الرئيسية / خبر رئيسي / معجم «مفاتيح التراث» للدكتور محمد عبيد الله.. مشروع معرفي ضخم

معجم «مفاتيح التراث» للدكتور محمد عبيد الله.. مشروع معرفي ضخم

 مجدي دعيبس

 

عندما شرعتُ بقراءة المقدمة التي وضّح فيها الدكتور محمد عبيد الله منهجه وأدواته في وضع معجم«مفاتيح التراث»، أدركت أن هذا الجهد ما كان ليرى النور لولا تزاوج ثلاثة عناصر هي: الاختصاص والشغف والصبر، ولو انتقص أحدها لظهر عملًا متهافتًا غير مكتمل البنيان. الاختصاص الأكاديمي (ما قبل الإسلام) الذي بذل فيه المؤلف سنوات بل عقودًا من البحث والتدريس والدرس. والشغف الذي دفعه للاستمرار عامًا بعد عام. والصبر الذي منحه القدرة على التّأمّل لتقليب الوجوه وجهًا وجهًا حتى يقع على الوجه الأنسب.

المشروع المعجمي «مفاتيح التراث» الذي صدر الكتاب الأول منه وهو معجم الأديان والمعتقدات والمعارف قبل الإسلام، سيكون متبوعًا بأربعة كتب وهي: معجم مصطلحات اللغة والكتابة والأدب ومعجم المجتمع والثقافة الشعبية ومعجم الحضارة الماديّة ومعجم الفنون والألعاب والإزياء.مشروع ضخم من حيث الحجم والمحتوى، وعلى الأغلب ستتعدّى صفحاته ألفي صفحة من القطع الكبير.

تتبّعَ واضع المعجم أصل الكلمة وليس جذرها، وهل هي داخلة على العربية أم أصيلة، وإن كانت داخلة فمن أي لغة وفدت. وقد ضَبَطَ المؤلّف الكلمة لبيان طريقة نطقها، ولاحَقَ التّطوّر الزمني للمعنى واللفظ من خلال الشواهد الشعرية والنثرية؛ فكل مبحث من المباحث الـ (257) عبارة عن سيرة ذاتيّة لحياة الكلمة المفتاحيّة مدار البحث؛ تشير إلى المراحل التي مرّتْ بها والسياق الثقافي والمعرفي والحضاري الذي واكب المرحلة المشار إليها،ولم يخلُ الأمر من تحليل ومقابلة وتمحيص ودحض رأيٍّ وقبول آخر، أو ترجيح رأيّ على آخر بعد عرض الأراء التي وردت في المراجع والنظر إليها بعين ذلك العصر وأدواته. أمّا اللغة فجاءت اقتصادية تؤدي المعنى دون زخارف لا لزوم لها، كما ابتعد المؤلف عن المفردات الصعبة والمصادر المتنحيّة والجموع قليلة الاستخدام حتى لا ينقطع اتصال القارئ بالنّصّ. تفاسير المعاجم الأخرى في بعض الكلمات جاءت كما هي في مصدرها فظهرت في اللغة الصنعة المعجمية المعروفة. ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ غاية المعجم هي توضيح الدّلالة الاصطلاحيّة وليس الدّلالة اللغوية التي استخدمها على الأغلب لخدمة المصطلح وليس المعنى المباشر للكلمة، وقد أفاد المؤلف من قواعد علم الدّلالة ضمن نسق بحثي موحد وضوابط منطقيّة للوصول إلى التّخمين الأقرب إلى الصحيح.

وليس أدلّ على الجهد المبذول أكثر من عدد المراجع؛ فقد بلغت (336) مصدرًا ومرجعًا استأنس بها المؤلف وبحث في خباياها، وهي من الكتب التّراثية العنيدة التي لا تقدم معلومة مجّانيّة، بل تحتاج للكثير من النظر والتّأمل والتّبصّر. هذا مُصَنَّف لا يفيد منه الأكاديميّون والدّارسون والباحثون فحسب، بل يتعدّاهم إلى فئات أخرى ُمثل كتّاب الدراما التي تعود لذلك العصر أو أي نوع آخر من كتّاب الجنس الإبداعي.

ما لفتني في هذا المعجم هو الاعتناءبالحمولة الثقافية والمعرفية عند العرب قبل الإسلام من خلال (257) كلمة مفتاحية رُتّبتْ هجائيًّا لتكشف أسماء أديان العرب وأنصابهم وأوثانهم والوظائف الدينية والخرافات والممارسات والكهانة والعرافة والنجوم وعلاج الأمراض بواسطة الكهنة والعرّافين لردّ الجن وغضب الآلهة التي سبّبت المرض كما اعتقدوا. وقد أضاء السياق الثقافي جوانب كثيرة معتمة في تلك الفترةمما دفعني للتصور بأنّه مع صدور الأجزاء المتبقيّة من المشروع ستصبح حياة العرب قبل الإسلام مكشوفة لنا من تقاليد الحرب والأسواق والنقود والمكاييل والأطعمة والأـشربة والزراعة والأدوات والزخرفة والعمارة والموسيقى والغناء والألعاب والحلي والزينة والعطور والصيد واللهجات والزواج والقرابة وغيرها من الأمور المتّصلة بموضوع البحث. ومن هنا جاءت تسمية المعجم (مفاتيح التراث) لتعبّر عن غايته ومكنونه. وقد وجدتُ في المعجم طرافة المعلومة وغرابتها أحيانًا، وليس هذا بمستغرب فالإطار الزمني والحضاري بعيد ومختلف.

ولعل الحديث عن بعض ما ورد على سبيل التّمثيل ينقلنا برفق إلى عوالم المعجم وفضاءاته. شدّني حضور الغيبيّات ودرء العين وما يتّصل بالجنِّ في ثقافة العرب في ذلك الزمان، فعمدتُ إلى تجميع بعضها لكشف البعد المعرفي الذي عُني به المعجم. ظهرت الكلمة المفتاحية (التّفقِئة والتَّعْمِية) في باب التّاء وهي ممارسة قديمة من ممارسات العرب، يقصدون إليها لمنع الإصابة بالعين، وذلك إذا بلغت إبل الرجل منهم ألفًا، فيعمد إلى فقء عين بعير منها، ثم يُورد المعجم الحوادث الدّالّة والشّواهد الشعريّة مع إثبات المراجع في الحواشي. ومثل هذه الكلمة، كلمات كثيرة كالتّنْجيس وهي تعليق الأقذار على الشخص لدفع الضّرّ والأرواح الشريرة، والتّنْفير وهي وسيلة من وسائل طرد الجن وردّ أذى العين ومن هذا أنّ امرأة سمّت ابنها قنفذًا لتنفّر الجن عنه فعاش. ومن وسائل التنفير أيضًا حيض السمرة وذبائح الجن. ومن الأمور ذات الصلة ضرب الثور، وكانوا يعتقدون بأن الجن تركب الثيران، فتمتنع البقر عن الشرب، يضربون الثور حتى يَرِدَ فترد من بعده البقر. وهناك كلمات كثيرة تدخل في هذا الباب مثل عزيف الجن والعوذ بعظيم الوادي وقتيل العين وكعب الأرنب ومراكب الجن وغيرها.

ما هي الكائنات الخارقة التي ظهرت في أساطير العرب؟ وما هي عادات التّطّير والزجر وطلب النكاح واستشراف الغيب والاعتقاد بالبعث بعد الموت والسحر والكهانة وغيرها من المواضيع التي تكشف وجهًا من وجوه تلك الحياة؟ من خلال الكلمات المفتاحية التي أُشير إليها سابقًا تنهال المعلومات لتبني عالمًا بخصوصية ثقافية فريدة.

برأيي أن مثل هذا العمل يجب أن تتصدّى له مؤسسات ثقافية تمتلك المصادر الكافية والكوادر المؤهلة من حيث الاختصاص والخبرة لتصبح قادرة على إدارة دفّة المشهد الثقافي والبحثي والمعجمي وتعريب المصطلحات الجديدة وتطوير اللغة والمفرادات، التأليف المعجمي هو صناعة يندرج تحتها مراحل كثيرة مثل خطوط الإنتاج في الصناعة بمعناها المعروف التي تبني المُنتج من المادة الخام لينتهي على ما هو عليه بين يديّ المستهلك، لكن في ظل غياب هذه الرؤية الاستراتيجية لا يتبقّى سوى الأفكار التي تنبثق من باحثين يحرّكهم حب العربية والرغبة بإنجاز مصنَّف وازن على مستوى الوطن العربي يؤكد على عمق تجربتنا وتمكّن باحثينا وخاصة عند استكمال صدور المعجم بأجزائه الخمسة، وهو ثمرة عقد من الزمن بحثًا وتصنيفًا وحذفًا وإضافة، وقبل هذا وذاك الرؤية الديناميكيّة التي قادتْ إلى هذا التّوجه الحميد.

مع أنّنا نعيش في زمن الشاشات الذكيّة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تصل إلى جهات الأرض الأربع، إلّا أننا لم نزل غير قادرين على صناعة النجم. قد يرى البعض في هذا شيئًا من التّجنّي وجلد الذات ولكن للأسف هذا ما أراه، وإن كان هناك حالات فهي فردية ومحدودة جدًا وبجهود ومصادر ذاتيّة. ربما هو الإعلام وربما المؤسسات الثقافية وربما هو قدرنا أن نكون جمهورًا للنجوم وليس أكثر من هذا. ولا أتحدث هنا بالتحديد عن واضع المعجم مدار الحديث بل عن حالة عامة لها شواهدها في السرد والشعر والنقد والفنون وغيرها من ميادين الإبداع والبحث.

يُذكر أن المعجم صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر لعام 2021 ويقع في 503 صفحة من القطع الكبير وبدعم من عمادة البحث العلمي في جامعة فيلادلفيا. يظهر على لوحة الغلاف تمثال اللات في البتراء. الدكتور محمد عبيدالله أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة فيلادلفيا له مؤلفات نقدية عديدة في القصة القصيرة والرواية، ابتدأ كشاعر ثم انحاز إلى النقد والبحث وحصل على جائزة كتارا للرواية العربية/ حقل الدراسات النقديّة وجائزة إدوارد سعيد للفكر التنويري العربي ونقد الاستشراق.

شاهد أيضاً

“الطريق إلى القدس” رواية يان غيو من ترجمة مدني قصري

(ثقافات) بعد أن ترجمت إلى لغات عديدة، صدرت رواية الكاتب يان غيو “الطريق إلى القدس” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *