الرئيسية / إضاءات / العلاقة بالجسد في زمن الجائحة

العلاقة بالجسد في زمن الجائحة

  • آمال قرامي

يسيطر المجتمع على أجسادنا منذ الطفولة المبكّرة، من خلال مجموعة من الطقوس المعبّرة عن القيم الاجتماعيّة والدينيّة والرمزيّة، ويُلزمنا بسلوك محدّد، وحركات، وهيئة… فيتحكّم في طريقة مشيتنا وكلامنا، ويراقب أشكال تعبيرنا عن الفرح والغضب والحزن والألم وغيرها.

ولا يتوّقف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ تعمل الجماعة على تنميط الأجساد وصناعة النماذج المعبّرة عن الهويّات والتمثلات والتوقّعات والهوامات، كما أنّها تتولّى بين الحين والآخر، زجر كلّ من تسوّل له نفسه التصرّف في جسده بدعوى أنّه يمتلكه، ومن حقّه أن يختار ما يلائمه: تجميلًا ووشمًا وتعديلًا إستطيقيًّا… غير أنّ سلطة المجتمع على أجسادنا ليست السلطة الوحيدة؛ إذ تتشابك مع هذه السلطة سلط أخرى لعلّ أهمّها سلطة المنظومة الطبّيّة، وما تفرضه السلامة الصحيّة من شروط ولا سيما في زمن الكوارث والأوبئة وحلول الجوائح.

الوجه الملثّم

لا مناص من الاعتراف بأنّ حلول جائحة كورونا أو كوفيد19 كان له أثر في تمثّلنا لأجسادنا وطريقة تعاملنا مع بعض الأعضاء لعلّ أبرزها اليد والفمّ والأنف والعين. فمذ فُرض علينا وضع اللثام تغيّرت ملامح وجوهنا، وصرنا نبحث عن الشبيه فنستحضر تجربة المرابطين الملثّمين من بني صنهاجة، ونتأمّل في صور الملثّمين الزرق من الطوارق الأمازيغ لنعقد صلة بيننا وبين أسلافنا الذين تعوّدوا على هذه الأزياء، ونهوّن على أنفسنا بالقول: ما دام الطوارق «قوم يتلثّمون، ولا يكشفون وجوههم» فلا بأس أن نضع جزءًا من اللثام على الأنف والفم. وإذا كان عدد من الرجال يجدون اليوم، حرجًا في وضع اللثام فإنّ استقراء تاريخ الملثّمين يُسعف بالحجّة الدامغة إذ قيل: «لا يكون الرجل رجلًا إلا باللثام». وهذا يعني أنّ وضع اللثام لدى سكّان الصحراء، يتجاوز وظيفتي الوقاية والحماية إلى الاستدلال على كمال الرجولة المعياريّة. وإذا علم أنّ اللثام كان يخصّ الرجال ويميّزهم عن النساء اللواتي كنّ لا يتلثمن بدا إلزامنا اليوم، جماعيًّا بوضع اللثام علامة على نبذ التمييز وتحقيق المساواة بين الجنسيين، «وربّ ضارّة نافعة».

لا مراء في أنّ علاقتنا باللثام خلال هذه الأشهر، ومدى تقبّلنا له تختلف باختلاف الجِندر/ النوع الاجتماعيّ. فلئن اعتقد عدد من الرجال أنّ اللثام يريحهم من طقس حلق اللحية والشارب أو من التنظيف والتهذيب وغيرها من أشكال الزينة، فإنّ أغلبية النساء أبدين امتعاضًا من فرض لبس اللثام الذي حرمهنّ من التجمّل بوضع أحمر الشفاه.

ورغم هذه الإكراهات فقد وجدت بعضهنّ في المساحة العلوية من الوجه ما يُغني عن إبراز جمال الفمّ. فللحاجبين سحر، وللعينين فتنة، وللرموش حركات آسرة يكفي أن نتذكّر في هذا الشأن، ما قاله الشعراء في غرض الغزل حتى نعيد النظر في مقاييس الجمال، ونراجع سُلّم ترتيب الأعضاء فيتوارى الأنف والوجنتان والفم لحساب العينين.

إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ …

قتلننا ثم لم يُحيِينَ قَتْلانا

لم تتغيّر علاقتنا بهذه الأعضاء فحسب بل صرنا نرفض المصافحة أو نتجنّبها، ونشعر بالحرج لما سيترتّب عن ذلك من توتّر الصلة بين الأهل والأصحاب. وألفينا أنفسنا نراقب حركات اليد بعد أن أضحت ناقلة للعدوى. وما عادت الملامسة وسيلتنا للتعبير عن الحبّ أو التعاطف مع الآخرين، ولا الأنف طريقنا إلى تحديد مسافات القرب من الآخر أو النفور منه. وبعد أن كانت الروائح تدغدغ حاسّة الشمّ لدينا فتغري بالقرب من الآخرين أو النفور منهم صرنا نشتمّ روائح المطهّر والمعقمّ.

وهكذا تحوّلت علاقتنا بالأجساد والأشياء، فصرنا لا نستغني عن اللثام بوصفه امتدادًا لهذا الجسم وعنصرًا مشكّلًا لهويّتنا الجديدة فهو قناع يحدّ من تفاعلاتنا الاجتماعيّة، فننتقل من صيغة المعلوم إلى صيغة المجهول لنبدو نكرات وغير مرئيين. فكم من شخص مرّ أمامنا من دون أن يُلقيَ التحيّة؛ لأنّه لم يحدّد ملامحنا، وكم من علاقات ألفة تبدّدت في عالم الملثّمين والمقنّعين والأشباح. وكم من مرّة عُدنا أدراجنا لأنّنا نسينا اللثام، وهو جواز عبورنا إلى المؤسسات، والمستشفيات ووسائل النقل وغيرها.

الجسد المنضبط

يُعَدّ الضبط الاجتماعيّ من آليات تحكّم المجتمع في الأفراد. فمن خلال إرساء المؤسسات (الزواج، الأسرة، التنشئة الاجتماعية، التربية والتعليم،…) وترسيخ أساليب المراقبة والعقاب والزجر والترهيب والترغيب وغيرها من الممارسات تُطوّع الأجساد. فيتحوّل المرء إلى كائن منضبط مقرّ بأهمية القوانين والأوامر والنواهي في تنظيم العلاقات وتأطير الحياة الاجتماعيّة. غير أنّ هيمنة قواعد حفظ الصحّة في زمن الكورونا، ومأسسة الخطاب الطبيّ سمحا بوجود أشكال أخرى من الضبط غايتها تحقيق السلامة للجميع، وإحكام السيطرة على الوضع، وكذلك ضمان الاستقرار السياسيّ.

فإذا كانت الدولة هي المتحكّمة في الخطاب الطبّي أمكنها أن تعيد تنظيم علاقتها بالمواطنين، فترسم سياسات السيطرة لا على الوضع القائم فقط، بل على الجماعة في زمن ما بعد- كورونا. فباسم الخوف من انتشار الوباء تمنع الاحتجاجات والاجتماعات وغيرها من أشكال التعبير عن الغضب والاستياء وتوتّر العلاقة بين الدولة والشعب. وما على الأفراد، في مثل هذه الحالة، إلّا الرضوخ للأمر الواقع ولبس «الكمامات» بدلالاتها الرمزيّة، وإبداء علامات القبول بالسياسات التي يصوغها المسؤولون عن هندسة الأماكن والعلاقات والمعاملات، وتشكيل الوعي الجمعيّ بأهميّة السلطة والانصياع لها. ولعلّ سعي بعض الأنظمة إلى تكريس ثقافة الخوف من الموت والمجهول، والإيحاء بأنّ الدولة هي المخلّص الوحيد والحامي قد يعود بنا إلى أزمنة تبرير الاستبداد.

الجسد المستباح

أيّ معنى للحرمة الجسديّة وللكرامة الإنسانيّة في زمن الأوبئة والكوارث؟ فبالعودة إلى شهادات الذين مرّوا بتجربة المرض ننتبه إلى أنّ الجسد الملقى على الفراش يُعَدّ رقمًا من بين أرقام أخرى يتداول الأطباء الحديث عن مصيرها بوصفها أجسادًا حاملة للفيروس، وهي محلّ تجريب لعدد من الأدويّة. وليس الجسد الملقى على السرير إلا كتلة من اللحم والعظام من بين أجساد أخرى لا تفاصيل تفرّق بينها إنّما هي أجساد موضوعة على ذمّة الأطباء والممرّضين يُتصرَّف فيها فتُعَرَّى وتنقل وتقلّب وتقيّد بالأجهزة وتعزل، وتفرض عليها الوحدة لتعيش بمفردها المحنة، وتخوض تجربة الهلع والوجع والعجز والشوق والأمل والألم…

إنّ أجساد المرضى أجساد مستلبة وفاقدة لحقّ تحقيق المصير، وليس بإمكانها ممارسة حقّ الاختيار بعد أن أضحت غير قادرة على التواصل مع الآخرين وفق إرادتها فتحوّلت بذلك إلى موضوع تحديق الإطار الطبّيّ. وليس أمام الأجساد العليلة إلّا محاولة التأقلم مع الوضع والتعوّد على مكان تنتشر فيه رائحة الأدوية، وتسوده أصوات أجهزة التنفّس الاصطناعيّ، إضافة إلى التكيّف مع أوامر أطبّاء أجهدهم التعب، يلقون نظرات عابرة بين الحين والآخر. فهل تنجح الأجساد في المقاومة، وتستميت في سبيل الحياة أم تندثر وتوارى في التراب؟

الجسد الموصوم

أن يكون المرء في دائرة «احتمال الإصابة بكورونا» أو من الأشخاص المشتبه في كونهم من حاملي الفيروس، معناه أن يتحوّل من مرحلة الشعور بالأمان وما تضفيه السلامة الصحيّة على صاحبها من إحساس بالقدرة على العمل والتنقّل والنشاط… إلى مرحلة اللايقين والشكّ والقلق والتوتّر والخوف من الآتي، وما يترتّب على ذلك من إعادة بناء للعلاقات وفق ثنائيات المسموح به/ المحظور، الخوف/ الأمان… فكيف لأمّ أن تعانق ابنها الوافد من بلد انتشر فيه الفيروس مصنّف ضمن البلدان الخطيرة بعد طول غياب؟ وأنّى لأب أن يحتضن ابنة طال شوقه إليها فهفا قلبه إلى عناقها؟ لا وقت للعناق والقبل ولا مجال للتعبير عن الشوق والحنين، فالسياق يفرض تحديد مسافات البعد بين الأجساد ففي التباعد ما يحقّق السلامة
ويحصّن الأجساد.

هي الهشاشة التي تلقي بظلالها علينا، فتجبرنا على التعبير عن المشاعر بالكلمات بعد أن استحال اللقاء الحميم بين الأجساد، وهي الأهواء «التيموسية الموضوعية» (المرتبطة بموضوع وهي الخوف من الموت، والخجل) التي تحوّل الكتابة الجافة إلى سيل جارف من عبارات التعاطف والشفقة والخوف، والغضب، والألم … إنّها محنة الذات الإنسانيّة حين تكتشف القصور والنقص والعجز والخواء… فتتصرّف وفق ما تمليه غريزة حبّ البقاء.

ومن آيات ذلك إيذاء المصابين بفيروس كورونا من خلال التشهير بهم على صفحات التواصل الاجتماعيّ بنشر صورهم، وخرق خصوصياتهم والدعوة إلى نبذهم وإفرادهم «إفراد البعير الأجرب» بل إنّ الوصم يتجاوز المرضى إلى الفئة المخالطة لهم من ذويهم وأقاربهم. وهكذا ينخرط الجميع في ممارسة الوصم الاجتماعيّ، وإقامة الجدران العازلة بين الأجساد وفرزها وفق معايير السلامة والصحّة فتخلق تراتبية جديدة مولّدة لممارسات تمييزيّة مخبرة عن دور العدوى في بناء العلاقات أو هدمها.

الجسد الموبوء

يسيطر الفيروس على الأجساد فينهك بعضها ويعرضّها للمحنة بينما يُوقّع نهاية أجساد أخرى، فتتحوّل إلى أجساد موبوءة تثير الرعب حولها ولا سيما حين يتعمّد بعضٌ نشْرَ صور الجثث الملقاة على قارعة الطريق أو الجثث المحروقة. إنّها أجساد لم يُتعامل معها وفق قاعدة «إكرام الميّت دفنه» ولم تستطع أن تحظى بحقّ الرعاية التي توفّرها طقوس الموت من ملامسة برفق وتغسيل تفاضليّ للأعضاء وتطهير بالماء والسدر والكافور… ولأنّها صارت ناقلة للعدوى بات من الضروريّ إخضاعها لإجراءات التعقيم، ثمّ التخلّص منها ليلًا في مقابر يُخيّم عليها الصمت وتطوّقها أجهزة الأمن. والجسد الموبوء إذ يُقبر بهذه الطريقة يقيم الدليل على وجود أشكال دفن تحقّق انفلات الأجساد من قبضة المجتمع؛ إذ لم يعد الميّت في حوزة أهله يتدبّرون شأن رحيله وفق أحكام الدين والتقاليد والأعراف بل صار من حقّ المسؤولين عن الأمن الصحّي التصرّف في الأموات وفق تعليمات صارمة، وكذلك مراقبة أهاليهم حتى لا يتجرّؤوا على التمرّد والعصيان.

ونظرا إلى أنّ زمن الكورونا يقطع مع المألوف والمعمول به والشرعيّ والرتيب، فإنّ علاقتنا بالأحياء والأموات تغيّرت وفق التمثّلات الجديدة والسلوك المغاير للمتعارف عليه. فلا مواكب جنائزيّة ولا مآدب للعزاء ولا مكان للتآزر والذكر والدعاء. فباسم الخوف من العدوى والموت يلازم الفرد مكانه الآمن ولا يتواصل إلّا مع رهط من الناس، وباسم القانون وسطوته تُلغى آداب إلقاء التحيّة وكلّ الطقوس التفاعليّة الاجتماعيّة، وباسم قواعد حفظ الصحّة لا تقام جنائز تشييع الأموات ليحلّ محلّها التفكّر والتدبّر في علاقتنا بالحياة والموت والمرض والعزلة والدين والزمن والمكان والإنسان وسائر الكائنات والموجودات وفق فهم مختلف. فهل هو زمن التفلسف والبحث عن الأنسنة؟

ما الذي يمكن أن نخلص إليه بعد استقراء تجارب المرض ومعاينة المصابين بفيروس كورونا أو الموتى؟ وما الدروس التي بإمكاننا التوقّف عندها؟ قد يرى بعضٌ فيما حدث حافزًا على إعادة ترتيب علاقتنا بأجسادنا بعد أن خضعت لأحكام السلعنة والسوق والثقافة الاستهلاكية، فصار الاهتمام بالذات مرض العصر، وصار السلفي وسيلتنا للتعريف بذواتنا، ومن هنا حُقّ لنا صياغة عقد جديد يحقّق التصالح مع الجسد وفق قواعد مغايرة تولي أهميّة إلى الجوهريّ والباطن والأصل لا العرضيّ، والشكلي والظاهر والمعياريّ.

وبدل التركيز على الذات والتقوقع خوفا من الاندثار بات لزامًا علينا أن نبحث عن أشكال تعبير جديدة عن الرغبة، وعن وسائل مبتكرة للتفاعل مع الآخر ومشاركته أحزانه ومعاناته وقلقله… فنكسر بذلك جدار الصمت، ونتجاوز مشاعر الخجل والوصم والإحساس بالعار والإثم، ونتمكّن من أن «نعيش حياة حقيقية ضمن حياة زائفة» (جوديث بتلر).

وفق هذا الطرح لن نرى في تجربة معايشة فيروس كورونا صولات الموت وجولاته في الفضاءات الموبوءة، بل التجارب الملهمة التي ستساعدنا على نحت كينونتنا بعيدًا من ضوابط التنميط والتماثل والامتثالية والوعي المزيّف. فهل بالإمكان الإعلان عن ولادة الإنسان الجديد المستعد للتدرّب على فنّ العيش، والبحث عن «الحياة الجيّدة» (حنة آرنت) في ظلّ الهشاشة، والتعبير عن صيغ وجوده المتفرّد؟ إنّ الهدف الرئيس اليوم «ليس أن نكتشف، بل أن نرفض من نحن» (ميشال فوكو)، ونعيد التفكير في أشكال جديدة للحضور والتواصل والوجود.

  • عن الفيصل

شاهد أيضاً

أثر الفن الإسلامي على التشكيل الغربي

د. حورية الظل يعد الفن الإسلامي من الفنون التي استطاعت أن تساير كل العصور، محملة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *