الرئيسية / نصوص / عَن الحُبِّ و الحَربِ

عَن الحُبِّ و الحَربِ


منى أبو شرخ *


يُؤلمني أَنّكَ لستَ هُنا أَحياناً.. ويُؤلمُنِي أَكثر أَنّي كُلما احتجتُكَ وَجدتُ رَجلاً آخرَ يُلملمُ الحُزنَ مِن أطرافِ رُوحِي ليَسقِي بهِ فَرَحَهُ.
معذبانِ التقَيَا فِي عُقدِ فيروزٍ يبحثانِ عن جِيدٍ من فَرَحْ.
في الصلاةِ، تَحدثُ أشياءَ غريبةٍ أحياناً، مثلَ أنْ أتذكرُ حبيبتَك التِّي تركتْكَ مُنذُ عشرينَ عاماً ورحلتْ إلى أُستراليَا، أو أنْ أشعرَ بالامتنانِ لأمكِ التّي منحتكَ عَينيْها القويتَينِ كي أَعشقَهما، أَو تلكَ الكذبةُ الطريفةُ التّي رويتَها لزوجتكِ يومَ رأتكَ مَع جميلةٍ مَا.. ليستْ أَنَا! 
وفِي الصلاةِ أَيضاً، يَحدثُ أَنْ أَتوسلَ إِلى اللهِ أَنْ يتوقفَ الزمنُ للحظةٍ واحدةٍ كَما يحدثُ فِي أفلامِ السّحرِ الأمريكيةِ، كلُ شيءٍ حَولِي ساكنٌ مَا عَدايَ أَنَا، أتحركُ فِي بحرٍ مِن السكونِ والصمتِ، عَقلِي خالٍ مِن الأفكارِ سِوى تلكَ التّي تصلُ بِي إلى هُناك حيث تَجلسُ روحٌ وحيدةٌ تناجِي قدراً يمارسُ لعبةَ شطرنج بقواعدِه الخاصةِ.
أَمّا فِي لُعبةِ الصَمتِ التّي يَحلُو لِي كثيراً أَنْ أَلهُو بِها عندمَا يفرضُ الغيابُ قوانِينَهُ، فأنتَ لستَ مجردَ شاعرٍ يُؤثُثُ غُرفَ القَلبِ بكلمَاتِه، أَنْتَ روحٌ وُجدتْ منذ وُجدتُ أنا لتكونَ لِي شهقةَ الحياةِ الأُولَى وآخرَ أَنفَاسِي. 
مَتَى أحببتُكَ وقَدْ عَرِفْتُكَ مُنْذُ قُرونْ؟
عِندمَا حضنتَ يَدي في سلامٍ عابرٍ؟
لا.. لَيستْ هَذِه المَرةْ
عِندَمَا جلستَ جانِبِي فِي مناسبةٍ عامةٍ جمعتنَا صدفةً؟
لَا.. كنتَ يومَهَا نجماً لَا أَقوَى عَلى النظرِ أو التأملِ بِهِ!
عِندما احتضنتَ وَجَعِي في مساحاتٍ خاصةٍ؟
لَا .. لَا .. لَم تَكنْ هَذِه المرةُ أَيضاً ، كنتُ رجلاً عادياً يستمعُ لامرأةٍ تألمتْ كثيراً يوماً مَا مِن قدرٍ أحمقٍ أساءَ ترتيبَ أحداثِ حياتَهَا، فجعلَ لقائِيَ الأَولْ بِكَ عَابراً ومُزدَحِماً أكثرَ مِمَا يَجِبْ! 
في أَيِ ومضةٍ مِنَ القَدَرِ أَحْبَبْتُكْ؟
أَعِي تِلكَ اللَّحظةُ جَيداً..
“أغلقتُ هاتِفِي المَحمولَ بعدَ أَن رفضتُ الحديثَ مَع إحْدَى الإذاعاتِ الدوليةِ التّي اختارتْنِي للحديثِ عَن الحَرْبِ التّي تَدورُ خَلْفَ نَافذتِي لأَنّي أُجيدُ اللغةَ الإنجليزيةَ، لَا أَودُ الحديثَ عَنْ شيءٍ مِن هَذَا، يكفينِي أَنْ أستمعَ لصوتِ المَوتِ وأنتظرُه بقلبِ عاشقةٍ بُتر قَلبُهَا منذُ أيامٍ فَقَطْ! 
في أوقاتِ الحَربِ، تَحلُو لِي ممارسةَ هواياتٍ غَريبةٍ، مثلَ ممارسةٍ ساذجةٍ لليُوغا، أو قراءةَ قصصِ حبٍ ورواياتٍ سخيفةْ، أو الاستماعَ لمغنِينَ غيرَ مشهورِينَ وهي تمتزجُ معْ أصواتِ انفجاراتٍ لا تَنتَهِي .
هَذِهِ الحربُ كَانَتْ مختلفةً، رُبَمَا لأَنَنِي استمعتُ جيداً للكتابِ الذِي أَقرأْ.
لَم يخطرْ ببالِ صديقتِي التّي أهدَتنِي كتابَ “أمين معلوف” أَنّ بينَ سُطُورِه تَكمنُ خطةَ القدرِ لِلقائِنَا الأولْ، ذلكَ الرجلُ الطويلُ بظهرِهِ المَحنِي قليلاً للأمامِ ورَقَبَتِه الصاعدةِ إِلَى السّماءِ وعينيهِ العسليتيْنِ، ظلَّ طويلاً يقبعُ فِي عَقلِي، يَراودُنِي عَن أَحلَامِي، يُخططُ لِيَ المستقبلْ، يفاوضُ القَدَرَ على أَقصرِ الطرقِ لحَياتِي!
انتهَت الحَربُ وأَنَا أَطوِي آخِرَ صفحاتِ الكِتَابْ، ونَستَمِعُ رُبَمَا لخبرٍ واحدٍ “أنتَ هُناكْ” و”أَنَا هُنَا” وبينَنَا هدنةٌ وبَعضُ مكرٍ مخبأٍ في الرِيحء.
نَجَحْتْ! 
تلكَ حربٌ وهَذهِ حَرْبْ!
وبَينَ حربينِ أَكثرُ مُنِ الوَجَعِ يَقُودُنِي لَفَرحٍ في صَدْرِكْ
لَمْ نَلْتَقِ بَعْدْ! 
ذاتَ يومٍ، تلقيتُ اتصالاً هاتفياً مِنْ صَدِيقٍ قَديمٍ حضرَ غَزَة بَعدَ هُجرانٍ دامَ سِنِينْ، ويَودُ رُؤيَتِي، كنتُ مرهقةً بعدً ليلةٍ طويلةٍ أَمضَيْتُهَا بِجانبِ جَدَتِي التّي تَعَدَى عُمُرُهَا التسعينَ عاماً ولاَ زَالَت تسخرُ مِن ملكِ المَوتْ، لكنَّ أحداً لا يَستطيعُ السخريةَ مِنَ الجَسَدْ، ذَلِكَ السلطانُ الذَي يُصبحُ أحياناً ديكتاتورياً أكثرَ مِن نظامٍ عربيْ. 
لَم أتردَدْ أبداً فِي لقَائِه، فأَنَا بحاجةٍ لصديقٍ قديمٍ يَخرقُ الحَاضِرَ الذَي أَصبحَ أثقلَ مِن حجرِ صوانٍ فوقَ صَدرِي، ولَم يَكُنْ حَدِيثِي مَعَكَ قَبْلَ يَومَيْن يعنِي لِي الكثيرْ، كنتَ عادياً، عادياً أكثرَ مِنْ قَلْبِ طِفلٍ وُلدَ تواً، حَتَى أومضَ القدرُ ومضتَهُ تِلْك، ذلكَ النَّوعُ مِنَ النّورِ الذي يجتاحُ روحَكَ فجأةً فيتوقفُ الزَمَنْ ويَختَفِى المكانُ وتسبحُ رُوحُكَ فِي الفَضَاءِ لتَلتَقِي روحاً تمنحُك الخَلَاصْ، وكنتَ أنتَ هُنَاك، تقفُ بينَ شارِعَين، تحادثُ زميلَكَ رُبَمَا، لَم تَرَانِي وأَنْتَ تحددُ مقاساتِ الشارِعِ، لكنكَ ومنذُ تِلكَ اللحظةِ عَلمتُ أَنّكَ تِلكَ الرُّوحُ التّي كانتْ دوماً حاضرةً لتزيدَ من المسافةِ الفاصلةِ بَينِي وبَينَ كُلِ الأرواحِ وتَجعلُنِي غريبةً في عالمٍ مِن رَمادْ. 
وددتُ حينَهَا لَو أَنزلُ مِن السيارةِ وأَضعَ يَدِي فِي يَدِكَ لتصبحَ لمسةُ يدِكَ التّي كانَتْ عابرةً صَكَّ غفرانٍ وتصريحاً للحياةْ!
لَكِنَّ الحياةَ لا تتوقفُ مِن أجلِ ومضةٍ فِي الرُّوحْ، لابدَ للأشياءِ أَنْ تسيرَ وفقاً للخطةِ التَي وضعَهَا القدرُ بعنايةِ ماكِرْ، كانَ لابدَ أنْ أشتاقَ لكَ لسنينْ حَتَى أخبرَكَ كَم كانَ النورُ قوياً عِندَمَا غَمَرَنِي وأَنَا فِي السيارةِ وأَنْتَ تقفُ عَلَى بُعدِ خَطوتينِ مِنِي لَا تَعلمُ ماذَا يجرِي حولَكْ، كَانَ لابدَ مِن حربٍ أُخرى حتّى يستمتعَ القدرُ مرةً أخرى وهوَ يُفاوضُنِي بعددِ السّنينِ التّي عليَّ أنْ أدفعَهَا مِن أجلِك لتَبْقَى، كانَ عليَّ أنْ ألتقِي بصديقِيَ المهاجرِ ليطلبَ مني الزواجَ فأرفضُ مِن أَجْلِ نورٍ وَعدَنِي بكثيرٍ منَ الفرحَ فِي صدرِكَ.. أَنْتْ..! 
* قاصة من غزة

شاهد أيضاً

هاتوا لي مرآةً..قصيدة جديدة للشاعرة زُلَيْخَة أبوريشة

( ثقافات ) هاتوا لي مرآةً     زُلَيْخَة أبوريشة   هاتوا لي مرآةً أبصرْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *