الرئيسية / فكر / الشبيبة التونسية و التعريف بالقضية الوطنية

الشبيبة التونسية و التعريف بالقضية الوطنية

الشبيبة التونسية و التعريف بالقضية الوطنية في المؤتمرات الدولية في  الثلث الأول من القرن العشرين  

 

محمدعلي الشتيوي باحث / تونس  

 

مقدمة : 

 شهدت الحركة الوطنية التونسية بعد فترة من الركود تطورا كبيرا في التعبئة الشعبية وفي نشر الثقافة السياسية بين الأهالي نتيجة النضج الفكري و السياسي لرواد حركة الشباب التونسي واتصالهم بحركات التحرر الوطني في العالم ، وانطلق هؤلاء الرواد بروح حماسية مشبعة بالوطنية للتعريف بالقضية الوطنية في المنتديات الدولية في الثلث الأول من القرن العشرين ومحاولة التأثير في الرأي العام العالمي واستمالته من أجل مساندتهم في نضالهم ضد المستعمر الفرنسي وللتعبير عن برنامج حركة الشباب التونسي الإصلاحي و التحديثي وعن الهواجس الوطنية ومعوقات الرقي الفكري و الحضاري . 

1)   المشاركة التونسية في مؤتمر مرسيليا في شهر سبتمبر سنة 1906  

انطلق رواد حركة الشباب التونسي في التعريف بالقضية الوطنية في المحافل الدولية من خلال المشاركة في مؤتمر مرسيليا الذي امتد من 5 إلى 9 سبتمبر 1906 ودعت إليه جمعية الاتحاد الاستعماري الفرنسي وكان محمد الأصرم (1866 -1925) ممثلا لتونس في هذا المؤتمر وقدم تقريرا عرض فيه أهم المطالب الوطنية المشروعة وأبرز ما جاء في مداخلته تأكيده ” على تسريع التقارب الفرنسي التونسي ويكون ذلك بضرورة تعليم اللغتين العربية والفرنسية وقبول أبناء الوطن وإدماجهم بسرعة في الحياة الاجتماعية الاوروبية ثم القضاء على أسباب العداوة بين المستعمر و الاهالي، إضافة إلى أهمية التنويه بكل الاتفاقيات و سياسات الشراكة في مختلف المحافل الدولية وذلك بمساعدة وسائل النشر والإعلان الفرنسية والعربية ، مع ضرورة إشاعة أفكار التسامح و التقارب في المدارس الفرنسية (1). 

تطرق الأصرم في دراسته أيضا إلى مسألة تنظيم التعليم المهني وتطوير الفلاحة عن طريق التعليم العصري ومشاركة الأهالي في الإدارة وفي الحياة العامة وتحدث ” عن الوضعية الراهنة للإسلام في تونس مطالبا بإصلاح نظام القضاء الإسلامي ومقاومة ظاهرة اتباع الأولياء و الطرق الصوفية ، ودعا إلى ضرورة حماية الأحباس من كل ضروب الإتلاف “(2) 

وبين الصادق الزمرلي  تعقيبا على مداخلة محمد الأصرم في المؤتمر أنه ” للمرة الأولى حسب اعتقادي يسمح لأحد المسلمين في وثيقة رسمية لا فقط بالتعبير عن أفكاره بل أيضا بنقد أفكار غيره “(3) 

لقد شد الرجل انتباه الحاضرين بسعة ثقافته وعمق اطلاعه وتحليله للاوضاع في تونس في ظل الحماية الفرنسية وتمكن من التعبير بكل حرية عن هواجسه الوطنية مركزا في خطابه على أربعة محاور : 

أولا : تأكيده على سماحة الدين الإسلامي ودعوته إلى مقاومة التعصب الديني  

ثانيا : إشارته إلى انحرافات في سلوك المسلمين نتيجة اتباعهم الطرق الصوفية وتقديس الأولياء الصالحين  

ثالثا: دعوته إلى تدعيم التقارب الفرنسي – التونسي وتركيز آلية التفاهم و الحوار بين الطرفين ” فقد استوحى جملة مقترحاته من رغبته في البحث عن طرق التعجيل بتقارب الجنسين الأمر الذي لن يتحقق مالم يتمكن الشعبان من التفاهم المتبادل .(4) 

كان هذا التوجه في خطاب محمد الأصرم خيارا استراتيجيا يعبر عن برنامج حركة الشباب التونسي الذي يدعو إلى إرساء سياسة ” تشريك ” حقيقية مع المستعمر الفرنسي حتى يتسنى القيام بالإصلاحات الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية وتحديث المجتمع التونسي وكان واثقا من ” ضرورة الاتفاق بين الفرنسيين الأحرار بفرنسا وبين الجيل المتخرج من مدارس الإيالة ، مما يسهل على المجتمع التونسي أن يتطور تطورا سليما .” (5) 

رابعا : دعوته إلى نشر التعليم فقد ركز الأصرم اهتمامه على ضرورة تدريس اللغة العربية معبرا عن أسفه من أن تعليم هذه اللغة رمز الهوية العربية الإسلامية مفقود في أغلب المدارس الفرنسية ، ودعا أيضا إلى إعادة تنظيم الكتاتيب وإلحاقها بالمدارس الفرنسية العربية مؤكدا على إجبارية التعليم ومجانيته . 

وحمل محمد الأصرم الاستعمار مسؤوليته عن تخلف الاهالي وتفقيرهم في جرأة وشجاعة” إنه يمكن القول من دون مبالغة بأن الاستعمار هو المسؤول في البلاد التونسية عن تفقير الأهالي .”(6)  

لقد كانت مشاركة محمد الأصرم في مؤتمر مرسيليا سنة 1906 تعبر عن رؤية استراتيجية للنضال الوطني تعكس فكر حركة الشباب التونسي وتطور برنامج عمله السياسي و الثقافي و الاجتماعي وهو ما جعل المستعمر الفرنسي يعتبر الحركة خطرا حقيقيا على وجوده لذلك سيعمل بكل الطرق على محاصرتها و القضاء عليها في المهد . 

2)  المشاركة التونسية في مؤتمر شمال إفريقيا بباريس سنة 1908  

تواصلت المشاركة الفاعلة لأفراد حركة الشباب التونسي في المنتديات الدولية للتعريف بالقضية الوطنية وتعبئة الرأي العام العالمي المساند لحركات التحرر الوطني للضغط على سلطة الحماية من أجل القيام بالإصلاحات الضرورية على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي ، وفي هذا الإطار وجه الاتحاد الاستعماري دعوة إلى بعض أفراد الحركة من النخبة المثقفة و المستنيرة للمشاركة في مؤتمر شمال إفريقيا الذي انعقد بباريس من 6 إلى 8 أكتوبر سنة 1908 لدراسة شؤون إفريقيا الشمالية ” واستدعى رجال الاقتصاد الناشطين في المستعمرات ، كما وجه الدعوة إلى كل الشرائح السياسية وممثلي الأحزاب في الإدارات الاستعمارية ، ومن تونس تمت دعوة سبعة أشخاص للتعبير عن آرائهم وعرض مطالبهم الوطنية “(7) 

لقد مكن هذا المؤتمر النخبة التونسية من الاحتكاك بممثلي المعمرين ، وسواء ” قبلت رغبات التونسيين أم رفضت فإن مجرد عرضها يعد حدثا له أهمية كبرى ، وإن تمكن الشباب التونسي من إبلاغ صوتهم وبالخصوص فرض انفسهم في مثل هذا المجلس ، ليعد تتويجا لحركتهم ، وقد بلغوا بذلك أوج إشعاعهم في فرنسا ” (8)   

حظيت مسألة التعليم أكثر من غيرها باهتمام المؤتمر ، وكان خير الله بن مصطفى (1867 -1965)  من أول المشاركين في فعاليات هذا المؤتمر الدولي وتقدم بدراسة قيمة بعنوان ” التعليم الابتدائي الأهلي في البلاد التونسية ” وجه فيها نقدا لاذعا للكتاتيب وطرق التدريس بها ” ولا نعرف نقدا أعنف مما وجهه خير الله  للكتاتيب باسم كافة الشباب التونسي الذين كانوا يرومون الاستعاضة عنها بالمدارس الفرنسية العربية” (9) 

إلا أن الرجل وبحكم تكوينه المتشبع بالتراث العربي الإسلامي ” كان شديد التمسك بالماضي فلم يتنازل عن ضرورة التكوين العربي الإسلامي الموروث وفقا لسنة عريقة ” (10) 

نادى خير الله بن مصطفى ببعث المدرسة القرآنية العصرية وتطوير أساليب التدريس بها على نحو مناهج التدريس في مصر وسوريا ، وقد وصف في تقريره وضعية الكتاتيب المتردية من حيث الإضاءة و الرطوبة و التهوئة . 

كما تعرض إلى طرق التدريس في الكتاتيب وهي طرق رديئة جدا وتقليدية تقتصر على حفظ القرآن دون فهمه وإدراك معانيه ، لذلك دعا المقرر إلى تطوير الكتاتيب حتى تكون قادرة على استيعاب علوم العصر ، ولا يكون ذلك إلا ” بإنشاء كتاتيب عصرية جديدة تقوم على حفظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية وفق المناهج الحديثة (11) 

أشار خير الله بن مصطفى إلى أن التعليم الابتدائي في تونس ” يدرس بالعربية في الكتاب او المدرسة القرآنية ويدرس بالفرنسية في المدرسة الفرنسية او المدرسة الفرنسية العربية ، ونحن في تونس لدينا 1245 كتابا يؤمها نحو 20254 تلميذا مسلما ” (12) 

لقد تمكن بن مصطفى من فتح كتاب عصري في ديسمبر سنة 1908 ولكنه لقي معارضة شديدة من قبل معظم أفراد حركة الشباب التونسي الذين كانوا مناهضين لهذه المبادرة ” لاعتقادهم أنه إذا كتب النجاح لهذه التجربة بفضل ما استقام لها من إمكانيات استثنائية ، فإنها لن تفرز في غالب الأحيان سوى تعليم منحط ، وكان باش حانبة أشدهم بأسا في المعارضة ، فأكد أن التعليم الخاص الموجود في المدارس القرآنية العصرية من شأنه ان يبقي التلاميذ في مستوى ضعيف بسبب قصور اللغة العربية على التلاؤم مع الأفكار العلمية ” (13) 

إن قضية الكتاتيب قد حظيت بجدل واسع بين أفراد حركة الشباب التونسي فكانت ردود الفعل متباينة بين من يؤيد هذا التوجه نحو تعصير الكتاتيب بما يتلاءم مع المناهج العلمية الحديثة  وبين من يرفضه . 

أما دراسة الصادق الزمرلي (1885- 1983 ) التي قدمها في مؤتمر شمال إفريقيا بباريس سنة 1908 فقد تعلقت بمسألة ” تعليم المرأة المسلمة ” وبين المقرر كيفية تذليل الصعوبات أمام المرأة المسلمة في تونس حتى تتمكن من التعلم وتؤدي دورها في النهضة الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية ، وحتى لا يقتصر دورها في الحياة على تدبير شؤون المنزل وتربية الأولاد، لذلك بين الزمرلي في تقريره أن ” القرآن كفل للمرأة المسلمة المساواة مع الرجل في الواجبات الدينية ، وإن تأخر المرأة راجع إلى التأويلات الخاطئة التي تراكمت عبر العصور المنقضية ، ولا علاقة للإسلام بذلك ” (14) 

إن من أهم النقاط التي تطرق إليها الزمرلي في دراسته ” ضروة إحداث مدارس للبنات المسلمات بتونس ، وتدريس جميع المواد باللغة العربية مع إدراج اللغة الفرنسية عند اقتضاء الحاجة ” (15) 

كما أكد  الرجل على أهمية تعليم الفتيات المسلمات تعليما عصريا باللغة العربية ، وذلك لسبب بسيط هو أن ” المسلم متعلق شديد التعلق بتقاليده وعاداته ولغته وهي جميعا تؤسس معالم شخصيته ” (16) 

وكان الزمرلي ” قد رفض التجربة التي نجحت في القيام بها ” شرلوت إيزنشنك” في مدرسة الفتيات المسلمات ، والسبب هو سهو المسؤولين عن إحلال اللغة العربية المقام الأول في برنامج التدريس ، وهي أكثر نفعا بالنسبة للمرأة التونسية من معرفة أية لغة أجنبية أخرى قبل أن تجد الفرصة لاستعمالها ” (17) 

كان الصادق الزمرلي في تقريره مدافعا عن تعليم المرأة التونسية باللغة العربية حتى لا تفقد هويتها أمام الغزو الفكري و الثقافي الذي تقوم به فرنسا وذلك من خلال حرصها على إحلال اللغة الفرنسية المقام الأول في التدريس ، مقابل تهميش اللغة العربية ، وهذه السياسة الهدف منها بالدرجة الأولى طمس معالم الشخصية الوطنية المعتزة بانتمائها العربي و الإسلامي ، وضمان الولاء المطلق لفرنسا. 

وكان التقرير الثاني الذي عرضه محمد الأصرم على المؤتمر يتعلق بمسألة إصلاح التعليم ، موضوعه ” وضعية التعليم العالي بتونس : جامع الزيتونة والجمعية الخلدونية أنموذجا ” وقد طالب في تقريره بإنشاء ” جامعة تونسية عصرية تتولد عن الخلدونية وتقتسم أعباء التعليم العالي عن  الجامعة الزيتونية ، إذ تبقى هذه للعلوم الدينية وتلك للمعارف الزمنية ” (18) 

تعرض محمد الأصرم في دراسته إلى تاريخ إنشاء جامع الزيتونة ومراحل التدريس به منذ النشأة والتكوين العلمي التقليدي الذي لا يواكب متطلبات الحياة اليومية و المعرفية ، وبين أهمية الجمعية الخلدونية التي تأسست لمعالجة هذا النقص في التعليم الزيتوني و الارتقاء بالعقل التونسي في تلك الحقبة من التاريخ حتى يكون منفتحا على علوم العصر “إن التعليم بجامع الزيتونة كان أساسا  تعليما دغمائيا ، فالكتب و الطرق و المواد المستعملة في التدريس لم تتغير ” (19) 

وبين في تقريره أن ” التفكير الإسلامي بجامع الزيتونة يعتبر تفكيرا محصنا لا مجال لاختراقه ” (20) 

وإذا أردنا ان نمكن الاهالي من المشاركة في رسالة النهضة يجب أن ” نؤسس جامعة تونسية عصرية تهتم بالعلوم الحديثة ، ونربي ونكون جيلا جديدا قادرا على المساهمة في النهضة الاقتصادية …” (21) 

وأكد المقرر على ضرورة انتداب أساتذة مختصين ومتنورين للتدريس بالجامعة الإسلامية ، وعلى أهمية تطوير التعليم بالخلدونية حتى نهيئها للتحول إلى جامعة إسلامية حديثة . 

وقدم أفراد حركة الشباب التونسي تقارير إضافية أكدوا فيها على اهمية المساواة الاقتصادية وتكريس العدالة الاجتماعية في ظل الحماية الفرنسية ، والاعتناء بالفلاحة التي تعتبر المورد الحقيقي للأهالي . 

أما في المجال الاقتصادي الذي حظي باهتمام المؤتمرين فقد عرض البشير صفر( 1856 -1917 ) دراسة مفصلة عن ” الأحباس بالبلاد التونسية ” تولى فيها التعريف بالأحباس وخصائصها الدينية وأهميتها الاقتصادية و الاجتماعية ، وبين تاريخ تأسيس جمعية الأوقاف ونظامها الداخلي ، وفي حديثه عن الوضعية الاقتصادية في تونس يقول ” إن الحالة الاقتصادية للأهالي آخذة في التدهور شيئا فشيئا ولم تبذل مجهودات كافية وجدية من قبل الحكومة لمواجهة هذه الوضعية المتأزمة و الخطيرة ، لذلك يجب اتخاذ إجراءات عاجلة وفورية تتمثل في دعم وتشجيع الفلاحة التونسية التي تعتبر العصب الحيوي للتونسيين ” (22) 

واقترح في تقريره ” حماية ودعم الأحباس باعتبارها موارد أساسية للأهالي وتنمية الاقتصاد الوطني ، وتحسين وضعية الفلاحين التونسيين ، وتشجيعهم على الإنتاجية وفق معايير الفلاحة العصرية ” (23) 

وطالب البشير صفر المؤتمر بان يعتبر ” كل إجراء يرمي إلى حرمان التونسيين من حقوقهم الطبيعية عملا ظالما غير مشروع وخيم العواقب من الناحية السياسية “(24) 

كان  هذا التقرير حول الأحباس بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس بالنسبة للمعمرين الفرنسيين الذين صبوا جام غضبهم على المقيم العام لأنه سمح للنخبة الوطنية بالمشاركة في المؤتمر و التعبير بكل حرية عن المطالب الوطنية ما من شأنه أن يثير الرأي العام الفرنسي و العالمي ويشكل بالتالي خطرا على وجودهم . 

قدم عبد الجليل الزاوش ( 1873 -1947 )  للحاضرين في مؤتمر شمال إفريقيا ثلاثة تقارير تتعلق بالأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية بالبلاد التونسية حظيت باهتمام الجميع . 

كان التقريرالأول بعنوان ” وضعية الفلاحة الأهلية بالبلاد التونسية ” قدم فيه شرحا دقيقا لحالة الفلاح التونسي المثقل بالضرائب ، إضافة إلى تردي الفلاحة في مختلف المناطق نتيجة الإهمال من قبل سلطات الحماية ، أوعجز الفلاح عن توفير حاجيات ومستلزمات الأرض ، وأكد في تقريره على ضرورة التعليم الفلاحي للأهالي وتكوينهم تكوينا عصريا وذلك بتوفير مدارس فلاحية ومهنية ، وتشجيع الفلاح التونسي بدعمه ماديا ، وركز في مداخلته على النقاط التالية :”  

-نشر وتعميم التعليم الابتدائي و الفلاحي في أوساط الأهالي  

-تمكين الاهالي من الملكية الصغيرة  

-الاستعاضة عن المجبى بأداءات أخرى تستخلص بحسب الثروات  

-إنشاء بنوك فلاحية وتمكين الأهالي من القرض الفلاحي  

-إحلال العنصر الأهلي مرتبة عادلة في الغرف الفلاحية الفرنسية ” (25) 

يعتبر الزاوش من أبرز عناصر الشباب التونسي الذين اعتنوا بقضية الخماسة ” لذلك تناول  في تقريره الثاني ” حالة الخماسة او المزارعين بالبلاد التونسية والوسائل الكفيلة بتحسين وضعيتهم ” 

وطالب بحذف بنود قانون 13 أفريل 1874 التي ” تحد من حرية الفلاح وتنص على سجنه  كما طالب إدارة الحماية بأن تكون عادلة إزاء الخماسة ، وأن لا تكون قاسية معهم ، ودعا إلى إلغاء ضريبة المجبى ، وشدد على ضرورة تعصير الفلاحة وذلك عن طريق نشر التعليم المهني و الفلاحي ” (26)  

واصل الزاوش خلال هذا المؤتمر الدولي  الحديث عن الوضع الاقتصادي وتأثير السياسات الاستعمارية في الحالة الاقتصادية المتردية للبلاد التونسية حيث تناول في تقريره الثالث موضوع ” صناعات المدن والأجور بالبلاد التونسية ” ودعا فيه إلى ضرورة تحسين وضعية العمال البسطاء وتحقيق النهضة الصناعية وهي الحلقة المفقودة في الاقتصاد التونسي وركز على مجموعة من النقاط : ” 

-يجب على سلطة الحماية مضاعفة عدد المدارس الابتدائية و المدارس العليا ، وأن تكون متاحة لكل الاهالي دون استثناء أو تمييز  

-تنظيم التعليم المهني حتى يشمل مجالات صناعية معينة كالنسيج وصناعة الخزف  

-ضرورة إنشاء فرع في المعهد الصادقي يهتم بالتعليم التجاري وتأسيس مدرسة للتجارة بتونس  

-يجب على الدولة ان تيسر إنشاء المؤسسات التعاضدية  

-ضرورة منح قروض للمؤسسات  الصغرى وصغار التجار  

-إحلال التجار و الصناعيين الأهليين مرتبة عادلة في الغرف التجارية  

-المساواة في الضريبة بين العمال الأهليين و العمال الأجانب  

-احترام حقوق الشغالين وضرورة سن قانون الشغل “(27) 

كان لهذه التقارير أثر كبير على الحركة الفكرية والسياسية التونسية ، ووقع شديد على المعمرين الفرنسيين ، وإن ذلك ليعد ” تتويجا لحركتهم وقد بلغوا بذلك أوج إشعاعهم في فرنسا “(28) 

واعتبرت الجالية الفرنسية مواقف الشباب التونسي في مؤتمر شمال إفريقيا ” تحديا لا يمكنها السكوت عنه … ” (29) 

وهو ما حمل ” أوجان ايتيان ” على القول بضرورة ” الحرص الدائم على استبقاء السيطرة الفرنسية وتوطيد أركانها ” (30) 

في حين كان ” جونار ” متعاطفا مع أفراد البعثة التونسية ” منددا بالمواقف المتحجرة التي صدرت من بعض  الحاضرين في المؤتمر ، فألقى سؤالا يتماشى مع مشاغل الشباب التونسي إننا غزونا الأرض ، فهل نجحنا في غزو القلوب ” (31) 

أحدث هذا المؤتمر تحولا فكريا وسياسيا في تاريخ الحركة الوطنية التونسية ، وقد استطاع أفراد حركة الشباب التونسي استمالة جزء كبير من الرأي العام الفرنسي رغم المعارضة الشديدة من قبل المعمرين المتطرفين ، وطالبوا بصوت عالي سلطة المستعمر القيام بإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية في مستعمراتها وتشريك الأهالي في الحياة العامة.  

هذا التحول في مسار الحركة الوطنية سيعطي دفعا قويا للشباب التونسي المثقف لمزيد المشاركة في المؤتمرات العالمية والتعريف بالقضية الوطنية في المحافل الدولية للضغط على المستعمر الفرنسي . 

لكن هل ستقتصر المشاركة التونسية على المطالبة بإصلاحات في إطار الحماية ، أم ستشهد تحولا جذريا نحو المطالبة بالاستقلال ؟ 

3)   المشاركة في مؤتمر بروكسيل للشعوب المستعمرة سنة 1927 

شارك المناضل السياسي  و المفكر التونسي الشاذلي خيرالله ( 1892 – 1972 ) سنة 1927 في مؤتمر بروكسيل للشعوب المستعمرة الذي نظمته الرابطة العالمية لمناهضة الإمبريالية و الاستعمار ، وهو أول مؤتمر دولي تشارك فيه جميع الشعوب المستعمرة ، وحضره عدد كبير من  ممثلي الأحزاب وحركات التحرر الوطني في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية اجتمعوا كلهم من أجل فضح السياسة الاستعمارية و التنديد بالامبريالية العالمية والمطالبة باستقلال الشعوب المستعمرة . 

قدم الشاذلي خير الله  ( كان حينئذ ممثلا للحزب الحر الدستوري التونسي وعضو بجمعية نجم شمال إفريقيا بفرنسا ) تقريرا مفصلا عن الوضع السائد بالبلاد التونسية في ظل الحماية الفرنسية ، وقال  : 

” إن فرنسا لما جاءت إلى بلادنا في عام 1881 زاعمة أنها تريد مساعدة الباي على إخفات حركة ثورية قام بها أهل البادية من سكان جبال خمير ، حررت معاهدة تلتزم بها مبارحة الإيالة التونسية عند استتباب الأمن فيها . 

لقد مضت من ذلك العهد خمسة وأربعون سنة وفرنسا لم تبارح بلادنا …”(32) 

استغلت فرنسا الاضطرابات الحاصلة بالبلاد التونسية لتنفذ خطتها في إخماد الحركات الثورية ولتحكم قبضتها على البلاد والعباد وتبدأ مرحلة جديدة من الظلم والقهر و الاستعباد. 

كما كشف الشاذلي خير الله في تقريره  حقيقة الأوضاع  المتأزمة في ظل السياسة الاستعمارية ، وتناول بالدرس و التحليل و النقد مختلف الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، يقول : ” إن حكومة الحماية قد سعت لتكون يدها مطلقة حول ما للتونسيين من الحقوق الطبيعية …” (33) 

وأشار في نص الوثيقة إلى الاستعمار الزراعي وسلب الأراضي الخصبة من الأهالي ، يقول :” تمكن الفرنسيون من سلب سبعمائة ألف هكتار من الأراضي الحية الطيبة في بلاد هي قبل كل شيء  فلاحية …” (34)  

وبين في دراسته ان حق تأسيس الجمعيات بأنواعها أدبية وفكرية وفلسفية غير معترف به من طرف المستعمر ، وهو يعطل بذلك سير البلاد نحو التقدم و المدنية ” وإذا كان الاجتماع أمرا ممنوعا فمن الطبيعي أن يكون حق تأسيس الجمعيات أمرا غير معترف به من طرف الحكومة ، فمنذ أعوام طوال لم تأذن الحكومة لعدد من الجمعيات الأدبية و الفلسفية و العلمية أن تجهر بأعمالها وأن تقوم بوظيفتها في المجتمع التونسي …” (35) 

وذكر الشاذلي خير الله في تقريره كيفية توظيف المجندين التونسيين والزج بهم في حروب عديدة وإرسالهم إلى بلدان مختلفة تريد فرنسا استعمارها ، وفي ذلك احتقار للأهالي وعدم اكتراث بحياتهم . 

هكذا كان وضع البلاد التونسية تحت وطأة  الغطرسة الاستعمارية والصمت الدولي المريب آنذاك على انتهاكات حقوق الإنسان في تونس ، والتعدي على الحريات الفردية و الجماعية  ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع ، لذلك تبنى المناضل خيرالله المطالب الوطنية المشروعة و العاجلة وقدمها للمؤتمر ثم تمت المصادقة عليها وتبناها الحاضرون بالإجماع وتتمثل هذه المطالب في ” 

– استقلال البلاد التونسية وإخلاؤها من جيوش الاحتلال الفرنسوية  

-تنظيم جيش وطني تونسي  

-اعتبار اللغة العربية لغة البلاد الرسمية  

-الاستحواذ على البنوك و السكك الحديدية  والمراسي و الشؤون العامة المستولية عليها الشركات الأجنبية وإرجاعها ملكا من حقوق الأمة التونسية  

-الاستيلاء على الأراضي الفلاحية الشاسعة التي احتكرها أعوان الاستعمار و المعمرون والشركات الرأسمالية الخاصة ، وإعطاء الأرض للفلاحين الذين اختلست منهم ” (36) 

وطرح الشاذلي خير الله مطالب أخرى على قدر من الأهمية تشمل النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية مثل حق التونسيين في المشاركة في جميع الوظائف الإدارية ، وحرية الصحافة و الاجتماعات ، و الاعتراف بحرية النقابات ، وإبطال نظام الخماسة وإجبارية التعليم ومجانيته … 

وختم خطابه بدعوة الشعب التونسي إلى انتهاج سياسة المقاومة لنيل استقلاله وحريته ، يقول ” إن المقاومة الشديدة التي يجب القيام بها لاستقلال البلاد التونسية و التحصيل على المطالب الأولية تستوجب حركة عظيمة تقوم بها الأمة التونسية جمعاء لمقاومة الاستعمار في جميع معاقله …” (37) 

إن المتأمل في هذه الوثيقة التاريخية يلاحظ أنها تختلف عن برنامج الحزب الحر الدستوري التونسي الذي لم يطرح إلى حد ذلك التاريخ مطلب الاستقلال واكتفى بالمطالبة بإصلاحات في إطار الحماية . 

وهذا التحول في التفكير و الخط السياسي ناتج عن تأثر الشاذلي خير الله بالأطروحات الشيوعية المناهضة للامبريالية و الداعية إلى النضال و المقاومة ودعم حركات التحرر الوطني وفضح السياسة الاستعمارية . 

الخاتمة : 

تمكنت الشبيبة التونسية ذات الثقافة المزدوجة و المتشبعة بروح المعاصرة و المتجذرة في تراثها العربي و الإسلامي عند مشاركتها في الملتقيات الدولية للتعريف بالقضية الوطنية وفضح السياسة الاستعمارية من الإقناع و الإمتاع ،  وهو ما أزعج السلطة الفرنسية التي لم تكن تتوقع هذا الحضور المتميز لأفراد حركة الشباب التونسي الذين وجدوا تعاطفا من الرأي الفرنسي و العالمي واعترافا بعدالة قضيتهم رغم أن مطالبهم اقتصرت على المطالبة بإصلاحات في إطار الحماية ، باستثناء الشاذلي خير الله الذي نادى باستقلال تونس و بقية الشعوب المستعمرة ، وكان ذلك  بالنسبة لفرنسا نذير شؤم ينبئ بهبوب عاصفة قوية ستقتلع الاستعمار من جذوره وتغير المشهد السياسي التونسي وتقلب المعادلة السياسية لصالح القضية الوطنية التي شهدت تطورا وتجذرا في الثلث الأول من القرن العشرين . 

الهوامش و الإحالات 

 

4)   1) Khairallah, Chedly. Le mouvement evolutionniste tunisien (notes et documents) tunis , edition de l’ imprimerie de tunis, tome 1 ( s.d) p : 44-45

 

( 2 المصدر نفسه و الصفحة نفسها

 

3) الزمرلي ، الصادق . أعلام تونسيون  ( تقديم وتعريب حمادي الساحلي ) بيروت ، دار الغرب الإسلامي ، ط1، ص : 183

 

4) جوليان، شارل أندري . المعمرون الفرنسيون وحركة الشباب التونسي (د.ت) ص : 83

5) المرجع نفسه ، ص : 90

6) المرجع نفسه و الصفحة نفسها

 

7) Khairallah, tunisien (notes Chedly. Le mouvement evolutionniste et documents) tunis , edition de l’ imprimerie de tunis, tome 2 ( s.d) p : 7

[Message clipped]  View entire message

شاهد أيضاً

الأصول الأجنبية للتصوف الإسلامي.. موضوعًا للبحث العلمي

* محمد همّام تذهب المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل إلى أن التصوف يعد أكبر تيار روحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *