الرئيسية / خبر رئيسي / نصير شمّه: بيت العود منارة الموسيقى الإنسانية

نصير شمّه: بيت العود منارة الموسيقى الإنسانية

* ساسي جبيل

اعتبر الفنان والموسيقي العالمي نصير شمة أن تكريمه في الدورة الثالثة من مهرجان المونودراما الدولي بقرطاج والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو» مؤخراً، اعترافاً ضمنياً بمسيرته الفنية مع العود والتي تجاوزت ثلاثة عقود، عمل خلالها على الإضافة الموسيقية والاشتغال على التأسيس ليفيد الأجيال، ولكي لا تندثر آلة العود في ظل هذا الصخب الفني الذي نعيشه في أيامنا.
وقال شمة في حواره مع «الاتحاد»: على مر السنين ومنذ عام 1993، علاقتي بتونس عميقة ووطيدة، سكنتها وسكنتني، فثمة وجد خاص يربطني بها، لأنني فيها دخلت الموسيقى من أوسع أبوابها، ومنها انطلقت نحو العالم الرحب، ما زالت تونس تسكنني ولها بصمة خاصة على روحي، وما زلت أحتفظ معها بعلاقة لا تمحي من الذاكرة، فعلاقتي بها أبدية وحقيقية وخالية من كل المصالح الآنية، وأسست فيها لعلاقات إنسانية جميلة جداً خارج الفن، فالتكريم في تونس كأنه تكريم في العراق، فالفنان يفرح عندما يكرم في بلده، وهذا التكريم يحملني مسؤولية أكبر، فقد أتى على قدر المحبة والإبداع.
أوضح شمة أن «بيت العود» في أبوظبي بدأ العمل عليه منذ عام 2008، ومنذ ذلك الوقت وهو يعزز مكانة الموسيقى العربية، والآلات الموسيقية العربية، مثل: العود، والقانون، والكمان العربي، وقسم الأصوات، كما تم إدخال الآلات جديدة تم صنعها وأضيفت إلى عائلة العود.
وتابع: أصبح بيت العود في أبوظبي مكاناً حقيقياً لتخريج الموسيقيين، وأول الخريجين هو الفنان علي عبيد الذي يشرف الآن على أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة، وفيصل الساري الذي يقدم عروضه داخل الإمارات وخارجها، كما أن عدداً من الشباب العربي الذين تخرجوا من بيت العود يقدمون عروضهم الفردية، ويدرسون العود في أكثر من فضاء فني وأكاديمي وأغلب مدرسي بيت العود يدرسون بمعاهد بيت العود العربية، لافتاً إلى أنه أصبح مركزاً عالمياً ومركزاً إقليمياً لدول الخليج العربي، ومعظم الشباب، سواء من الدارسين بالمرحلة الثانية أو من الخريجين أصبحوا لامعين جداً ويقدمون عروضهم وإسهاماتهم ودروسهم وتسجيلاتهم تملأ السوشيال ميديا، وهم نتاج لتجربة مهمة خصوصاً من خلال تطوير صناعة وآلات موسيقية جديدة من عائلة العود، وبالتالي هناك صوت جديد سيستمع إليه كل العالم انطلاقاً من أبوظبي، وهو تأسيسنا لأوركسترا كبيرة تضم الآلات الجديدة التي خرجت من آلة العود.

ملتقى العود

وعن أهم البرامج التي يعدها بيت العود قال: من خلال وجودي في العاصمة الإماراتية اتفقنا على تقديم ملتقى العود الدولي بالتعاون مع مهرجان أبوظبي ونحن نعمل على تصويره بنحو 30 دولة بالعالم ولم يبق منها إلا القليل، وسيكون من خلال 6 سهرات تضم أغلب التجارب العزفية الموجودة وصناع العود والباحثين في مجال العود والموسيقى، وستكون من أكبر التظاهرات الفنية الدولية التي تنطلق من أبوظبي.

الراهن العربي

عن الراهن العربي الحالي تحدث شمة عن مصير الموسيقى العربية وعن قراءة الفنانين للمشهد، وقال: الأحداث التي أصابت الأمة العربية خلال السنوات الأخيرة طالت كل القطاعات تقريباً، ولم تقتصر على مجال الموسيقى إلا في بعض البلدان التي نأت بنفسها عن الدخول في دوامة الصراعات واكتفت بالعمل من أجل المستقبل، مشيراً إلى الواقع العربي ألقى بظلاله على المشهد برمته، فطال كينونتنا وثقافتنا وموسيقانا وفنوننا التي سحقت في هذه المرحلة، وستكون آخر من سيعود، فلقد سحقت الثقافة رغم أنها على صلة وطيدة بالإنسان، لكنها اليوم تحتاج إلى بيئة خصبة ومستقرة اقتصادياً وسياسياً ونفسياً واجتماعياً حتى تنمو، وبالتالي يمكن أن يكون هنالك دور لعودة الحياة من خلال الثقافة، لكن الإبداع في مجال الثقافة سيحتاج إلى وقت طويل وجهد أكبر في المرحلة القادمة، وسيكون ذلك عن طريق جهود الأجيال اللاحقة التي تحتاج إلى استيعاب كل ما يحصل لتقديم إبداع مختلف على غرار ما قدمه الأول من الرواد والمبدعين العرب من مخرجين وفنانين وقائمين على الشأن الثقافي والفني عموماً.
وأضاف: نحن نعيش في زمن صعب ومتوتر وسريع، ولم يلتحق الجيل الجديد لتأسيس نفسه مثلما حصل مع الجيل السابق والجيل الذي سبقه، فكل جيل تقل ثقافته عن الجيل الذي سبقه، لأن الحياة تزدحم أكثر ولم يعد هنالك وقت للقراءة، والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي جعلت ثقافة الجيل الحالي شفهية إلى أبعد الحدود وثقافة عناوين، وهذا لا يؤسس لرؤية إبداعية كبيرة، فالواقع العربي الموسيقى لا يختلف عن واقعنا، حيث لا يمكن عزله عن إطاره، فعندما تخبو كل القطاعات وتعيش أزمات ينسحب ذلك على الموسيقى التي هي عنوان لكل الحضارة، تسحق الثقافة في ظل هذا الوجع العربي الشامل.

5 بيوت

وباعتبار العود أحد المؤسسين في مجال معاهد العود في العالم العربي قال شمة: اليوم هنالك 5 بيوت للعود في الوطن العربي .. بيت أبوظبي والقاهرة والإسكندرية وبغداد والخرطوم، وكنت بالسودان منذ أيام، حيث قمنا بتخريج اثنين من صناع العود بمستوى عالٍ جداً رغم أن عمر بيت العود في الخرطوم لم يتجاوز السنة، وهذا في حد ذاته إنجاز لا يمكن إغفاله بالمرة، وهو قفزة نوعية للشباب العربي الذي يتلقى هذا الأمر بسرعة شديدة، وكذلك الأمر بالنسبة لبيت العود في بغداد سيحتويه قصر من قصور بغداد على ضفة نهر دجلة وسيكون من أكبر مدارس العود، وهو في الحقيقة سيقوم بتدريس آلات كثيرة وسيهتم بصناعة الآلات العربية ويؤسس لمناهج ولثقافة وجيل جديد من العازفين وسنهتم فيه بالأطفال والمرأة، مما يعزز الاهتمام بالآلات العربية بشكل كبير جداً، وبالتالي هنالك طلبات لتأسيس بيت العود في كذا دولة عربية وغربية، وكلها قيد الدراسة.وأضاف: أنضج مشروع، هو الذي سيعلن عنه قريباً، فهناك أربعة طلبات الآن لتأسيس بيوت للعود وأحتاج لسنتين عن كل بيت عود حتى أقبل بيت العود الذي يليه، فالمسألة ليست ربحية أو تجارية، وإنما هي تأسيس لفعل ثقافي.

«الحياة»

كشف نصير شمة عن أن آخر عمل سجله وصوره منذ أيام هو «الحياة»، بطلب حصري من مهرجان أبوظبي، وسيرى النور في ملتقى العود بأبوظبي وتحديداً في السهرة الختامية، وعنه قال: استلهمته حينما اضطررت للبقاء مدة (بدون سفر) عالقاً، وفي بيتي سجلت مجموعة أعمال سميتها أبواب، وهي عشرة أبواب صوفية، وكل باب يفتح على نافذة من النوافذ الروحية العميقة، وهي نتاج لكل ما قرأته واسترجعته، وجسمته بالفعل في هذا العمل الفني الضخم، وبمجرد عودة الحياة إلى سالف عهدها قبل «كورونا» دخلت الاستوديو في أبوظبي سجلت كل الأعمال التي أعددتها خلال فترة الستة أشهر الاضطرارية وقريب جداً ستصافح أسماع الجمهور، لافتاً إلى أنه منشغل حالياً بتسجيل الموسيقى التصويرية لمسلسل عراقي بعنوان «الهروب».

 

  • عن جريدة الاتحاد

شاهد أيضاً

معجم «مفاتيح التراث» للدكتور محمد عبيد الله.. مشروع معرفي ضخم

 مجدي دعيبس   عندما شرعتُ بقراءة المقدمة التي وضّح فيها الدكتور محمد عبيد الله منهجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *