الرئيسية / خبر رئيسي / المعتقد الذي ألقى الله عليه

المعتقد الذي ألقى الله عليه

  • أحمد إدريس

“أدين بدين الحُب ؛ أنَّى تَوَجَّهتْ ركائبُه، فالحُب ديني و إيماني.” (ابن عربي)

“هدفي هو مُصادقة العالَم أجمع، و بِوُسعِي التوفيقُ بين أعظم حُب و أشدِّ مقاومة للخطأ.” (المهاتما غاندي)

“طوبى لأنقِياء القلب، لأنهم سَيَرَوْن الله.” (السيد المسيح)

البعض بل الكثيرون عندنا إذا حاولتَ دفعهم إلى التفكير، بعقلانية و موضوعية بخصوص المسألة الدينية، فإنهم على الفَوْر و دون تَمهُّل أو تَريُّث يُلقون في وجهك : “إن الدين عند الله الإسلام” (قرآن). المُؤسف هنا هو أن أغلب مَن يُعرفون في عالَمنا هذا تحت إسم “المسلمون” يفهمون هذه الآية و أخرى يَرمون بها أيضاً في وجوهنا كالآتي : “ما أسعد مَن وُلد داخل دائرة عُنوانِنا الديني، أو التحق بها أثناء وجوده الأرضي، إذ أياً كانت سيرته – و لو غلب شرُّه خيرَه -، فمصيره الأخروي في النهاية الخلود في الجِنان ؛ ما أتعس مَن وُلد خارج دائرة عُنوانِنا الديني، و لم يلتحق بها أثناء وجوده الأرضي، إذ أياً كانت سيرته – و لو غلب خيرُه شرَّه -، فمصيره الأخروي بلا شك الخلود في النِّيران.” أنا أرى أن تفسيرها يكمُن في قوله سبحانه بأنه “خَلَق المَوْتَ و الحياة لِيَبلُوَكم أيكم أَحْسَنُ عملاً”. و الآيات القرآنية التي تًصُب في نفس المعنى بلا عدد، لكنها في الذِّهنية الإعتقادية لِبَني قومي لا تُساوي شيئاً.

يقولون و يُردِّدون إن قرآننا يشيد بالعقل، بينما هم في الواقع لا يقيمون وزناً للعقل. لقد لاحظت أمراً آلمني كثيراً و ما عُدت أُطيق السُّكوت عنه : القرآن فتح أبْوَاب التفكير الحر و التعبُّد بإعمال العقل على مِصراعيها، و جمهور المُلقَّبين عندنا بأهل العلم ما ادَّخروا وُسعاً في سبيل إغلاقها. جزء كبير من شُغل هذه الطبقة هو إنشاءُ و صناعة الأصنام الفكرية أي إنتاجُ أفكار يُضفون عليها قداسة زائفة دون أن يروا في ذلك نقضاً لِلتَّوْحيد. لهذا ما عادوا هُداةً للتي هي أَقْوَم و لا دُعاةً إلى دين قويم… ها هي الحقيقة التي لا مجال لإنكارها، بشأن الوضع الديني الحالي لهذه الأمة : القرآن الذي في أيدينا حُجة علينا و هو بريء مِمَّا نحن فيه جملةً و تفصيلاً. توجيهات القرآن و إرشاداتُه هي في واد، و الحالة العامة لأمته المزعومة في آخَر. ما زالت هذه الأخيرة على الرغم من كوْنِها الآن منغمِسة في أوحال الجهل و الفساد، و تُرتكب بين ظهرانيها أشياء حتى إبليس يُشيح عنها بِوَجهه لِهَول فظاعتها، ما زالت ترى نفسها خير الأمم و تنعتُ غيرها بالكفار و بعضاً من هؤلاء بالخنازير.

و هنا لا أجِدُ مناصاً مِن الإعتراف بأن الأمة المحسوبة على الإسلام، تكفيرية جميعُها و بِرُمَّتِها لأنها – و هي العالة على غيرها ـ تصِمُ كلَّ مَن سِواها بلفظ الكفار، و تُبشر بَرَّهم و فاجرهم بالإنتقال مِن عناء هذه الدنيا إلى شقاء الأبد. نُطالب الآخَرين بتقديرنا و احترامنا و نحن لَسنا عادلين تُجاههم بالقدر الواجب، فبالإصرار على وَصمِهم بالكفار نُعيِّرُهم جميعاً و باستمرار، مُتوعِّدين إياهم بالإنتقال مِن ضيق و عناء الحياة الدنيا إلى خزي و عذاب الأبد : مصطلح نابع مِن ثقافتنا قد اكتسب حمولة دلالية مُعَينة و الأمر الأهم أنه نشأ و تَبَلوَر في سياق تاريخي مُحدَّد، كيف لنا أن نُطلِقه اعتِباطاً و جُملةً على نُظراء لنا في الإنسانية لا صلة لهم البتَّة بهذا السياق التاريخي المُحدَّد ؟ لو يطَّلع الكثيرون من مُختلف الأجناس و المجتمعات على ما هو منشور في بعض ﺍﻟﻤَﻭَﺍﻗﻊ الإلكترونية، و بِكُتُبٍ توصف بالإسلامية بينما هي مسمومة و مملوءة كراهية و عداوة تُجاه غالِبِية عباد الله، فإنني لا أستبعد أن ترتفع أصوات تُنادي بِطَردنا من هذه الأرض و نَفيِنا إلى كَوْكب آخَر خارج المجرَّة ! لسنا مركز الكون و جلِيٌّ تماماً أننا ـ منذ عقود بل قرون ـ لسنا أفضل أُمة على وجه الأرض. الأمة تمشي على رأسها و الفساد قد عمَّ أرجاءَها و طال كل شيء فيها، و مع ذلك فهي لا تَكُف عن إعطاء دروس في الأخلاق لِغَيْرها من الأمم. و هي إضافةً إلى ذلك أشد بأساً على نفسها من ألدِّ أعدائها…

يا لَفظاعة ما تعلَّمناه من العديد من الأئمة و المشايخ ! قد يبدو للبعض أني فيما سأقوله رُبما أبالغ إلى حد ما، و هذا متعمَّد لأني في واقع الأمر أريد إحداث صدمة… صدمة آمُل و أتمنى و أرجو أن تنتُج عنها ثورة بداخل عقول المشايخ. فَمِمَّا تعلمناه منهم : المودة القلبية تجاه الآخَرين المُغايرين لنا في الدين لا تجوز، الترحُّم على موتاهم من المُوبِقات و يجلب غضب الرحيم، و الدعاء لهم بالخير قد يُخرج من المِلة فهو بالتالي لا يجوز. لذا تخلو خُطَبُ و مَواعظ مشايخنا من أيِّ دعاء بالخير العام لصالح غيرنا. المسموح به و الذي لا يُمكن البتة تجاوُزه بهذا الصدد، من طرف شيوخ يُحاول بعضُهم تقديمَ أنفسهم كإنسانيين قلوبُهم مُفعمة بالحب لكل مخلوقات الله، ليْسَ من باب السخرية عندما أُلخِّصُه في هذه الكلمات : “اللهم اجعل جميع عبادك يُقلِّدوننا في الصغيرة و الكبيرة لأننا وحدنا ننعم بالهداية و نسبح في بحر الخير و الحقيقة” ! الحقيقة التي اتضح جَلِياً أن العديد من مشايخ الأمة يُعرضون عنها و يُخاصمونها و يُناصبونها العَداء، بل لا يتردَّدون في اغتيالها، عندما تهدِّد مركزهم في المجتمع أو لا تُوافق الأهواء التي تسكن قلوبَهم و يُنافحون عنها بشدة و عِناد.

ذلكم هو توحيدهم الصافي الخالص لله، الذي يضمن لهم الخلود في الجنة، كَمُكافأة لهم على خيانتهم لرسالات الله. القرآن الكريم في وصفه لهذه الجنة الموعودة يقول بأن عَرْضَها السماوات و الأرض لكنَّ هؤلاء القوم قرَّروا، و بعد ذلك نَجِدُهم يُسَمُّون كفراً أي استقباح لهذا الزعم السخيف، قرَّروا أنه لن يسكُنها إلاَّ هم و الإمَّعة الذين عطَّلوا عقولَهم و وضعوها في ثلاجة و سايَرُوهم في غيِّهم المَهول.

القرآن الكريم نَعَت مَن لا يستحق الجنة بأوصاف أذكر منها ما يلي : “منَّاع للخير”، “يَدُع اليتيم و لا يَحُض على طعام المِسكين”، “مُعتد أثيم”. الكافِر المَلوم المَمْقوت في القرآن تلك بعض ميزاته و خِصاله، و في الأمة المُسماة إسلامية التي أنتسب إليها أُطلِقت هذه الصفة على جميع المُغايرين في المعتقد بلا تمييز، أبراراً أكانوا أم أشراراً و بالتالي ساوينا بين الخبيث و الطيِّب ! و القرآن يُعلن : “لا يستوي الخبيث و الطيِّب”. و هو يَعِد أهل البِر و الإحسان، كُلَّهم دون استثناء، بالإحسان من إله لا يظلم أحداً : “هل جزاء الإِحسان إلاَّ الإحسان ؟”. هذا كلام مَن سمَّى نفسه الرحمان ـ و هي إحدى دُرَر سورة الرحمان. فالذي بِكُل ما في وُسعه يجتنب السوء و يسعى للخير، مِن إله عادل سمَّى نفسه بالشكور كيف لا يلقى الخير ؟ و الذي يرحم مَن في الأرض، كيف لا يرحمه مَن في السماء ؟ لا يستحق وصف الكافر إلاَّ الشخص صاحب الإرادة السيئة، و في النهاية عِلمُ ذلك عند الله ؛ لا يستحق وصف المسلم إلاَّ الشخص صاحب الإرادة الخيِّرة، و في النهاية عِلمُ ذلك عند الله. لا يدخل في الإعتبار العنوان الديني، الذي قُدس على حساب جوهر الدين.

في الواقع الشيء الذي دفعني إلى التفكير بجِدِّية و عُمق و بتجرُّد مطلق في مسألة الكفر، مقال لأحد محترفي التضليل تحت عباءة الدين و هو مِن المُتورِّطين في كوارث الأمة الحالية، و المتسبِّبين بضياع البوصلة في عموم مجتمعاتنا، يزعم فيه أن مخترع المصباح الكهربائي الذي يُضيء منزلَه قد ربح الدنيا و لكنه خسر الآخرة، هو إذن على يقين و لا يُخالجه أدنى شك في أن نار جهنم هي المصيرُ الأبدي لأديسون. هذا الدجال المخادع الكذاب المتاجر بالدين الذي جمع الأموال الطائلة، و استمتع بشتى و مختلف المباهج الدنيوية أكثر بكثير من ذلك العالِم النافع للخلق الذي أحسن إليه، قرَّر أن مكافأة هذا الأخير ستكون التعاسة الأزلية و الخلود في جهنم : جزاءً وِفاقاً مِن إله قائم بالقسط، شكور، لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً !

لَوْ لم يتخلَّل مسيرة الإنسانية أفراد قلائل جداً من طراز هذا الشخص الفذ أي لا يكتفون بتقليد الأسلاف، بل لَدَيْهِم الشجاعة للخروج على المألوف المُتوارَث فيجتهدون لإبتكار أشياء جديدة و يظهر إبداعُهم في شتى مجالات الحياة و هم بالطبع بشر يُخطئون و يُصيبون و نَجِدُهم في الغالب أبعد الخلق عن ادِّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة و احتكارها أو الإعتقاد بذلك، لَوْلا هؤلاء ما كنا لِنَنعم اليوم بالهاتف و السيارة و الإنترنت و لرُبَّما كان شيخُنا من مُمارسي وَأْدِ البنات…

أُمتنا تتخبَّط فعلاً في قدر هائل من الأزمات و المشاكل، و للأسف غفلنا في غَمْرَتها عن حقيقة في غاية البداهة : المشاكل لا يُمكن حلُّها باستخدام نفس طريقة التفكير التي أَوْقعت في هذه المشاكل. قناعتي أنه لا مناص من تمحيص دقيق لمفاهيمنا السائدة و قِيَمنا الرائجة التي تمارس في الغالب دوراً مُضللِّاً للكثيرين و تسهم إلى حد كبير في تزييف وعي عموم الأمة. نحن إذاً بحاجة إلى إصلاح فكري، في المجال الديني بالدرجة الأولى. المطلوب بإلحاح ليس أقل من إعادةِ بناءٍ حقيقية لِمَنظومة فكرنا الديني بالكامل. ذلك هو حجرُ الأساس لأي مشروع تحرُّري نهضوي حقيقي في البلدان المُسماة إسلامية.

نزعة الإستعلاء الديني المُتجذِّرة في أمتنا التي هي في انحدار مُستمر منذ قرون، أنتجت عقلية ضيِّقة و مُنغلقة صارت أمارتَنا بين الكائنات ؛ سبب ذلك جهل مُطبِق بالآخَرين و بما في ثقافاتهم و معتقداتهم و فلسفاتهم من كنوز، و نِسيانُ المخزون لدى أي إنسان سَوِي من الخيرات. الإنفتاح المتبصِّر على الآخَرين و ثقافاتهم و الكفُّ نهائياً عن ازدرائهم و تعييرهم بلفظ الكفار، ذلك هو ضمان إسهامنا الفعَّال في بناء حضارة الحُب و السلام التي يهنأ في ظلها جميع الخلق.

الخالق سبحانه لو شاء لجعل البشر جميعاً أُمة واحدة أو نُسَخاً متطابقة، لكنه أراد أمراً آخَر تماماً ـ القرآن واضح بهذا الشأن -، و ذلك لحكمة تخفى على العقليات الضيِّقة المحدودة و الألباب العاطلة. فلِلأسف ما زال عَصِياً على أذهان جمهور مشايخ الدين، إدراكُ قيمة التنوُّع – إذ هو قانون الحياة -، و أنه بركة للناس و نِعمة جليلة عظيمة من فاطر الكون. فَلِكُلِّ ما في الوجود أهمية و دور في ضمان توازن و استمرار الحياة في هذا الكون… إننا بِأمَس الحاجة إلى ثورة بداخل عقول المشايخ. نفوسهم في حاجة إلى مراجعة شاملة و قاسية، و كذلك مجموعة تصوُّرات و أفكار و رُؤى هي الآن عندهم من المُسلَّمات، إن أرادوا أن يصيروا من رُوَّاد نهضة حقيقية. شيوخ الدين عندنا في مجملهم بحاجة إلى طريقة تفكير جديدة تُمكِّنهم من استيعاب رحابة التجربة الإنسانية على مستوى العالَم، و تُخرجهم من قَوْقعة التمايُز المَزهُوِّ عن الآخَر التي ما زالوا يتمترسون بعناد وراءها إلى الفضاء الإنساني و الحضاري الواسع. و ليبدأوا بفتح قلوبهم لجميع الخلائق و رفع حِسِّهم الإنساني… أحد كبار أئمة هذا العصر يُحرَّم لعن الدواب و حتى الجمادات، و في المقابل يُقر فضيلته سب و لعن أغلب المخلوقات الآدمية. لأن أغلب الآدميين هم في نظره مجرَّد “كفار” و سماحتُه لا يرى أي منقصة في لعن “الكفار”. يستحيل علينا أن نندمج إيجابياً في المجتمع البشري و نُقدِّم إسهاماً فعَّالاً و ذا قيمة في أَنْسَنة العالَم، ما دمنا مُصرين على استعمال لفظة تنطوي على ذم و ازدراء و قدحٍ بحق أغلب سكان هذا العالَم… ذلك لأن كُل فرد من بني الإنسان هو في صميم كِيانه عالَم بِحَد ذاته، بالتالي ليس من العدل و الإنصاف في شيء أن نَحصِر الآخَر بشكل قاطع في تصنيفات وَضَعتها عقولنا المُعبَّأة بأحكام مُسبَقة كثيراً ما تكون مُجحِفة و لا مُبرر لها، و عليه لا يجوز اختصار إنسان ما أياً كان في عنوان ديني أو غيره.

للأسف استقرَّ في مُعتقَدنا و عقلنا الجَمْعي أن أشرارنا و فُجارَنا أعَزُّ على الله من أخيار و فُضلاء باقي أُمَمِ الأرض و أسلمُ منهم عاقبة في الدار الآخرة ! لا ريب عندي و لا تردُّدَ إطلاقاً أن الشياطين هي مَن أوْحَى إلينا بكذبة مُروِّعة و بغيضة سائدة في مجتمعاتنا، رضعناها مع حليب أمهاتنا بل غُرست في عقولنا منذ الولادة، و كلما كَبُر أحدنا إزداد استمساكاً بها و قد يَصِل به ذلك إلى التضحية بحياته في سبيل أنْ يُقنع بها كافة البَرِيَّة : كل مَن سِوانا مآلُهم الحتمي في الدار الآخرة، بالطبع لا فرق في ذلك بين مُحسنهم و مُسيئهم باعتبار القوم قاطبة كافرين، نار أبديَّة لأننا وحدنا المُؤهَّلون لدخول الجنة… أنا تقريباً على يقين أنه لا مُبالغة فيما أقول على الإطلاق، و إن كان هناك طبعاً أفراد واعون مُستنيرون – عَدَدُهم في تَزَايُد مُستمِر و هذا أمر يَسُر القلب -، لَيْس لديهم هذه الرؤية التي هي عندنا مَوْضِعُ شبه إجماع ! نحن أيضاً نعتقد جازمين أننا شعبُ الله المُختار و ليس بمقدورنا إنكارُ ذلك.

أقول لذلك الشيخ الجازم بسوء المصير الأخروي – كما لو أنه اطَّلع على الغيب – لرجل منقطع النظير أسدى خدمات جليلة للبشرية :

يا مَن عقلك لا يزال يعيش خارج الزمن تَوَجَّه بلباقة و بلُغاتِهم إلى هؤلاء الذين تُسميهم كفرة، أثبِتْ لهم بالدليل المنطقي و الحجة القاطعة الدامغة أنَّ فاطر السماوات و خالق جميع الكائنات و مُسيِّر مليارات المجرَّات يفرِضُ على الجميع تقليدَكَ في ما ورِثتَ عن آبائك في المجال الديني الذي ما كان لك فيه أي خيار، و بعد رفع هذا التحدي إستمر إنْ كان ذلك يُسعدك و يُريح خاطِرَك في نَعْتِ الآخَرين بالكفرة : “هاتوا بُرهانَكم إنْ كُنتم صادِقين” (قرآن). يا مغرور و مسرور بنفسك إذ تعتقد جازماً أنك على الحق فقط لأنك وُلِدتَ و نَشأْتَ في محيط ثقافي مُعيَّن، بينما الآخَر حتى لَوْ كان أرقى إنسانياً و روحانياً و أنفعَ للخلق منك فهو قطعاً في ضلال فاحش و ظلام دامس و يَتَوجَّبُ عليه، لِحُسن حظك أنت مُعفىً من ذلك و ستُجازى على كسلك الذهني بجنة الخلد، يَتَوجَّبُ عليه أنْ يتوقَّف عن السعي لمعاشه و يتفرَّغ للأبحاث اللاهوتية المُقارنة و يَتوَصَّل قبل الموت إلى أنَّ بِيَدك مفتاح النجاة، يا هذا المسألة الدينية ليست بتلك البساطة التي يتخيَّلُها أمثالك مِمَّن لم يُعملوا فيها فكرهم بتجرُّد مطلق.

يا مَن أنت في ضوء نهج القرآن على طريقة أبي جهل، إعلم جَيِّداً أنه لا قيمة للعناوين عندما تغيب المضامين… العناوين الدينية أقصد و التي لا اختيارَ إرادياً حقيقياً فيها للناس، عدا أفراد قلة سمحت ظروفهم بذلك و مِن هذه الأخيرة أنهم وُلدوا في بيئات تكفُل حرية الإعتقاد و تمنح للجميع إمكانية البحث الهادئ و الإطلاع و الدراسة الموضوعية لِكُل الفلسفات و العقائد، و لا تُكلَّف نفس إلاَّ وُسْعَها كما هو مقرَّر بهذه العبارة في القرآن. نقرأ في القرآن : “لا يُكلِّف الله نفساً إلاَّ وُسعَها”.

أنا على يقين كامل بأن الذين شرَّفوا إنسانِيَّتهم من أهل الخير أياً كانوا سيلقون جزاءً حسناً في اليوم الآخِر، لأن رب العالَمين شكور حليم عادل كريم شفوق و مُحال عليه أن يُضيع أجر المحسنين الطيِّبين الصادقين. الخطأ قد يَصدُر بطبيعة الحال من أهل الخير و الإحسان، و رُبَّما يكون في مجال الإعتقاد و عُذرُ الجميع في ذلك أنَّ ملاك الوحي لم يتجلَّ لِكل إنسان لِيُخاطِبه بِلُغتِه الأم، الخطأ الذي يَقعُ من هؤلاء سيُقابِله بالتأكيد عَفوُ الرحمان : “ليس عليكم جُناح فيما أخطأتم به و لكِنْ ما تعمدت قلوبكم و كان الله غفوراً رحيماً” (قرآن). لا أتصوَّر على الإطلاق أن الله سيُؤاخذ فاعلاً للخير ـ ما زاره ملاك من السماء و لا تلقى خطاباً مباشراً من الله ـ لِمُجَرَّد أن مُعتقده بخصوص الله قد يكون غير مُوفَّق…

نعم بعض فاعلي الخير و تاركي الشر أنكروا وجود الخالق و لكِنْ ليس جحوداً منهم أو استِكباراً، و إنما لأسباب يَجِب التمعُّن فيها مَلِياً و أخذُها على مَحْمَل الجِد – على رأسها حجمُ معاناة الكثير من المخلوقات آدمِيَّة كانت أم لا -، سَيُدافِع هؤلاء عن أنفسِهم يوم يَمثُلون بين يدي هذا الخالق و سيحكم فيهم بعدله و برحمته أيضاً. و إن في الظاهرة الطبية المعروفة اليوم تحت إسم تجربة الإقتراب من الموت ـ لا حصر للدراسات و الأبحاث حولها – لَذِكرى لِمَن فتح لها باب عقله و أصغى للذين عاشوها هنا و هناك بِسَمْع القلب… لِيَعلمْ الموشك على مفارقة الحياة الدنيا أنه لن يَجِد في انتظاره وحشاً رهيباً سادِياً عديم الإحساس، و لكِنْ رباً مُتفهِّماً حِلمُه أكبر من غضبِه كما أخبر هُداة الإنسانية، أمَّا ما ورد في القرآن من وعيد شديد بنار حامية، فإن الغاية منه ردعُ العُتاة و إيقاظُ القلوب النائمة، و ليس أنْ يُزرَع في أذهاننا أنَّ إلهنا أقسى من كبار جلادي الإنسانية، لأن العقوبة في الدار الآخرة هي لِلَّذي يستحقها فعلاً و لا أرى أنها تتعارض مع رحمة الخالق.

فالرحمة الربانية التي وَسِعت كل شيء، كما ذكر القرآن، ستشمل بطريقة أو بأخرى جميعَ الخلق. تأكيداً لهذه الرؤية نَجِد أنَّ القرآن، في مَعرِض الحديث عن الرجوع الحتمي إلى الخالق، يُؤكِّد أنَّنا جميعاً سَنُلاقي الرحمان : “إنْ كُل مَن في السماوات و الأرض إلاَّ آتي الرحمان عبداً”. و لقد وجدتُ في تجارِب الإقتراب من الموت التي عاشها بشر كثيرون من مُختلِف الأجناس و الثقافات – بدأ الحديث عنها مُنذ عقود و إنَّ فيها لآية لأولي العقول – تأكيداً لما تعِدُ به هذه الآية و مُحفِّزاً لإعتماد خطاب ديني أكثر سماحة و رأفة و إنسانية و زرعاً للأمل. لذا أنصح بالإطلاع الجاد على هذا الموضوع المُثير و الهام للغاية، الذي ما زال عندنا مُحاطاً – إلى حد ما – بجدار سميك من الصَّمت، لِكَي نظل في هلعٍ و خوف و جزعٍ من عذاب القبر إلى يوم القيامة !

و الحق أن الواقع أثبت فشل كُل محاولات سَوْقِ العباد إلى ربِّهم و بارئهم بهذا الأسلوب، بالترهيب منه بَدَلَ التشويق إليه، و خطابُ التخويف مِمَّا سَيَعْقُبُ مَوْتَ الجسد فقد فاعِلِيَّته و قدرته على التأثير في النفوس. إن الموت ما هو إلاَّ ولادة جديدة و لكِنْ في عالَم الروح و انتقالٌ إلى مرحلة تالِية في سياقِ وجودٍ لامُنقطعٍ مُنتَهاه عند الله. الله الذي من دون أدنى شك و بالتأكيد هو أرحمُ بكثير مِما يتصوَّر المؤمنون…

كفى ترهيباً للعباد من خالق إسمه الرحمان ! أهل الإحسان و الإرادة الخَيِّرة الطيِّبة و الساعون للإصلاح في الأرض لا خوف عليهم البتَّة عند الله، يوم يقِفُ الجميع بين يديه فينفعُ الصادقين صِدْقُهم، من بين هؤلاء أناس نُسمِّيهم بمنتهى الوقاحة “كفاراً” و نحن دونهم وعياً و خدمة للغير و استقامة، و يَمحقُ الكاذبين كِذْبُهم أياً كان في هذه الحياة مَقامُهم، حتى لو كانوا فيها مُبجَّلين كرجال دين و ربما أدعياء وصاية خاصة على ضمائر العباد بإسم الله… أوصلتني إلى هذه القناعة مُعايشةُ بشر مِن أصول و مشارب ثقافية شتَّى و أما مَن أحسبه مخطئاً في مسألة الإعتقاد و إن أنكر وجود خالق للكون، فأنا لا أُعطي لنفسي الحق في أن أُشكِّك في نزاهته العقلية و أحكُم عليه و أقولَ له أنت كافر و مصيرك النار يوم القيامة، بل أترك ذلك للذي يعلم ظروف كل إنسان و المُؤثِّرات التي تعرض لها في مختلف مراحل حياته و بَواطِنَه و نواياه و بواعثَه الحقيقية، لا سِيَّما و أن مِن أعظم و أخطر أسباب هجرِ و تطليق بشرٍ كثيرين جداً للدين الدجالُون مِمَّن نصَّبوا نُفوسَهم وُكلاء عن خالق الكون.

التديُّن الزائف المغشوش أضر بالبلاد و العباد مِن عدم الإنتماء الإسمي لأي دين. و ما أكثر غير المُلتزمين بالمراسم و الطقوس و الشعائر الدينية، مَن وجدناهم أزكى مسلكاً مِن أُناس هم في الظاهر شديدو التديُّن… الله يوم الحساب و الدَّيْنونَة سَيُوَفِّي كل نفس ما عمِلَتْ مِن خير أو شر، و لن يُظلَم أحد مثقال ذرَّة، فهو ينظر إلى القلوب و الأفعال و لا يكترث كثيراً لِلصُّوَر و المظاهر. ما عندي شك أبداً أن مِن بَيْن هذه الأخيرة ـ أي الصُّوَر و المظاهر – الطقوس الشعائِريَّة و حتى العُنوان الديني.

خلاصة الكلام : الكافر هو صاحب الإرادة السيئة، المسلم هو صاحب الإرادة الخيِّرة. أمَّا بشأن المآل الأخروي، لِأَيٍ كان، فأُذكِّر بني قومي بما يلي : “يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها و تُوَفَّى كل نفس ما عملت و هم لا يُظلمون” (قرآن). إذاً كل شخص سيُجادِل عن نفسِه بين يدي الرب، و الظلم مُنعدِم تماماً في المحكمة الإلهية ؛ و لا جدوى مِن التباهي بالعناوين الدينية، لأن كُلَّ واحد مِنا سيُحاسَب على أفعاله و حسب. العِبرة عند ذوي الرَّشاد بزكاة القلب و حُسن الإرادة و شرف المبادئ و نُبل الغاية و جمال السيرة. لا فضل لأحدٍ على آخَر إلاَّ بِشيءٍ هو صلاحُ القلب و العمل. بذلك فقط تنصلح أحوال العباد، و تستقيم حياة الفرد و المجتمع. و العاقبة الحسنة للمتقين و ذوي الفهم المستقيم و القلب السليم. للصالحين ظاهراً و باطناً، فعلاً و مُمارسة و ليس قولاً و دعوى باللسان فقط، و أولئك هم المسلمون حقاً. أجل أولئك هم المسلمون حقاً بما فيهم غير المسلمين بحسب فقهائنا. و أولئك مَن أثنى عليهم القرآن قائلاً بأنهم “لا يريدون عُلُواً في الأرض و لا فساداً”. تلك هي القناعة التي توصَّلتُ إليها، طول التأمُّل رسَّخها في ضميري و وِجداني، ذلك هو المُعتقَد الذي عليه ألقى الله.

“لا بد من إعادة تقديم الدين في أصوله النقية، و بلغة عالمية عصرية تخاطب الكل في كل مكان، و ليس بلغة طائفية مُنغلقة مُتعصِّبة. لا بد من تقديم الدين في روحه و جَوْهرِيَّته و ليس في شكلِيَّاته : الدين كتوحيد و خُلق و مسؤولية و عمل بالدرجة الأولى، الدين كحب و وعي كوني و عِلم و تقديس للخير و الجمال.” (مصطفى محمود، “نار تحت الرماد”، 1979)

“تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، و الأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة و لغة جديدة و مفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.” (محمد عثمان الخشت، “نحو تأسيس عصر ديني جديد”، 2017)

  • عن الحوار المتمدن

  • * كاتب من الجزائر يعيش في فرنسا

شاهد أيضاً

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *