الرئيسية / إضاءات / الأرض اليباب وظلالها: تعدديَّة الترجمة في الثقافة العربيَّة

الأرض اليباب وظلالها: تعدديَّة الترجمة في الثقافة العربيَّة

  • محمود فراج النابي

قديمًا قطع الجاحظ – وتبعه لاحقًا في ذلك اللّساني رومان جاكبسون، وبول ريكور، والأخير اعتبر مصاعب الترجمة رِهانًا يَسْهُلُ الكلام عليه، وتَصْعُبُ ممارسته، بل وتستحيل في بعض الأحيان – برأي جازم حول مسألة ترجمة الشّعر، ورأى أن الشعر صعْبٌ ترجمته وبعبارته “الشعر لا يُستطاع أن يُترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطّع نظمه، وبَطُل وزنه، وذهب حُسنه”.

لم يكن موقف الجاحظ سلبيًّا بخصوص الشعر، وحده، فقد ارتأى – بصفة عامة – أن “الترجمة مستحيلة، وأن ما يتمّ إنجازه منها ناقص لا محالة”، وهو ما يتطابق مع أقرته النظرية الحديثة للترجمة بما أسمته الوقوع في شَرَك “وهم ترجمة كلية تقدّم نسخة تامة من الأصل” بسبب أن الحقول الدلاليّة والتركيبيّة للغتيْن ليست متماثلة”.

الوسيط اللّغوي

وهو الأمر الذي أخذه على عاتقه جيرار جينيت ووصف مهمّة المـُتَرْجِم بأنها فِعلٌ ضَارٌّ، فحسب قوله – في كتاب طوروس –  “من الأَحْكم للمترجم، دون شك، أن يتقبّل كونه لا يقوم سوى بفعل ضارّ، وأن يحاول، مع ذلك، القيام به على أحسن وجه ممكن، مما يعني غالبا القيام بشيء آخر”، فصعوبة الترجمة تكمن عنده في أن السّمة التحريفيّة للنص المترجم، عاجزةٌ عن إمكانيّة تحويل الكلام الشعري. ومن ثمّ اعتبر العمل الأدبي – في أغلب الأحيان – غير قابل للترجمة بحجة استحالة إيجاد نسخة مُطابقة له فلا يمكن إذن، أن تكون بين النص الأصلي والنص المترجم علاقة تطابق، بل بالأحرى علاقة تكافؤ في الوظيفة والإرساليّة. وهذا ما يفترض وجود ثوابت ومتغيرات في الوقت ذاته.

ولئن كان جيرار جينيت قد جعل من عمل المترجم فِعلاً ضارًّا؛ فإن فرانز روزنز فانغ – على النقيض تمامًا – اعتبر المترجم وسيطًا يُسدي خدمة لسيديْن: الأجنبي بعمله، والقارئ برغبته في أن يتملّك، ومن ثمّ عمل المترجم مهمّ لأنه كما يقول فالتر بنيامين – في مقالة مهمة المترجم – “يُحْدِثُ القرابة بين اللُّغات”، ومن ثمّ تتجلّى المهمّة الأساسيّة للمترجم “في العثور على ذلك الأثر المنشود في اللُّغة المُترجَم إليها، الذي يُحدث فيها صدىً للأصل”.

وقد وضع الجاحظ – قديمًا – شروطًا صعبة فيمن تُعْهد إليهم مهمّة الترجمة، كأن يكون التُّرْجمان في بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية.

عدم الاكتمال، في إشارة إلى الترجمة بوصفها عملاً غير مكتملٍ إلى ما لا نهاية، وهذه العبارة التي قصدها ريكور لا تشير إلى الإخفاق بل إلى الأمل، وهو ما يكون حافزًا لإعادة الترجمات للنص الواحد، بشرط الإضافة.

دوافع المترجمين

قلّة من المترجمين هم مَن ذكروا لنا أسباب إقدامهم على إعادة الترجمة، ومن هؤلاء القلة منير البعلبكي وقد حرص على ذكر دوافع ترجمته للبؤساء، والتي جاءت تالية لما قام به الشاعر حافظ إبراهيم، وبالمثل فعل محمد رجاء عبدالرحمن الديريني لترجمته لرحلات جلفر لجاناثان سويفت، ومحمود عبدالغني في مقدمة ترجمته لمزرعة الحيوان، وعبدالمقصود عبدالكريم في مقدمة ترجمته لعشيق الليدي تشاترلي. وفاضل السلطاني في مقدمة ترجمة “قصيدة الأرض اليباب”، وبالمثل فعل عمرو خيري في ترجمته لرواية 1984 لجورج أورويل.

يذكر منير البعلبكي أن ثمّة دافعيْن وراء ترجمته للبؤساء لفيكتور هوجو (في 2340 صفحة)، يعود السبب الأول “إلى رغبته في تلافي النقص الذي جاء في ترجمة حافظ إبراهيم (457 صفحة)، فترجمته جاءت في بضعة فصول من الرواية، في جزأين صغيرين لا يبلغان عُشْر الأصل، أو أقل من ذلك قليلاً، وهو ما آل إلى اطلاع الأجيال الجديدة على العمل منقوصًا مشوّهًا لم يَسْلَمْ معه من تلك الملحمة الإنسانية الراسخة رسوخ الأطواد غير هيكلها المجرّد وأحداثها العاطفية المثيرة”.

وهذا البتر – في رأيه – أدّى إلى غياب التصوير الفني البارع الذي اشتهر به هوجو، واللوحات التاريخيّة التي انتثرث في حنايا الأثر، فلم يتحقّق أيُّ منه، بل وأزيح من الطريق “لكي يكون في الإمكان ضغط ألفين وخمسمئة صفحة من القطع الكبير، في ثلاثمئة أو أربعمئة صفحة ليس غير”.

أما السبب الثاني “فيعود مع هذا النقص الذي شاب الترجمة الأولى، إلى أن أيًّا من الأقلام العربية لم يجرؤ مع انتشار حركة الترجمة على أن ينقل هذا الأثر الخالد نقلاً كاملاً؛ لأنّ أيًّا من الناشرين العرب لم يجرؤ على التفكير في عمل كهذا، وإخراجه للناس” (ص، 6).

وتأتي دوافع محمد رجاء عبدالرحمن لإعادة ترجمته لرحلات جلفر مقنعة إلى حد كبير أيضًا، فكما يقول إن معظم المترجمين العرب قدّموا ترجمات مبسطة ومنقحة أو مهذبة ومختصرة إما للرحلة الأولى فقط، أو الرحلة الثانية فقط، أو للرحلتيْن الأولى والثانية معًا، دون أن يأتوا بذكر للرحلتين الثالثة والرابعة. ومن ثمّ جاءت ترجمته لتكون تصحيحًا “لمفهوم أنها رحلات مُسليّة مضحكة تُخاطب الصغار دون الكبار. فتعطي صورة صحيحة وأمينة عن الرحلات الأربع في الكتاب، وتؤكّد أنها تخاطب جميع الأعمار والأعمال. من رحلات جلفر التي تتكوّن من أربع رحلات”، ويذكر محمود عبد الغني – كدافع لقيامه بإعادة ترجمة مزرعة الحيوان – أنها كانت سيئة الحظ في العربية فيقول على الإجمال “فكان النص ينتقل من ترجمة مختصرة تُضحّي بالحبكة والسرد والوصف وما ترتبط بها من عناصر تكوينيّة إلى ترجمة قزّمت لغة لجورج أورويل المبطّنة بالعناصر الإشارية والشعرية”، وبناء عليه أعاد ترجمة هذه الرواية العظيمة على حدّ تعبيره.

ببب

وبعد هذه الملاحظة الإجماليّة يُقدِّم تقييمًا لباقي الترجمات وإن كان أشبه بتقييم عام يخلو من المنهجيّة، فيقول – على سبيل المثال – إن ترجمة صبري الفضل “مقبولة إلى حدّ ما”، وإن كان يُحمِّله إضافة بعض الجمل التفسيرية، وهو ما أثّر على الأسلوب، علاوة على الأخطاء النحوية والإملائية التي أثّرت – بالضرروة – على الجانب اللُّغوي، كما لاحظ أن ثمّة خلطًا في استخدام بعض الأسماء، فيشير إلى مزرعة “فوكسوود” على أنها مزرعة “بينشفيلد”.

أمّا العُماني محمد عيد العريمي، فكما يقول قد تعسّف في ترجمته “على الحبكة الروائية [بأن] حذف المقاطع التي فيها الوصف (…) كما أخطأ في أسماء الشخصيات”.. إلخ من مآخذ أخذها على الرواية. لكن فاته أن هناك ترجماتٍ أخرى لم يتطرق إلى هناتها، مثل ترجمات عباس حافظ، وشامل أباظة، وأسعد الحسين، وعبدالحميد عبدالغني، ونبيل راغب.

ومن الأسباب التي يذكرها عمرو خيري، كدافع لإعادة ترجمة رواية 1984 لجورج أورويل، أن مترجم الرواية السابق (ويقصد أنور الشامي) حاول تبسيط فقرات من الرواية للقارئ العربي. إضافة إلى وجود قدر من الالتفاف حول بعض الصور الأدبية، أي أن المترجم عمد إلى الشرح والتفسير والتوضيح وهو ما يخل بوظيفة المترجم، أما هو فقد سعى إلى تحري ما اعتبره رسالة مترجم الأدب، وهو يقصد بالرسالة الصدق في نقل “روح العمل” إلى القارئ في لغته.

اكتفى عمرو خيري بمقارنة ما قام به في النص الجديد، بترجمة أنور الشامي فقط، متناسيًّا أو متغافلاً ترجمات مُتعدّدة تبدأ عند” شفيق أسعد فريد، وعبدالحميد محبوب، والتي صدرت عن مكتبة الأنجلو المصرية (1956)، مرورًا بالسعودي عزيز ضياء، والحارث النبهان، وأحمد الربيعي، وأسعد الحسيني، وصولاً إلى يارا شعاع.

وبقدر ما يرى البعض أن في ظاهرة تعدُّديّة الترجمة، ليس بالعمل المجدي، في ظل تكرار الترجمات السابقة دون إضافة حقيقية، إلا أن هناك من اتخذ موقفًا إيجابيًّا من هذا التعدُّد على نحو بول ريكور الذي يرى “أن الأعمال العظيمة، قد شكّلت على مرّ العصور موضوع ترجمات عديدة”، وكذلك ت.س. إليوت الذي يؤكّد – هو الآخر – على أن “ترجمة كتاب ما تحتاج إلى إعادة ترجمة كل عشر سنوات” وكأنه يُحفّز على فعل إعادة الترجمة بأشخاص مختلفين، وهو الأمر الذي انطبق على أعماله، وتحديدًا قصيدته “الأرض الخراب” التي تعدّدت الأسماء في ترجمتها.

تكرار فِعل الترجمة يؤكده التاريخ الأدبي، حيث ينقل لنا وقائع ترجمات عديدة لأشهر الأعمال (القديمة والحديثة)، ومن أهمها الكُتُب المقدّسة، والكتب الكلاسيكية؛ فالأوديسة لهوميروس ترجمت عشرات المرات، بأشكال مختلفة شعرًا ونثرًا، والكلام ينطبق أيضًا على الإنيادة لفيرجل، والإلياذة، وملحمة جلجماش ونصوص شكسبير.. إلخ. والأمر ينطبق – بالمثل- على النّصوص الحديثة، فمزرعة الحيوان، تُرجمت أكثر من مرة مع تغيير عنوانها الأصلي كـ”الحيوانات في كل مكان” (1947)، و”جمهورية الحيوان” (1964)، و”مزرعة الحيوان” (1983).

وهذا التكرار في فعل الترجمة يُدْخل الترجمة – على حدّ عبارة خلدون الشمعة – في إطار النظرية الدراوينيّة، في حرصها على الكمال والاكتمال، وهو ما يُعدُّ فِعلاً إيجابيًّا، لكنْ في كثير من الترجمات المتعدِّدة لا يذكر لنا المترجم – إلّا في حالات نادرة – أخطاء مَن سبقوه، وقد يدخل ما يذكره في دائرة العموم والإبهام، أي أنه بعيد عن الإفصاح والتوضيح، ومن ثمّ يصير تعدد الترجمات تكرارًا ليس إلّا.

على محك الداروينيّة

ب

مناسبة الكلام السابق هو صدور ترجمة جديدة لقصيدة الأرض الخراب لتوماس ستيرنز إليوت، بتوقيع فاضل السُّلطاني، بعنوان “الأرض اليباب: وتناصها مع التراث الإنساني”، دار المدى 2020. بصفة عامة القصيدة وصاحبها يُمثِّلان أهميّة خاصّة في الثقافة العربيّة. فقد مثّل توماس ستيرنز إليوت (1888 – 1965) الشهير بـ (ت.س.إليوت) في الثقافة العربية ظاهرة فريدة. فعُدَّ إليوت “جُزْءًا مركزيًّا من عملية مثاقفة قصديّة وشاملة سبب التأثّر الذي حدث له. فحضور إليوت الشاعر والناقد – على حدٍّ سواء – قديم، يرجع إلى الخمسينات حيث بدأ العرب ينقلون شعره مترجمًا، وأيضًا مقالاته النقدية التي أسهمت في تعلّق الكثيرين بالحداثة، بل كان للتأثير الطاغي لإليوت بمثابة الخطر على الأدب العربي على نحو ما رأى عبدالله الطيب (انظر: مقالاته في مجلة الدوحة بعنوان: الفتنة بالشاعر إليوت خطر على الأدب العربي، الدوحة، فبراير، ومارس وأبريل 1982).

ترجمة فاضل السُّلطاني جاءت مسبوقة بمقدمة ضافية للناقد السُّوري خلدون الشّمعة، حملت عنوان “الأرض الخراب على محك الداروينيّة”. وفي ضوء الترجمة الجديدة، التي أثارت سؤالاً قديمًا – جديدًا مفاده: لماذا يُترجم عمل شعري مرة أخرى؟ طرح الشّمعة – في المقدمة – أفكارًا مثمرة عن إيجابيّة تعدُّدية فعل الترجمة تارة، وعن التّناص أو ما أسماه تقنية الإلماعة تارة ثانية، وعن أصالة الإبداع والابتكار تارة ثالثة.

وهي أفكار يطرح من خلالها رؤىً جديدةً في ظلِّ  ما تفرضه نظرية الارتقاء والتطوّر الداروينيّة، على الرغم ممّا فرضته نظريات الترجمة – منذ الجاحظ إلى جاكوبسون – من تحفظات وصلت إلى حدّ الاعتراف باستحالة ترجمة الشّعر، لأسبابٍ متعلِّقة أولاً بمفهوم الترجمة كفعل خيانة، وثانيًّا لتأثير الإيقاع وسحر الدلالة، وصعوبة نقلهما كما في النّص الأصليّ، وهما خصيصتان – كما يرى الشّمعة – مراوغتان، تختلفان من أدب إلى آخر.

استحالة فعل ترجمة الشعر نفسه أو تعذُّر ترجمته بمعنى أخف، وما تحمله من حمولات معرفيّة، في ظل تكرار فعل الترجمات لأعمال أدبيّة مُهمّة كإليوت ودانتي، تدفع الشمعة إلى إعادة النّظر في ملف ترجمة الشعر من جديد، وهو ما يجده مُناسِبًا بظهور ترجمة السُّلطاني لقصيدة إليوت “الأرض الخراب”.

فهو يرى أنّ فعل الترجمة إلى العربيّة في تعدُّديتها وتباين نتائجها – والموقف منها أيضًا – يحيلنا  إلى بيولوجيّة دارون ونظرية النشوء والارتقاء، فتصبح الترجمة نتيجة للتكرار، داروينيّة في حرصها على الكمال والاكتمال. وفعل الكمال والاكتمال كما يتحقّق في ما فعله السُّلطاني يأتي عبر وسائط عدّة، كتصويب هنّات، أو تعديل وتصحيح كلمات، ومن ثمّ ترتبط عنده – أي الشّمعة – الترجمة بالكتابة في رمزية الحكاية “رمزية لحمتها الرونق، وسداتها الحساسيّة اللُّغوية”

يطرح الشمعة إشكاليّة أخرى متعلِّقة بترجمة الشّعر، تتمثّل في آلية التّناص، الذي يعّده أحد العوائق الثقافيّة واللُّغوية في الترجمة، إضافة إلى ما أسماه الإلماعة؛ أي الإشارة الموحيّة إلى تاريخ أو شخصيات تنتمي إلى ثقافات مختلفة وربما مُتباينة. وإن كان يرى أن التّناص والإلماعة بما ينطويان على محمول معرفي باهظ، يثيران أسئلة خلافيّة النزوع عن نقاء الأنواع، من قبيل: ما مفهوم الأصالة؟ أو إلى أي حدٍّ تَكْمُن مرجعيّة النصّ الشعريّ، أو الروائي في مخيال الشّاعر أو الروائي، أو إلى أي حدٍّ يمكن اعتبارها مصنوعة من آداب أخرى؟ وهو الأمر الذي يجعل من مفهوم الأصالة في عُرف نظريات ما بعد الحداثة نهرًا ضيقَ الضفتين، وهو ما استوجب إعادة تعريف الأصالة لتصبح مرادفًا للابتكار، وبذلك تُعتبر الكتابة كلها ذات منزع تناصي إلماعي، أي ذات مرجعيات تشير إلى ثقافات مختلفة وربما متباينة، وكأنّ التّناص يكون مقصودًا لذاته، وهو ما يتماس مع قول بورخيس بأن “الكتابة هي عمل استعادي بشكل أو بآخر”.

تقترب هذه الفكرة ممّا طرحه الناقد الأميركي هارولد بلوم – في كتابه “خريطة للقراءة الضّالة” (1975) – عن ظاهرة التأثّر الشّعري، إذْ اعتبر أن التأثير الشعري “يتجاوز مجرد تمرير الصُّور والأفكار من شعراء سابقين إلى شعراء لاحقين، فالأصل عنده أنه لا يوجد نصوص بإطلاق، بل علاقات بين النصوص، هذه العلاقات تعتمد على فعل نقدي ، وعلى قراءة ضالة يُمارسها شاعر على آخر”.

يقرُّ الشمعة أن الإلماعة تعتبر أساس صنعة الأدب، فقصيدة إليوت عبارة عن تجميع إلماعات أو قصاصات، وبالأحرى “إنها كولاجات تُصالح بين نصوص ثقافات مختلفة”، واللافت أصلاً أن فكرة التناص عند إليوت كامنة في نظرته للتراث منذ مقالته عن “التراث والموهبة الفرديّة”، فالتراث عند هو أكثر من مجموع الأشياء الموروثة، إنّه شيء يُعمل ويُجهد يكتسب ويُستعمل في تكوين حسّ تاريخي وإدراك ليس لماضيه ولكن لحاضره أيضًا. وهو ما يمكن تقصيّه – أي تفعيل التراث للحاضر- عند جورج أورويل في روايته (1984)، التي صدرت بعد ثلاثة عقود من صدور مقالة إليوت؛ بربطها بين التراث والحاضر والمستقبل، ومناهضتها للفكر الشمولي، ومن ثمّ تبدو  – رواية أورويل – وكأنها نبوءة بنُظُمٍ تعقُّب “الأرض اليباب”.

والتّناص واضح بين العمليْن فالجملة الأولى من رواية جورج أورويل (1984) تبدأ باستعادة شهر نيسان هكذا “كان يومًا باردًا في نيسان، وكانت الساعات تدق الثالثة عشر” على نحو ما بدأت قصيدة إليوت من قبل “نيسان أقسى الشهور”.

وبعد تداعي هذا الأطروحات التي أثارتها الترجمة لدى الشمعة من قضايا مهمّة مُتعلِّقة بالتطوّر والأصالة ومرادفه الابتكار والتّناص والإلماعة، يستعرض (أي الشمعة) ملامح ما قام به السُّلطاني من مقارنات [أو موازنات] بين ستّ ترجمات سابقة لعمل إليوت، وهو – كما يرى – سجال مثير للإعجاب كما يكشف عن إشادة بسيطرة معرفيّة للسُّلطاني مُتميّزة عن جلّ ما يتصل بإليوت ونظريته في التراث.

وهذا التكرار في فعل الترجمة يُدْخل الترجمة – على حدّ عبارة خلدون الشمعة – في إطار النظرية الدراوينيّة، في حرصها على الكمال والاكتمال، وهو ما يُعدُّ فِعلاً إيجابيًّا، لكنْ في كثير من الترجمات المتعدِّدة لا يذكر لنا المترجم – إلّا في حالات نادرة – أخطاء مَن سبقوه، وقد يدخل ما يذكره في دائرة العموم والإبهام، أي أنه بعيد عن الإفصاح والتوضيح، ومن ثمّ يصير تعدد الترجمات تكرارًا ليس إلّا.

الأرض اليباب لإليوت

بب

واحدة من الظواهر المتكرِّرة في عالم تعدُّديّة الترجمة، قصيدة ت.س.إليوت الشهيرة “الأرض الخراب”، فقد جاءت في ستّ ترجمات كما ذكر فاضل السُّلطاني في كتابه. كما انبرى هو الآخر لتقديم ترجمة جديدة للنص القديم؛ ليكون مجموع الترجمات للنص سبع ترجمات. لكن ما غاب عن السُّلطاني أنّه من الممكن أن نُضيف إلى هذه الترجمات ما قامت به الدكتورة نبيلة إبراهيم، حيث ترجمت مقتطفات كثيرة من القصيدة في سياق مقالتها “الأرض الخراب: رائعة الشاعر المعاصر ت.س. إليوت: تحليل وتعقيب” وقد نشرت في مجلة المجلة العدد 25، بتاريخ يناير 1959. فإلى جانب تحليل القصيدة أوردت الكثير من المقاطع الشعرية، وهي جميعها من ترجمتها.

وإن كان العذر للسُّلطاني في أنها لم تُقدّم ترجمة كاملة للنص، لهذا أغفلها من قائمة مترجمي قصيدة إليوت، فأين العذر في إغفال ترجمة نبيل راغب الصّادرة عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة عام 2011، بعنوان “أرض الضياع: رائعة الشاعر ت. س.إليوت، دراسة وترجمة”؟

يذكر راغب أكثر من دافع وراء ترجمته لهذه القصيدة؛ منها أنها قصيدة من نوع رائد وفريد، تركت أثرها على الأدب العالمي كله، وأيضًا لأن هذه القصيدة كانت أكبرَ دليلِ عمليّ على أنّ الشّاعر لم يلزم بُرْجِهِ العاجي ليستوحي إلهام ربات الشّعر، بل هَبَطَ منه ليشقَّ طريقه وسط مظاهر الحطام، والركام والخراب والدمار والضياع، التي أفرزتها الحضارة الأوربية التي تحمل داخلها بذور فنانها. كما أن القصيدة تجسيد شعري وفني لنظريته عن المعادل الموضوعي.

أغفلَ راغب – في الحقيقة – ذكر الترجمات السّابقة، حتى في حديثه عن دوافعه للترجمة، لم يذكر كلمة “إعادة الترجمة” التي تُشير إلى أن ثمّة جهودًا سابقة عليه، ومن ثمّ جاءت ترجمته لتلافي أخطائها، وإنما إشارته جاءت كأنّه أوّل مَن يقوم بفعل الترجمة! وهذا غير صحيح، وفقًا لتاريخ صدور ترجمته في عام 2011، مقارنة بترجمات سابقيه.

يُبرِّرُ السُّلطاني دوافع ترجمته لرائعة إليوت إلى كثرة الأخطاء التي لازمت الترجمة “في فهم النص الأصلي وفي مواضع مهمّة إلى الدرجة التي تعكس المعنى إلى نقيضه”، وأيضًا إلى ندرة الدراسات النقدية عن القصيدة، وهو ما شكّل صعوبة بمكان أمام المترجمين سابقًا.

هنا تكمن غاية إعادة الترجمة لديه في التطلُّع إلى الترجمة المـُثْلى، ترجمة يبحث فيها عن اللغة المثالية (أمبيرتو إيكو) أو اللغة النقيّة التي قصدها فالتر بنيامين، وهي “تلك اللغة التي تحملها الترجمة في داخلها مثل صداها الخلاصي”.

وضع فاضل السُّلطاني الترجمات السّت السابقة في مقارنة وموازنة مع النص الأصلي، مُظهرًا الهنات التي وقع فيها مترجموها على أهمية أسمائهم (لويس عوض، أدونيس، يوسف الخال، عبدالواحد لؤلؤة، ماهر شفيق فريد، يوسف اليوسف، وتوفيق صايغ)، وكأنّه يُبرِّرُ أسباب إقدامه على ترجمته الجديدة، فالسابقون وقعوا في هنات سواء في إيجاد مقابل للكلمة باللغة العربية، أو في فهم السياق نفسه، وهو ما نَتج عنه سوء ترجمة تمامًا.

سبق السُّلطاني في عمل مقارنة لترجمات إليوت المتعدِّدة عبدالكريم كاصد، في مقالته “ترجمات إليوت إلى اللغة العربية” (مجلة جسور، العدد 2، ربيع 2009)، وهي مقالة لا تقف عند حدود قصيدة الأرض الخراب (على نحو ما ترددت كثيرًا في الترجمات العربية)، وإنما يوسّع دائرة المقارنات وإن كان الأصوب الأخطاء على معظم الأعمال التي تناولت إليوت في الثقافة العربيّة، بما فيها الكتب النقديّة ككتاب “فائق متى” (إليوت) الذي صدر في طبعتيْن دون أن تلتفت دار المعارف إلى أخطاء الطبعة السّابقة؛ المطبعيّة واللُّغويّة (النحويّة والإملائيّة)

وإن كان اقتصر في المقارنة بين ترجمتي عبدالواحد لؤلؤة وأدونيس ويوسف الخال، ومع إقراره بأن هذه الأخطاء “لا تُقلّل من الجهد الكبير الذي بذله لؤلؤة”. وفي حديثه عن ترجمة الأعمال الكاملة لإليوت، وهي التي اضطلع بها الناقد ماهر شفيق فريد، وقد احتوت على الأرض الخراب، أشار إلى أنه في ترجمته لم يستفد فيها من أخطاء سابقيه، كما أننا نجد ثمة تلميحًا بالتقعر اللُّغوي في اختيار الألفاظ الغريبة البعيدة عن التداول كأن يشير إلى “نشوة التبغ” بـ”غيبوبة الطباق”، وهي ذات الملاحظة التي كرّرها فاضل السُّلطاني في الكثير من إشاراته. أما ترجمة لويس عوض فلم يتوقف عندها، وإن كان وصفها بجملة واحدة بأنها احتوت على الكثير من الأغلاط، ويبدو أنه كان واقعًا تحت تأثير تحفُّظه على آراء لويس عوض.

الحضور الإليوتي

حضور إليوت في الثقافة العربية قديم، فأوّل تردد لاسمه في الثقافة العربية كان في مقالة الناقد السوداني معاوية نورالدين (1909 – 1941) “القالب في شعر العقاد”، في جريدة الجهاد بتاريخ 2 مايو 1932، لكن ترجمته بدأت في نهاية الأربعينات مع لويس عوض، الذي عرَّفَ به في مجلة الكاتب المصري، التي كان يرأس تحريرها الدكتور طه حسين.

جاءت مقالة لويس عوض في يناير 1946، بعنوان “ت. س.إليوت”، متضمِّنة تعريفًا به، مع ترجمة لمختارات من قصائد من شعره. ثم ذاعت ترجمات قصائد إليوت، وراح صدى هذه الروح الإليوتية يتجلّى في قصائد الشعراء؛ السياب والبياتي والملائكة وحاوي وأدونيس وعبدالصبور وحجازي والخال وسعدي يوسف. وهو ما دفع النقاد إلى دراسة المثاقفة الإليوتية.

الإعجاب بإليوت لم يتوقف عند حضوره في أشعار الشعراء؛ فقد نالت قصيدته الأرض اليباب حفاوة بالغة من قبل الشعراء، وإنما – علاوة على ذلك – في طغيان حضوره كشاعر تارة، وناقد تارة ثانية، وقد تجلّى تأثيره في مؤثرات عديدة من أبرزها: المنهج الأسطوري، والمعادل الموضوعي، والقناع، إلخ… وهو ما أكسبه تأثيرًا مهمًّا، كما كان لدراسته عن “التقاليد والموهبة الفردية” أثرها الكبير في لفت أنظار مُتلَّقِي إليوت، إلى أن “الحداثة قد تعني التمرد على التراث، ولكن لا تعني التخلِّي عنه”، وهو ما دفع الكثير من الباحثين إلى استجلاء هذه المثاقفة في الأدب العربي بصفة عامة، وهناك من رأى فيها مثاقفة سلبيّة.

تعددية الترجمة وتعددية الأخطاء

بب

الكتاب الجديد لفاضل السُّلطاني “الأرض اليباب: وتناصها مع التراث الإنساني” يضعنا في حضور من نوع آخر لإليوت؛ حضور لقصيدته الأرض اليباب، ليس على مستوى التأثير، وهو ما لا يخفى على دارس الأدب ونقاده عربيًّا وعالميًّا، إذْ إنها أحدثت – كما يقول عبدالواحد لؤلؤة – هِزة كبيرة في عالم الشعر، لخلخلتها عددًا من القيم الثابتة العتيقة التي كانت سائدة قبله، وإنما على مستوى الترجمة. فالقصيدة التي كُتبت عام 1922، ونشرها في مجلة المعيار التي كان يشرف عليها إليوت بنفسه، بأجزائها الخمسة حظيت بترجمات عديدة ومن أسماء مهمة كأدونيس ويوسف الخال وعبدالواحد لؤلؤة ولويس عوض وماهر شفيق فريد يوسف الصايغ، ويوسف اليوسف، وبذلك صار لها أكثر من ترجمة عربية.

وهو الأمر الذي أخذه مأخذ الجدّ، فانبرى بدراسة الترجمات السّابقة، وإظهار ما اعتورها من هنات واختلافات في فَهم السياق، وهو ما أدّى إلى اختلاف المعنى المقصود، فكما يقول بورخيس “الكلمات ليست ناقلة للمعنى بل حاملة لأشياء أخرى، بينها الإيقاع وسحر الدلالة والأصداء العالمية للكلمات”، وهو ما جعله يرجّح ترجمة “روح النص على الترجمة الحرفية لأنها غاية في منتهى الجسامة وضربًا من الخيال حتى لتبدو خالية من الأذى”.

فيقدّم السُّلطاني مبحثًا مهمًّا يتناول فيه الترجمة الجديدة مقارنة بالترجمات السّابقة، مُظهرًا الاختلافات التي تُحدث في أحيانٍ كثيرةٍ ابتسارًا وتشويهًا للمعنى المقصود، وهو ما ينتج عنه قراءة مضلّلة – بالمعنى السّلبي – للقصيدة، فخلافًا لما يتميز به الشعر من الاتحاد الذي لا انفصام فيه بين المعنى والصوت، بين الدال والمدلول، وهو ما شكّل عقبة كبيرة، وفي الوقت ذاته تحديًّا و/ أو رِهانًا صعبًا أمام ترجمة الشعر، فسمة إشكالية أخرى متعلِّقة بمطابقة حقول المفردات (في النص المترجم) لمعانيها المقصودة/الحقول الدلاليّة  (في النص الأصليّ)، وهو ما يخرج المعنى من سياقه المقصود.

فمثلاً مفتتح القصيدة الذي ترجمه فاضل السّلطاني بـ”نيسان أقسى الشهور” يأتي في ترجمة توفيق صايغ وهي آخر الترجمات للقصيدة هكذا “شرُّ الشهور نيسان”، فالمعنى كما قصده إليوت أن شهر نيسان هو قاسٍ بالنسبة إلى الميتين روحيًّا، لأنه بداية الربيع الذي تتفتّح فيه الطبيعة وينبثق الجمال، بينما هم عاجزون عن التمتُّع بخيراته، وهو ما يُضاعِفُ من آلامهم، ويزيد الأمر كآبةً اختلاط الذكرى بالرغبة. في حين جاءت الترجمات الأخرى مستخدمة كلمة شرّ بديلاً لأقسى، وهو ما خرج بمعنى مغاير عن الذي أراده الشاعر، وتدور حوله فكرتها الأساسيّة.

لطائف الترجمة

فِعْلُ المقارنة والموازنة الذي قام به السُّلطاني لستة نماذج من الترجمة، خاصّة أنّه يضع الأصل الإنجليزي، وأحيانًا مصدره باللُّغات الأخرى كالألمانيّة واللاتينيّة، في حدّ ذاته عملٌ شاقٌ، وفي الوقت ذاته ثري؛ فهو لا يكتفي بتتبّع الخطأ، وإنما يشرح أسباب عدم دقة اللفظ، أو العبارة، سواء بالرجوع إلى معانيها ودلالتها في القواميس العربية، أو في استخدامها في السياق العام في اللغة الإنجليزيّة، وكأنه يسترشد بما قاله فالتر بنيامين من أن “المعنى في بُعده الشعري لا ينحصر بمعنى الكلمات، بل ينساب من مغزى اختيار كلمة محددة للتعبير عنه”، فمثلا كلمة (wicked) في جملة “With a wicked pack of cards”  ترجمها (عوض ولؤلؤة وفريد والخال وصايغ واليوسف هكذا “لديها رزمة ورق خبيثة”، والسُّلطاني يقول إن كلمة خبيثة أو شريرة صحيحة قاموسيًّا، لكنْ الكلمة تعني في المعنى الشعبي/التداول العام بارعة، أي أن قارئة الحظ (أوراق التاروت) التي تمتلكها بارعة، وبذلك تكون الكلمة مُتَّسِقَة مع المعنى، لكن خبيثة – كما يتساءل في حيرة – ما معنى أنّ أوراق الحظ خبيثة؟ وهذا البحث عن المعنى الدلالي للكلمة في لغتها الأصلية، يتواءم مع ما حذّر منه الجاحظ من قبل، بقوله “على المترجم أن يكون أعلم الناس باللغة المنقول عنها”.

من الأخطاء التي يكشفها السُّلطاني في مقارنته للترجمات الست، هو هيمنة الترجمة الحرفية (في غالبية الترجمات) التي لا تفيد المعنى، كأن يتم ترجمة “ورثة أرباب المال” إلى “مدراء المدينة”، وهناك نوع من الأخطاء ينتج عن سوء الفهم وهو ما يتبعه ترجمة خاطئة، فسوء الفهم يجعل اسم الكنيسة قديسة، ومن المتحدث المرأة رجلاً كما فعل أدونيس والخال وعوض وفريد. وأحيانًا يعجز المترجمون عن ترجمة بعض المفردات، فيهملونها على نحو كلمة تاتا في مقطع (Ta ta good night)، وهي تعني في الاستعمال الشعبي – كما يقول فاضل – شكرًا. وهناك أخطاء تتناقض مع دلالة اللّفظ نفسه، فمثلاً عوض يترجم هكذا “حيث يَسْمر صيادو السمك في الظهيرة”،  فيقول السُّلطاني إن “السهر لا يكون في النهار وإنما في الليل”.

لا يكتفي السُّلطاني بتصويب الخطأ وفقط، وإنما يقدّم مدلولاتِ الكلمات في الاستخدام الشعبي، وأيضًا مصادرها، وكيف تُستخدم في الأدبيّات الإنجليزيّة، وفي الخطاب الإليوتي، فمثلا يشير إلى إساءة الفهم لترجمة كلمة  (Gentile)فترجمها لؤلؤة وصايغ بالأممي، وهي ليس كذلك، وعوض بـ”أغلف” هي غير المختون، ولكن الكلمة مهجورة، أما أدونيس والخال واليوسف فترجموها صحيحًا، هكذا “أكنت يهوديًّا أم غير يهوديّ” ويستفيض بعد ذلك في شرح دلالات الكلمة بقوله، إنها تعني “كل الأشخاص والأقوام الأخرى غير اليهودية”، وأيضًا الوثني، ثمّ يعرّج إلى أصلها “اللاتيني” وفي العبريّة حيث تكتب”goy”، وفي الإنجليزية تكتب (Gentile) وما دامت أغلب الأمم وثنيّة في فترة الإنجيل، أصبح المصطلح مرادفًا للوثنيّة، وقد ترجمها الإنجليز بهذا المعنى ليشيروا إلى كل الأمم غير اليهوديّة.

تعليقات السُّلطاني على أخطاء أو عجائب الترجمة، تُضفي جوًّا من اللّطافة على خشونة الترجمة وغرابتها أحيانًا، وأيضًا تُخرج التعليقات من نيّة التربُّص والاصطياد إلى الحواريّة العلميّة، وكأنّ المؤلف يتحاور مع قارئه وهو يمدُّه بالمعلومة الصحيحة.

نقاء النصوص

يُعرّف الجاحظ الأدب بأنه “عقل غيرك تضيفه إلى عقلك” أليس هذا المعنى – بشكل أو بآخر – يتفق مع مفهوم التناص وفق لتعريف جوليا كرستيفيا؛ حيث ردّ النصوص إلى مرجعياتها الأولى، وهو ما فعله ت. س. إليوت بنفسه. بإشارته إلى الكثير من التناصات مع مصادر عديدة؛ دينيّة وأدبيّة وميثيولوجيّة، وغيرها، وإن كان استثنى المصادر العربيّة. ولولا هذه الإحالات الصريحة [وكذلك الضمنيّة] التي كتبها إليوت بنفسه، ثمّ استخرج بعضها النقاد لاحقًا، لاكتنف القصيدة الغموض، لأنها في حقيقة الأمر قائمة على تشابكات مع نصوص كثيرة، واستعارات مما يجعل من فَهمها دون ربطها بمرجعياتها أمرًا صعبًا للغاية.

قدّم السُّلطاني دراسة تناصيّة للقصيدة مع التراث الإنسانيّ، وهو ما يعود بنا إلى الحديث عن انتفاء نقاء النص الأدبي، وأن الأبناء يتأثّرون – ولو أنكروا – بالآباء (السلف)، وهو ما أكّده إليوت نفسه في نظرته للتراث، وإيمانه بأن “التراث وحدة عضوية لا بدّ من استلهامه في كل عمل عظيم”، فعلى حدّ قوله “هو لا محيص له لكل مَن يُريد أن يبقى شاعرًا بعد الخامسة والعشرين من العمر.(..) والحسّ التاريخي لا يتضمّن إدراكُا لحضور الماضي وحسب، بل لحضوره كذلك”. مؤكدًا على أن التراث حيٌّ ممتدٌ ومتجدّدٌ من الماضي وعبر الحاضر، بحيث يؤثّر ماضيه في حاضره، كما يتفاعل حاضره مع ماضيه.

وتجلّى تأكيده بإيمانه بالتراث في هذه القصيدة، حيث اتكأ إليوت على التراث بكافة أشكاله، المسيحي فيأخذ من شاعر المسيحيّة الأول دانتي، وأيضًا يعود إلى الميثولوجيا في الغصن الذهبي عند السير جيمس فريزر، وتحتوي القصيدة على تضمينات من سبنسر وشكسبير وجون دان وجوزيف كونراد وجولد سميث وفرلين وأوفيد وجيمس جويس وبوذا وسافو، وكأن القصيدة مُلْتقى ثقافات شرقيّة وغربيّة قديمة وحديثة.

عاب الدكتور عبدالله الطيب إغفال إليوت لمصادره العربيّة؛ فسعى الطيب (راجع مقالاته في الدوحة، بعنوان الفتنة بالشاعر إليوت خطر على الأدب العربي، على ثلاث حلقات، أعداد: فبراير: مارس: أبريل 1982 )، إلى إثبات ما أنكره، مظهرًا ثمانية مواضع تظهر توارد الخواطر أو التأثّر – المُغْفل – بتراثنا العربي ، بدءًا من عنوانه “الأرض اليباب” التي يتناص مع مطلع معلقة لبيد بن أبي ربيعة “عفت الديار محلها ومقامها..”.

فالدكتور عبدالله الطيب يقرُّ بقوَّةِ الشّبه بين عنوان قصيدة إليوت “الأرض اليباب” ومطلع القصيدة، فعنوان إليوت معناه – حسب تفسير الدكتور عبدالله – “أي الأرض التي جعلت عافية فأقوت وأقفرت وعفت وعفتها السنون”. ومن التناصات مع التراث العربي: عنوان المقطع الأول “دفن الموت”، فالتشابه حسب قوله إن قصائد شعراء العرب تبدأ في باب الأطلال بذكر تعفية الديار، ثم ذكر أن الرياح دفنتها بما أهالته عليها من غبار، ثم جاءت رياح أخرى فأزالت هذا الغبار فبدت معالم الدار ظاهرة فيعرفها الشاعر بعد تأمّل” ويضرب أمثلة بمطالع لإمري القيس وذي الرمة ولبيد أيضًا.

استشهادات عبدالله الطيب، وتأكيداته على هذا التأثّر، في ظل توافر الأدلة عليه بما فيها القرآن على نحو مقطع القسوة في “لا الحجر اليابس صوت الماء” أو “ولا الصخرةُ الجافة صوت ماء” [بترجمة فاضل السُّلطاني] والتي أرجعها إليوت إلى سفر حزقيل أول الإصحاح الثاني، كتمويه، و تدفعه للتساؤل هل قرأ إليوت ترجمة السير وليم جونز للمعلقات؟

كان من الضروري للسُّلطاني أن يشير إلى تواريخ ترجمة الأرض الخراب، وأن تكون تقييماته للترجمات الست، لا على مستوى الاختلافات في ترجمة الجُمل أو المفردات على نحو ما فعل، وإنما – أيضًا –  على مستوى الترجمة الكليّة، وملاءمتها للمعنى الذي قصده إليوت.

من الأشياء المهمّة التي أوردها السُّلطاني في الكتاب، ما أسماه “نبذة تاريخية”، حيث قدَم تاريخَ كتابة القصيدة وسياقاتها، ومراجعات إليوت لها بناء على مراسلاته مع أصدقائه، وهذا الجزء بمثابة تَتَبُّع لمراحل كتابة القصيدة قبل أن تتشكّل في الصورة التي هي عليها الآن. ويتضح من هذا الجزء حالة الفنان أثناء الكتابة، وما يحتاجه من أجل تحقيق رغبته في الكتابة، فكما يقول إليوت في رسالة لأمه “أحتاج لفترة هدوء لأكتب القصيدة التي في ذهني”، وأيضًا كاشفة لما يعتري الفنان من شعور بعدم الرضا، وحيرته في اختيار شكل لقصيدته أو عمله بصفة عامة، فإليوت نفسه يقول “أنا لا أرى سببًا يحول دون استخدامي أنواعًا كثيرة من الأشكال الشعرية داخل قصيدة واحدة”.

أعودُ إلى ما بدأتُ به من رأي الجاحظ، وأؤكد على قوله بأن ترجمة الشعر صعبة جدًّا، وهذا واضح في الفروق الشاسعة بين الترجمات التسع (إذا أدخلنا ما قامت به نبيلة إبراهيم، ضمن مجموع الترجمات). ولكن نحن في النهاية مع مغامرة تستحق الاحتفاء والثناء، لما بذله المؤلف من جهد في الاستقصاء والمقارنة والشروح، وهو ينتهي بنا إلى إيجابية تعددية الترجمة في خلق مناخ المقارنة وتعليم أجيال المترجمين أصول الترجمة ممارسةً.

  • عن مجلة الجديد

شاهد أيضاً

“الطريق إلى القدس” رواية يان غيو من ترجمة مدني قصري

(ثقافات) بعد أن ترجمت إلى لغات عديدة، صدرت رواية الكاتب يان غيو “الطريق إلى القدس” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *