الرئيسية / خبر رئيسي / مهادنة اللغة ومخاطبة المتلقي الضمني في «إغفاءة الحطَّاب الأعمى» لمؤمن سمير

مهادنة اللغة ومخاطبة المتلقي الضمني في «إغفاءة الحطَّاب الأعمى» لمؤمن سمير

خاص – ثقافات

حمزة قناوي*

يقولُ الدكتور مسعود وقاد: «لا يمكن تَحْقِيق نَموذجِ قصيدة النثر بسهولة دون تَوَفُّر شاعر متميز ذي موهبة شعرية عالية، وثقافة فنية زاخرة تؤهلهُ للعُثورِ على منطقةٍ إيقاعيةٍ خارجَ دائرةِ الوزنِ الموروث، ولعلَّ خَارطةَ هذه المنطقة ترتسمُ داخل حدود اللغة ذاتها في أصوات الألفاظ وثَرَائِها الدال، وفي التفاعل الحاصل بين الكلمات في الجملة الواحدة، وفي ترابط أجزاء الجملة وتناسقها…» في ضوءِ هذه المقولة نقرأُ ديوان الشاعر مؤمن سمير المُعنوَن بـ«إغفاءة الحطاب الأعمى»، تُرى ما الذي فعله في ديوانه حتى يحقق نموذجه من قصيدته التي يقدِّمها؟ مع الإقرار سابقاً أن الخريطة التي نتحرك داخلها هي خريطة اللغة، لكن أول ما نُفَاجَأُ به عند مؤمن من بين «الخروقات» التي يُحدِثُها في نصوصه، لكي يتغلب على خروجه عن دائرة الوزن الموروث، أنه يُطَعِّم العامية في قصيدة الفصحى، وكنا قد اعتدنا على تطعيم شعر العامية بالفصحى لدى دواوين شعراء العامية، لكن أن نجد شاعرَ فُصحى يُطَعِّم كتاباتهُ الفصيحة بالعامية؛ فذلك أمرٌ نحتاج أن نقف أمامهُ أولاً، لفهمِ دوافعه من ناحية، وأثره على تحقق الشاعرية من ناحية ثانية.

من أمثلة الاستخدامات التي طَعَّمَ بها الشاعر الفصحى بالعامية: «كانت الطريق تبص للداخل»، «وخلف صندوقه العامر/ وبصاته»، «شِلْتَني – أذكر – على كتفيك كثيرا»، «أخش في الجدران لأتدارى من عينيك الواسعة لما تنقبض.»،والأمثلة كثيرة داخل الديوان، وقد تثير الجدل حول مفهوم الاسعمالالسياقي لمفردات العامية في النص، لكن بما أن قصيدة النثر تعتمد بالأساس على كسر المفاهيم الموروثة في الشعرية العربية، فالملاحظة الأولية أننا سننظر لهذا التطعيم بالعامية باعتباره توجيهاً لتحديد نوعية المتلقي الذين يخاطبه الشاعر؛ فنبحث هنا عن «القارئ الضمني» أو «المتلقي المحتمل» بتعبير فولفانغ أيسر، فبما أنّ كلَ نصٍ يُحدد لذاته متلقيه الخاص، فإن تطعيمَ القَصيدةِ الفصيحة بالعامية، يعني أن شاعرنا يتوجَّهُ إلى قاعدةٍ عريضةٍ من جمهور المتلقين عن الشعر، من خلال اللغة الواضحة الكاشفة المطعَّمَة بالعامية، رغم أننا سنجد تدقيقاً ثقافياً في تقديم بعض الموضوعات المتعلقة أحياناً بتحليله لمفاهيم عليا كالعقيدة والواقع، لكنَّ استحِضارَ العامية هو في جانبه نوعٌ من توجيه القارئ وضبط مسيرته في النص بتعبير روبرت هولب.

يقول الشاعر في إحدى قصائده:

«صباح الخير يا أقدم …

في هذه اللحظة بالذات.. أنا لست الثائر القديم إياه.. مجرد شبح يجرجر ظله قرب الجداول ويرتعش بالكاد حزين فعلا.. وخطوتي أجيبها من الزوابع، من بطن كلام الرمل.. تشيل الصقور وتذبحها قرب القيامة.. أقصد.. تتوق لأن تشم لمعة القبض واللزوجة.. فلا تقتنص إلا نفسها … تكفيها نفسها..»

«إغفاءة الحطاب الأعمى» نصٌ تمت صياغتُهُ بدِقة ليُحقق متعةً قرائية، ودهشةً للمتلقي في الآن نفسه، لكنه يثيرُ العديدَ من الإشكاليات في مفهوم تحقق الشعرية، أبرزُها تطعيم الفصحى بالعامية، وتضفير الشعريّ بالسردّي.

*شاعر وأكاديمي مصري مقيم في الخارج.

شاهد أيضاً

الفيزياء الصوفية: شعر ابن الفارض أنموذجاً

سمر الديوب “كانت هناك امرأة شابة يسمونها المتألقة كان في إمكانها أن تسافر أسرع من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *