي المسلم ما يوحي بالريبة، انطلاقاً من هذا المنظور تبدو علاقة الرواية بالعنف وتقديمها لصور الإرهاب المتنوّعة من أكثر الفنون الكتابية مقدرة على إيصال وجهة النظر المستبصرة لخطر الإرهاب، وشروره، ليس في العالم العربي فقط، بل على المستوى الإنساني ككل. 
لكن في مقابل هذا ظلت الروايات العربية في تناولها لظاهرة الإرهاب تكاد تنتهي جميعها عند نقطة واحدة تتقاطع مع غياب الأفق التنويري الذي يؤدي لتحجيم عوامل نشوء العنف، فالروايات تُجمع على النهايات المهزومة، في مواجهة الإرهاب، حيث ينكسر الأبطال الذين يمتلكون الوعي، وينهزمون في طرق شتى إما بالموت، إما بالسفر أو بالمرض النفسي، أو بالانفصام عن المجتمع؛ بالإضافة إلى أن الروايات في معالجتها لشخصية الإرهابي من حيث مصيره، وعلاقته بالشخصيات المحيطة به، وأثره عليها، ظلت مفتوحة على النهايات الضبابية التي تؤكد على عمق الفاجعة مع القصور عن رؤية أي أفق تفاؤلي جديد، بحيث تحاكي الروايات الواقع إلى حد كبير، وتمضي بالتوازي معه، لتكشف، وتحلل، وتستعرض، وتناقش ما حدث ويحدث،ضمن الحفاظ على مسافة حاضنة للتساؤلات التي يقاربها الفن، من دون أن يمتلك إجابات بشأنها.

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *