الرئيسية / خبر رئيسي / خُوليــــــــــــــــــو – قصَّة قصيرة

خُوليــــــــــــــــــو – قصَّة قصيرة


  • الأديب السُّوري موسى رَحُوم عبَّاس

      حلَّ عليه لعنةً لا تفارقه ليلَ نهارَ، ذلك الاسمُ ” خوليوغوميز”  الذي يتصدَّر جواز سفره، منذ أن هبطت طائرته من سانتياغو فجرا في مطار ” شارل ديغول” في باريس، حينها أخذ الشرطي بتقليب صفحاته مرَّة بعد أخرى، وهو يصفِّرُ تارةً، أو يقلب شفته السُّفلى متنقلا ببصره بين الجواز ووجه هذا المسافر القادم من جنوب أمريكا، قال وهو يشيرُ إليه بيده بلطفٍ مُتكلَّفٍ:

– مسيو هوليو، تقدَّم !

– خوليو، بل خوليو، مسيو، قالها وهو ممسك بحَنْجَرَتِهِ؛ ليظهرَ له مخرجَ حرف الخاء.

– نعم، نعم، هوليوغوميز

   ربما استغرب شاربه الكثَّ، أو لونَ بشرته، أو لغته الإسبانية المُتقنة التي يُصِرُّ على التحدُّثِ بها رغم إلمامه بالفرنسية، كيف لا وهو خريج كليَّة اللغات!

   في غرفته الصَّغيرة في حي “بِرْباس” الباريسي الفقير، يقضي جُلَّ وقته في إعادة قراءة روايات إيزابيل الليندي التي يحبُّها، بيت الأرواح، باولا، عن الحبِّ والظلال، ما وراء الشِّتاء، … ولا أعرف لماذا كان يضحكُ من قصة انتحار قريبها الرئيس سلفادور الليندي بعد هجوم الجنرال ” بينوشيه” على القصر وانقلابه عليه، ربما تذكِّرهُ بانتحارات أخرى وأمكنة أخرى،  يضحك، يضحك ضحكة مكتومة، وهو يمسكُ برأسهِ.

    تنقل بين أعمال كثيرة في هذا الحيِّ من الفرن إلى مطعم التوانسة إلى موزع حليب تابع لإحدى المؤسسات الإنسانية، وعندما يطرد من عمل وينتظر فرصة أخرى، كانت جارته العجوز اليهودية المغربية أدِيفا تتكفل بطعامه، وتقول له: أنتَ تذكِّرني بحارتي حارة الملَّاح في فاس، وتسميها ” البْلاد” فيضحك مداعبا، وأنت تذكِّرينني بجدَّتي مريم في ” البْلاد”

    يعود لصمته، فللجدران آذان كما كانتْ أمُّه تقول له قبل النوم تعويضا عن حكايات “أليس في بلاد العجائب” التي لا تعرفها، لم تكتمل ضحكته عندما التقط ورقة صغيرة أُلقيتْ من فتحة البريد المعدنية بالباب، تستدعيه إلى مركز الشُّرطة في الحيِّ.

– مسيو هوليو، وصلنا إبلاغ من دولتك عبر الانتربول بأنَّكَ شخصٌ خَطِرٌ!

– خَطِرٌ على مَن؟

– على أمنِ المجتمع، فالمخدِّرات والأسلحة  تهديدٌ لأمنِ  الجميع!

– وما علاقتي بالمخدَّرات والأسلحة، سيدي؟

– هوليو غوميز عضوٌ في عصابة دوليَّة، هكذا يقول عنك وطنك! وأنَّك هرَبتَ مع كميةٍ كبيرة من الأموال!

أرادَ أن يشتمَ الجميع، أن يلعنَ، صرخ، بكى، ضحك بصورة هستيرية، حتى إنَّه تفوَّه بكلمات عن رغبته بالانتحار، لم يهتم له أحدٌ، ربما أنصتَ له بعضهم عندما شرع بالغناء، ذلك الغناء الحزين الذي يجعل الرُّوح تصعد عاليا، وبين القرار والجواب تحترق مدنٌ، وتنبت أزهارٌ مدمَّاةٌ، تشرَّبت بأرواحٍ مقهورة، تضيق عليها الدروبُ، وتطبق عليها الأودية، وليس إلا هذا الخواءُ يردِّدُ الصَّدى، بينما كانتْ حقيبتُهُ تندلقُ أحشاؤها أمامه، وكومة كتبه وأوراقه كلها أُحْضِرَت للمركز من غرفته.

  شعر بلذَّة النَّصر قليلا، وهو يشيرُ إلى كلِّ شيءٍ من تلك الكومة يخصُّه، فلا أسلحة ولا مخدرات، هو كاتبٌ يحبُّ الأدب اللاتيني، وحسب، يحبُّ كتبه، وينتشي بالغناء الإسباني أكثرَ من غَجَريٍّ، يحبُّ الرَّقصَ والعزفَ، لا أكثر!

لوَّحَ الضَّابطُ بيده أمام عينيه، وهو يطرقُ الأرضَ بقدمه غاضبا، ما هذا؟ قل لي  ما هذا مسيو؟ مَنْ أنتَ بحقِّ السَّماء؟

إنَّه يحملُ جوازي سفر، الأول يحمل الألوان الثلاثة لعلم تشيلي وهو يشير إلى أنَّ صاحبه هو خوليو غوميز، والثاني يحمل اللون الأزرق ويقول إنَّ صاحبه هو المواطن خَلُّوف الجمَّاز، ومكان ميلاده الرَّقة السُّورية! والصُّورة نفسها لا تتغيرُ، الشَّارب الكثُّ القذر عينه، والبشرة الكامدة التي لا تُنبيك بشيء كأنَّها حياديةٌ تماما أمام هذا العالم العاهر، وكان يردِّد كثيرا شتيمة فرنسية معتادة!

مَنْ أنتَ؟ مَنْ أنتَ؟ من أنتَ؟ بقي الصَّدى عالقا في الفراغ، ولا إجابة! وكان الصَّدى غيمةً تتكوَّرُ عاليا وعينا خوليو غوميز، أو هوليو، أو خَلُّوف تطاردها إلى قُبَّة سَمَاءٍ يرجو أن تغيثَ قلبه، أراد أن يعترف أنَّه هؤلاء جميعا، وأنَّه من هنا وهناك، أراد أنْ يخبرهم أنَّ الوجعَ يمحو الفروقَ بين خُوليو وخَلُّوف، فالخوف بحيرة عميقة نسقط بها ولن تسمعوا سوى الأنين، والأنينُ لا لغةَ له، بينما كانوا يدفعون به إلى سيَّارةٍ مُعتمة النَّوافذ تهمُّ بالانطلاقِ إلى جِهةٍ يجهلُها! وكأنَّهُ يرى  خلف الزجاج خيالَ جيرانه والعجوز أديفا وسُكَّان الحيِّ من الملعونين مثله يلوِّحون له بأيديهم المُتعبة وعيونهم الدَّامعة!

شاهد أيضاً

الفكر الإسلامي خلال مئة عام: نكوص أم تجديد..؟

*زياد أحمد سلامة   تمر على العالم الإسلامي هذه الأيام ذكرى مرور مئة عام على …

تعليق واحد

  1. موسى رحوم عباس

    مع التحية والأمنيات الجميلة لثقافات و الأديب الباحث يحيى القيسي، هكذا نحاول أن نشعل شمعة وسط كل هذا الظلام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *