الرئيسية / خبر رئيسي / للحبّ مذاقٌ الكرامة خلف القضبان

للحبّ مذاقٌ الكرامة خلف القضبان

 *سامي كليب

“لم يخطر ببالي أبدا أن يتم اعتقالي، كنتُ أعد نفسي لأصعب الاحتمالات وقد يكون الأخطر في نظر الناس، ولكنه الأقرب والمفضل لنفس الثائر، الذي اختار طريقه وحمل الروح على كفه وسار على درب التضحية والفداء لتحرير أرضه وشعبه… لم يخطر ببألي اعتقال، وقد وعدت نفسي بالشهادة إذا حانت لحظة الاشتباك وجها لوجه، لذلك لمأعد نفسي للاعتقال، فهو كان أشبه بالمجهول بالنسبة لي”.

لم يخطر ببال الفتى الجميل ذي الثمانية عشر ربيعا أسامة الأشقر، أن سارقي أرضه سيحطمون الباب، ويضعون البنادق بين عينيه الحالمتين بالحرية والنصر، وينهالون عليه وعلى أهله بالضرب لاقتياده الى جحيم المعتقلات.

كنت أقرا روايته ” للسجن مذاق آخر”، وافكر بكل منظمات حقوق الإنسان، وباتفاقيات جنيف، وبكل التشدّق الدولي بمسائل الدفاع عن الحريات والفقراء والشعوب المظلومة، وأقول في نفسي “تبّا لكم”، هل يُعقل ألاّ يُصار منذ 1948 حتى اليوم الى محاكمة واحدة لجلاّد يقتل ببطء شعباً كاملا لأنه ينشد الحرية؟ ولماذا تنجحون في تسليط الضوء على معتقلات عربية ( هي من الأسوا طبعا في العالم) ولا تجرؤون مرة واحدة، فقط مرة، على فتح معتقل إسرائيلي ونشر ما فيه من جرائم حرب واعتقال ضد الانسانية، ومحاكمة المسؤولين عنه.

كان أسامة الأشقر في الثامنة عشرة من العمر حين قرر قتال محتلّ أرضه. لوحق عامين كاملين. اعتُقل وعُذّب، وحُكم عليه 8 مرّات بالمؤبد و 50 عاما . يعني هو باختصار سيمضي كل حياته خلف القضبان، إن لم تحدث معجزة، والمعجزات في عصرنا لا تحصل عند العرب.

رواية ” للسجن مذاق آخر”، أبطالها حقيقيون، وأمكنتها وأزمنتها حقيقية، هي سيرة مناضل ورفاقه خلف قضبان المعتقلات الإسرائيلية. تبدأ بالضرب والتعذيب النفسي والقهر وسط قهقهات الجنود، ومحاولات الإغراء في تبادل الأدوار بين مُحقّق شرير، وآخر شرّير أيضا لكنه يلعب دور الصديق في غرفة الأسئلة والشبْح والضرب والإهانات، وتحت لوحات تحمل آيات قرآنية وشعارات بالعربية لسحق نفسية المُعتقل ودفعه للإعتراف، ومنها مثلا :” كل الأمهات تبكي ولا أمي تبكي “

ستون يوما من التحقيق الذي تُمارس فيه كل أنواع سادية السجّان، لا مجال للفكاك منها سوى بجعل الروح تنفصل عن الجسد، فتحلّق عاليا وتحط عند ” طابون أمي ( الفرن) وصوت أبي يقيم صلاة الفجر، وحبّات السمسم في لقمة زعتر”

” هنا في غرفة التحقيق، يتحدد مصير الأسير، فإما الفوز والانتصار على جهاز التحقيق بالحفاظ على رباطة الجأش وإحباط أهداف العدو الذي يستهدف تدمير ذاته وزجه أطول مدة في غياهب السجن، وإما الفوز بالحرية إن انتصر على حيل جهاز التحقيق وصمد”…

هنا أيضا تعود الأم حاضرة بقوة لتعطي المعتقل العاري من كل شيء قوة البقاء والصمود، يقول اسامة : “بريق عيني أمي وهي تصلي وتدعو لنا مدّني بالعزيمة والأمل، ما عدت أرى ابتسامة المحقّق الصفراء، ما عدت أرى غير أمي، وشعرت أن ابي يربّت على كتفي، واخوتي واخواتي يلوحون لي . الان أدرك اني اقوى من المحقق الذي أمامي واقوى من كل الأجهزة التي تسانده. انا هنا سيد البيت والأرض وصاحب الحق، ومالك البيت لا يخشى اللصوص”

من أين يأتي هؤلاء الفتية وهم في عمر الورود بهذه العزيمة؟ كم مرة ردّدتُ هذا السؤال وأنا اقرا فصول الرواية. وكنت كلما انتهيت من فصل، أزداد يقينا بأن هذا الشعب، ومهما طال الزمن، وجار محتلُّه، سينتصر ويعيش بكرامة.

هنا في المعتقلات، لا مكان لصفقة العصر ولا لأي صفقة أخرى، فعزيمة المناضلين الذين يُرمى بعضهم في الزنزانات الإنفرادية ويعتادون على مرافقة الحشرات وخيوط النمل، ويصادقون الفئران تعبر تحت أسرّتهم الاسمنتية وبين الروائح النتنة، لا تعرف غير وجهة واحدة هي : الأمل بالحرية والنصر.

العصافير

نتعرف أكثر مع ” للسجن مذاق آخر” على الوجه القبيح لبعض أبناء الأرض الذين تلفظ الأرض خيانتهم وتلفظهم صوب عارهم، أنهم أولئك الذين يُطلق عليهم اسم ” العصافير”، فهؤلاء الوشاة الذين يندسّون بكل قبحهم بين المعتقلين وقهرهم وعذابهم، ليستخرجوا منهم معلومة، تسببوا في مؤبدات لا بل في اغتيالات ضد أبطال الحرية

هذا يفترض توعية دائمة للشباب الفلسطيني، قبل انخراطه في ساحات النضال، لكي يعرف ماذا ينتظره حين يُعتقل، لا ما ينتظره حين يخرج فيجد أمامه أيضا سياط بعض المسؤولين الفلسطينيين الذين ينسّقون مع اسرائيل، والذين كان لهم مكان وشرح في الفصل الثاني من رواية أسامة الأشقر.

في الرواية شرح قاسٍ للبوسطة التي تنقل المعتقلن، وهي عبارة عن سجن من حديد، يلتهب تحت الأجساد في الصيف، وينخر العظام بردا في الشتاء، وشرح عن السلاسل والقيود التي تبقى آُثارها القاسية لسنوات طويلة بعد فكها. وهو ما يُذكّرنا بالعصور الغابرة، حين كان الغرب الذي يدّعي اليوم الدفاع عن حقوق الإنسان (الا ما يتعلق منها بإسرائيل) يقتاد خيرة شباب إفريقيا للعبودية والسخرة والموت وقطع الأرجل والأيادي أو الرمي في البحر لمن يضعف جسده. كان العبدُ يُربط بالسلاسل بين يديه وقدميه كي يبقى ظهره مُنحنيا ويشعر بالذل طيلة الوقت ولا يهرب، وهنا في معتقلات العبودية والجريمة ضد الانسانية، يستخدمون الطريقة نفسها بحماية أولئك الذين مارسوا العبودية في التاريخ ويحمون جور المحتل اليوم.

الطعام والأم

في الرواية كذلك، تفصيلٌ لمأساة الطعام، وروائح البيض النتنة، لا يتحملها اسامة، ويهرب من كريه شكلها ورائحتها الى :” ظل الدالية في بيتنا، حيث تعبق أنفاسي برائحة الطابون، واتخيّل أمي ترفع فرش القش محملا بأطباق زيت الزيتون والزعتر والجبنة المغلية وقطع العجة بالبيض والزهر البلدي والبقدونس”

لكن المُعتقلين الذين يذوقون كل محاولات الإذلال والقهر، ويموت بعضهم مرضا أمام أطباء ” أسوأ من السجانين” وأمام “حبة دواء بيضاء واحدة” لكل الأمراض، يؤكدون أن إرادة الحياة تبقى أقوى من الظلم والقهر والجرائم ضد الإنسانية، فهم عرفوا كيف يطوّرون روائح للطعام من مواد اخترعوها في السجن، واستبدلوا الكنافة النابلسية الشهيرة بالخبز المبروش، وصنعوا من عيدان الكبريت وعلب الكرتون والأوراق وحصوص الزيتون ومعجون الأسنان ( لمن بقيت عنده أسنان) منحوتات، يغالبون بها القهر، ويحاولون تناسي أمراض خطيرة تداهمهم دون دواء أو عناية ومنها :” البواسير، الديسك، الآمراض الجلدية، قرحة المعدة والكلي، الربو وضيق التنفس ، الفيروسات المعدية”

ورغم الغاز و”بودرة الغاز التي تُرمى على شكل طابات تنفجر داخل الزنزانة، فنشعر بأن السماء أطبقت علينا وأن اوكسيجين الأرض قد نفذ مرة واحدة، وأن أرواحنا ستقتلع من حنجرتنا من الضيق الشديد، وأن اجسادنا كأنها تعرضت للشوي البطيء” ، رغم كل ذلك، فان المُعتقلين يتحدون السجّان بإضراباتهم البطولية التي حققت لهم الكثير رغم أنفه.

وبعد سنوات من العذاب والتعذيب والقهر والتجويع والمرض، تبدأ الزيارات التي يتحمّل الأهل كل عذاب الوصول اليها. يعكس أسامه حال كل المعتقلين أمام أمهاتهم وأهلهم في الزيارة، ولعلها أقسى اللحظات وأكثرها حنانا، يقول :” أحرص الا تخرج مني كلمة تلقائية تشعرهم بالألم والعذاب الذي اعانية، اقيس مسافة الابتسامة المرسومة على شفتي.اضحك أحيانا زيادة بتأكيد الأحساس بالسعادة ،لكن هيهات هيهات ان تنطلي أي من هذه الحيل على أمي ، فقلب الأم دليلها. وأبادرها بالقول ” طولي بالك يا حجة باب السجن عمره ما سكر، توكلي على الله “

القسوة تتجلى بأسوأ صورها حين يسمع أسامة عبر الراديو أحدهم يعزّيه بوفاة شقيقه إيهاب مكمن أسرار الطفولة واللهو. ليست القسوة فقط في هذا النبأ الصادم والمفاجيء، وإنما بالانتظار أسابيع طويلة وربما سنوات كي يُسمح له بمعرفة سبب الوفاة.

مع ذلك يستمر المناضلون بالتغلب على الحياة البطيئة في السجن :” حيث تكاد الثواني تكون كرباجا على جسد الأسير أو جمرا تحت فراشه” ، يستمرون بالتحدي والصمود، يفجّرون طاقات ابداعية هائلة، ويقبلون كفرح طفل أمام لعبته الأولى على التعليم حين يُسمح لهم بذلك.

لكن الاسئلة الوجودية تبقى حاضرة في لحظات الضعف، فيسأل أسامة من خلف زنزانته الإنفرادية التي تكاد لا تتسع لمد ساقيه، أو ليقلب جسده من جهة الى أخرى :” من أنا؟، ما أنا؟، سرقوا عمري، حكموني ثمانية مؤبدات” ولا يجد الجواب سوى بالأمل، فيقول :” ادركت الآن ما الذي يمنحني طاقة الاستمرار، انه الأمل والأمل”

الحب سرّ الأمل

كان أسامة الأشقر قد أمضى في السجن 18 عاما، حين قبلت منار تلك الصبية الحسناء الاستثنائية المثقفة الطيبة المناضلة الواقفة على كتف الأمل وحب الروح الزواج منه دون أن تراه الا في الصور. عرفته من خلال قريبها الذي زُجّ بالسجن معه، ثم عرفته أكثر عبر أثير الإذاعة حيث كانت تتولى قراءة رسائل الأهل والمعتقلين. وفي 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 عُقد القران وصدر كتاب ” للسجن مذاق آخر”. كانت منار بين أهلها وأهله، وكان هو مجرّد صورة في قاعة الإحتفال، فالجسد في السجن والروح معها. كان للزواج الإستثنائي مذاق آخر، مذاق الحرية والكرامة والصبر والتضحية والتعالي عن حاجات الدنيا

افرد رواية ” للسجن مذاق آخر” مسك ختام الجزء الأول لمنار، فكتبت : “أعلم انني واسامة نسير على درب صعب، ومن قال ان الحياة درب سهل، غير أنني واسامة اخترنا ان يكون لهذا الصعب مغزى عظيم ورسالة انسانية نبيلة ، وحكمة الصاعدين الى القمم العالية . اليوم ادرك ان ما ذهبنا اليه اسامة وانا كان امتيازا يليق بمن كانت حياتهم واحلامهم وحبهم على خط واحد مع الوطن. إن طاقة الحب والأمل سوف تدفعنا للنهوض من جديد، أرواحنا اليوم تلتقي قبل أجسادنا، فكم من الاجساد تتلاقى لكنها بعيدة كل البعد عن بعضها.

وصفني البعض بالمجنونة لكن السعادة التي اشعر بها وانا استمع لاسامة وهو يقرا لي عبر الجوال مقالاته واشعاره واحملها انا الى العالم تكفينا عن كل اسباب السعادة المادية “

كنتُ أفكر بماذا أختم هذا المقال، فما وجدت أجمل وأعمق من كلام منار لحبيبها زوجها وهي تقول بحروف القلب والروح :”لاسامة الذي يكحل جفون الكلمات بحبر الروح، عهد صبية حملت جرح البلاد، وأناتِ امهات الأسرى، وحزن الأطفال المحرومين من آبائهم وعذابات الاسرى، وعد الانتظار وليس يوم اللقاء بعيد

“.

شاهد أيضاً

“الطريق إلى القدس” رواية يان غيو من ترجمة مدني قصري

(ثقافات) بعد أن ترجمت إلى لغات عديدة، صدرت رواية الكاتب يان غيو “الطريق إلى القدس” …

تعليق واحد

  1. موسى رحوم عباس

    الغريب أن سامي كليب ثائر في مكان وداعية حرية، وفي مكان آخر صم بكم عمي …. هذه من غرائب اليسار العربي العتيد، مع رشة توابل طائفية، لايمنع ذلك!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *