الرئيسية / قراءات / (الخيبة الرابعة بعد الألف) للشاعرة سميحة التميمي

(الخيبة الرابعة بعد الألف) للشاعرة سميحة التميمي

قراءة في قصيدة :الخيبة الرابعة بعد الألف من ديوان “وتريات غجرية ” لسميحة التميمي

* فتحي محفوظ 

 – من ديوان وتريات غجرية للشاعرة الكبيرة د . سميحة التميمي وفي قصيدة الخيبة الرابعة بعد الألف ، والعنوان كما يبدو تصنيف متكرر عن الليلة الواحدة بعد الألف ، وبالمعني الحكائي يبدو العنوان كترديد تعدادي لإحدى قصائد د . سميحة التميمي الغاضبة ، والقصيدة لم تكن حرفيا لتعتني بالسرد علي شكل حكايات عن الخيبات المتكررة الواحدة تلو الأخرى ، ولكنها برزت كإحدى القصائد العجيبة التي تمتلأ بعبارات تمثل مجموعة من الأوامر والنواهي ، وهي النبضات الحية التي تعبر عن التجسيم ووعاءه . اننا بإزاء مرثية اخلاقية من الطراز الرفيع ، ولكننا قبل ان نخوض في أساسيات التجسيم في موضوع القصيدة وهو الموضوع الذي يتناول شئون الحرب ، يجب ان نولي عنايتنا بمسألة التعداد . ان يمثل وضع التصنيفات تمييزا بين الآباء والأبناء والجدود في وحدة الخلق ، وهو امر يشمله قواعد بناء التجسيم . إن ثمة تباين ومن ثم تفاعل محض بين اصناف ذلك التعداد . القصيدة جاءت بضمير المخاطب ، والقول باستخدام ضمير المخاطب ومناسبته لهذا النص قول مرجح ، فأمام المخاطب ذلك العرض المميز من الأعمار وقد استوي علي رقعة ممتدة تبدو شبيهة برقعة الألعاب ، والتفاعل بين مخلوقات النص بمختلف اعمارهم هو تفاعل يقوده المخاطب وهو يلهو بلعبة التعداد


” كأن نهزم موتهم فينا هزيمةً نكراء …
وسنمنحهم الرجاء / فلقد اشعَلتْهم جمرة الحرب “
والتمايز في هذا الموضع بين الأعمار ملحوظ ، والتناحر لا يبدو صريحا وقد اشتعلت حماسة الشباب في اتون الحرب ، والحدب بين الفئات ربما كان احد المظاهر المخادعة ، ولكن موضوع الحرب يصبح بالضرورة داخل التجسيم احدي لبناته
” ويا بحرُ: أعدْ لنا الاموات الذين في جوفكَ
ستقومُ قيامةَ الأبرار والآثمين بعد الحرب “
ان اوزار الحرب تمثل دعامة اخري من دعامات التجسيم ، وها هي القصيدة توالي نداءها لأمواج البحر ان تخرج من جوفها جثث الأموات ، فالحرب والموت صنوان واوزار الحرب لا تكتفي بسقوط القتلى في اتون معاركها ، فالقصيدة تنعي الأرض الخراب ” عدْني أنْ تنتشر جيدا في الارجاء ، فانت الفاعل والمنفعل ولنْ أعدك
بالعطر فلقد سُرقتْ حدائقي في الحرب الاخيرة ” ان البعد الأخلاقي مطروح داخل التجسيم ، بل ويتزامن مع الحرب المشتعلة، فالتجسيم الحي متكامل بطريقة ما ، انه يتتابع ضمن طابور العرض المكون للأعمال ذات الصيغ المتكاملة ، فالبعد الاخلاقي يبدو جليا في اعمال كلوحة الجرنيكا لبيكاسو ورواية الدون الهادئ لشولوخوف أو السيمفونية الثالثة لبيتهوفن علي سبيل المثال ” فلقد اقتربَ زولُ الليل والحقلُ لمْ يُعشب بعد
والخطيئةُ والنارُ شرّانِ كبيران ” فالخطيئة خطيئة انسان ونيران الشر هي مقذوفات الحروب الدامية ، والتزامن فيما بين الخطيئة والنار يضفي غلالته الأخلاقية علي المشهد برمته ، والنصيحة السائدة : لا تحجب عنك الحكمة . إن أوامر النهي تتعدد داخل القصيدة وكل نهي يتبعه امر . انها الصياغة المثلي للمحتوي الأخلاقي . تتخلل صيغ التحذير تلك الأوامر والنواهي . ها هم الكبار بعد عمر الخمسين لا يكفون عن افتعال الضجيج ” وأنت : بعد الخمسينَ قهراً، ستمشي في جنازتكَ المدينة
فاصمتْ ثقيلاً وسيفهمونكَ فهُمْ ألْباباً..
واحملْ كتابكَ وانتظرْ قيامتك ” وبروز التمني بتصفية الوجود لمثل تلك الفئات عصيان ولكنه لا يخلو من

 – الغضب . انه يستبيح الزوال لنفس العلة الأخلاقية ، والأسباب مطروحة “رجالٌ يهدرون دم عباد الله ، ورحىً لا تطحن قمحَ الله ” انها مطروحة بشيء من التوجس والحذر ورنة اليأس لا تفارق النص . وأسلوب التوسل والنداء يتخللها ” فأدرْها من عِندك يا الله ” والتوسل انبعث ليوحي بالكثير ، فاللجوء الي الله يساوي قيمة عجز الانسان في الوصول الي السلام مع نفسه ومع الغير . كما ان اسلوب الوعيد يتدفق كنهر من الحمم البركانية ، فلا يحكمها ضابط ” الى آخر قمر في السماء / تنطفئون وتتسلمُ الورثة كل أنواركم
الى آخر أبد في الآباد ” وتتدفق حمم القول لتنفث دخان الغضب وتطلقه من عنانه ” اسمعْ. انصتْ. اسكتْ. اصفنْ .اخرسْ .” أي وجع هذا . اية معاناة .
“يا لفخامة الوجع !” يحيل النص حديث المخاطب الي الشباب فيصفهم بأنهم العشاق ، وصفات العشق تبدو من خلال التجسيم الموحى في ثوب مفرط في الأناقة . يمتلكون الوعي المنشود ” هم العملة الاكثر ندرة ، والاكثر نشيدا
لا اعداء لهم إلا براكينهم الهادئة قبل ان تثور على مزاحهم ومزاجهم
هم الذين يحترسون من النهار ويختبئون في الليل يهذون بأناشيدهم المرتجلة ..” انها ليست الصورة الأكثر اشراقا فقط ولكنها داخل الجسم التعبيري تضع الأساس الوطيد للمقابل الدرامي في صياغة الخلق الفني . لقد صنع التجسيم ليوازن بين الحياة والموت ، فالموازنة هي من بين قواعد التجسيم . اشراقة الصحيان من جحيم الحرب ونيرانها . الشباب هم الفئات القادرة بما تملكه من حب الحياة ومن الوعي باللحظة القائمة واللحظة التي سوف تأتي . يري النص انهم القادرون علي احداث التغيير . ربما يمتلكون القدرة علي اعادة رسم قوانين هندسة الأقمار والنجوم ” برسم تعديل صور الصبح على هواهم ..” وبذا يحتمل التجسيم عناصر المبالغة والتضخيم ، وهي عناصر تبدو مؤثرة في ترسيخ معاني قدرة الشباب علي الفعل بطريقة جذابة ، علاوة علي سخاء المنح التي اغدقها النص عليهم فهو يمنحهم الرجاء بعد ان اشعلتهم جمرة الحرب ، بل ويمنحهم سببا للفرح ” كأن نهزم موتهم فينا هزيمةً نكراء ” وسيل المنح لا يتوقف إذ يمنحها النص في صورة مقايضة لما اصابهم من ويلات الحرب : انها مقايضة في مقابل الفردوس الأرضي ودواوين الشعر ” وأربع دواوين من الشعر القلِق
واساور من قنَّب، وقوارير من المحظيات السِمان
وعجاف كثار خلفَ الوهاد
وامبرطورية من أحذية جديدة بلا اقدام ” وهي منح عجيبة اربعا من الفراديس واربعا من الدواوين ، وهي المنح التي لا تقاس بمعيار الوفرة بقدر ما تقاس بمشاعر الود والنوايا الحسنة ، وفي المقابل اربعة من المبتعثين ليستنسخوا الدساتير من برودة الثلج ، واربعا اربعا يبشرون بالعدم ، والرقم اربعة هو جزء من التعداد وهو يعني اطلاق الصفات علي قدر ما تتسع الإحاطة ربما عبر الجهات الأربعة انه تمييز للوفرة وترسيخ لتلك الصفات اما عن التناقض في تلك الصفات وهو التناقض الذي يمر عبر الكيانات من دواوين الشعر الي الفراديس الأرضية هذا من جهة وبين برودة الدساتير والتبشير بالعدم فهو المناقض الدرامي

 – في ذلك البناء ، ولعل الصورة المصاحبة لهذا التوقيت جسارة المطر وانهماره وكثرة الجلبة والخبط ومن تلك العواصف التي تعبث بالخيزران فيسمع خبطاتها تصبح تعبيرا مجسما للحالة الانفعالية ، ومرادفا ملموسا لمشاعر الغضب . اما عن المنح يضيف النص رؤيته الخاصة ” هنا يا سادة السلام … هنا رأس الحُب ” لقد اشتق التجسيم قواعد بناءه باعتماده علي خواص التعداد ووضع الصور التكرارية المعبرة عن اوزار الحرب ، وتتضمن قواعد البناء ذلك البعد الأخلاقي ، ويحتفل بصيغه العجيبة عبر تشكيلات من أفعال الأمر والنهي واستخدامه لأساليب التوسل والنداء واحيانا الوعيد ، والقالب العام يتيح الفرصة الجلية للموازنة بين اسباب الحياة والموت مع استخدام اساليب المبالغة والتضخيم ، ولكن الرسالة واضحة ” ايها العشاق نادوا على الحياة
واسمعوا الاغنيات معا ” والعشاق بتعبير النص هم وصف الصغار من السنين . نوع من الحدب والرعاية ، وتحذير الا نأخذهم علي محمل العقل ولا علي محمل القلب فالعقل مفقود والقلب متوزع كما الظهيرة سطوعها ينقسم بين ظل وقيظ ، ولعل اثمن ما في هذا النص قدرته الفائقة علي نقد الواقع . فهو دائم البحث عن اشخاص قد يقدمون النصيحة . انه يبحث من خلال ذلك عن المؤازرة . عن تعداد الحشد الموالي : من يدلي بنصيحة . من يحضر الليلة طحين الفقراء . من يعطي للجيوب العارية محفظته . اين القيامة . اين الإمامة . كل يبحث عن فريسته عن صيده الثمين . ولهؤلاء الذين يقومون بإشعال نيران الحروب ” دونهم كتبٌ تحكي سيرتهم التي دوّنها الدخان
دونهم التاريخ الممعنُ في اختصار الحياة
كلما دنوا من ابدٍ ركلوه ومن حائطٍ هدموه ” وبذلك فالنقد السياسي والاجتماعي يصبح جزءا من التجسيم المعبر إضافة الي نوبة الهجاء التي صاحبت تلك الصورة ، فلا حصاد لهؤلاء الناس ، لأن اباهم كما تذكر القصيدة هو القحط . انهم يبشرون بالعدم ، وهم ينتزعون كل المكتسبات بمنطق الوراثة كما انتزع سراقة سوار كسري بنبوءة نبي ” انتم يا سادة الصفاء الموحش : لا أصفياء…!
تهذون باعترافات سرّاقة وسوار كسري اخذتكم زوراً من اجل رهان لن تحتملوه ” القصيدة حية وغاية في الثراء ، يحتدم خلالها التفاعل الخلاق بين عناصر الصورة : الكبار علي موائد اللذة ” والاوقات ثقيلة على موائدهم ولذائذهم ” والشباب اللذين يقومون بالغناء ، ثم ذلك وهو الأهم احتفاء الشكل بوجود المخاطب لكل تلك الجموع وهو يمارس العاب الخطابة :
” فالقصيدة آيلة والمتنُ رجسين في كتابيهما
قد متّعوا المرايا بسوارٍ وسلاف، وشربوها حتى الغيبة الاخيرة ” فهم اولئك المشغولين دوما بعناق الكاميرات وبحكايات الحكائين ، فهم الزيف والبهتان بعينه ” وشتّلوا السهول بالشيح والريح والنعناع والحبق
وأغلظوا الايمان أمام الله انهم يرصدون صدور الوصول
وتنافسوا في التكاذب وأشبعوه كذباً “
ان محنة الخلق والابداع تحيط بهم كالسوار . وبخلاف الكاميرات والحكاؤون تظل ملكة الخلق والابداع لديهم معطلة
” لا تتوهوا فالزؤان أمامكم ، أخرجوه من الحَب،
والماء الآسن في جراركم ، أعيدوه سيرته الاولى ” ولكن أني لهم من ذلك ، فما يلزمهم يصبح اكبر من معجزة ، فتستيقظ النبوءة : ستقوم قيامة الابرار بعد الحرب تصطخب اللوحة المرسومة بإتقان بذلك الضجيج المصاحب لقعقعة السلاح حيث تندلع اتون الحرب ويعم الخراب . علي الجانب المقابل يهدر المخاطب بملأ صوته ليصك الاسماع بحدبه وعطفه احيانا وسخطه ومقته وهديره الغاضب احيانا اخري ثم توقعاته ونبوءته في نهاية المطاف انها دعوة للسلام من خلال نص بالغ الرهافة موحي وجزل . انه عطاء بلا حدو

* ناقد من مصر

شاهد أيضاً

أفانين الهرب من الرواية أو ما تبقى من أيام بلا صباحات

* نبيل سليمان (1) تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *