الرئيسية / خبر رئيسي / شموس مدينة “تايتانك”

شموس مدينة “تايتانك”

خاص- ثقافات

*أحمد غانم عبد الجليل

تجسد رواية “ألف شمس مشرقة” للكاتب الأفغاني خالد حسيني ملحمة إنسانية متكاملة، تبدأ في أواخر الحقبة الملكية ومن ثم إعلان الجمهورية إثر انتقال سلمي للسلطة، في تلك السنوات كانت الشخصية المحورية الأولى (مريم) تعيش في كوخ متطرف عن إحدى المدن الأفغانية البعيدة عن كابول، منشأ عزلتها عن العالم الخارجي، كونها ابنة غير شرعية لشخصية ثرية ومعروفة، تمردها على تلك الوصمة يقودها إلى العاصمة، حيث تشهد حياة مختلفة بكل أجوائها وتفاصيلها، لا يغيب عنها التسلط الذكوري، بل يزداد هيمنة على أقدارها التي ترضخ لها طويلاً مع كل ما تشهده البلاد من صراعات وانقلابات، لا تنتهي مرحلة منها حتى تبدأ أخرى أكثر شراسة، من الشيوعية وما يرافقها من اجتياح الاتحاد السوفيتي للبلاد حتى تناحر الجماعات الإسلامية “لوردات الحروب” فيما بينها للسيطرة على عموم البلاد، ممهدة الطريق لظهور ومن ثم سيادة حكم حركة طالبان وسندها الأقوى تنظيم القاعدة، بينما كانت أمريكا ـ سيدة العالم الجديد ـ تجهز مناهضي السوفييت بالسلاح وتسمح للمقاتلين من كل حدب وصوب بالانضمام إليهم، غير عابئة بوطن اسمه أفغانستان، وذات الشيء يحصل في بلادنا الآن، وعلى حسب المصالح التي تعلمت الجماعات الإرهابية التعامل معها، ومثلما السياسة قائمة على الديناميكية المستمرة كذلك هي مسارات أحداث الرواية المتسارعة، ممتلكة القدرة على جذب تركيز القارئ كلياً رغم تطرقها إلى مختلف التفاصيل الحياتية والنفسية للشخصيات، وعبر مراحل عمرية متفاوتة، إلا أنها لا تجنح إلى الإسهاب غير المبرر للحبكات الدرامية المتداخلة، فكل فقرة لها إشاراتها الدالة والمؤسسة لحدثٍ جديد ومفاجئ، وهنا تكمن حرفية الكاتب في إثارة التشويق لدى القرّاء، عبر تقنيات درامية تتجاوز الحزن الذي يخيم على مضمون النص.
(ليلي) الشخصية المحورية الثانية، تضطرها الظروف إلى تحمل مشاق أكبر من عمرها، رغم عيشها في كنف والديها، فالحروب تجعلنا نكبر قبل الأوان، ونعيش أعماراً متوازية بصور غريبة نجبر على التكيف معها، من بين أنقاض الماضي تجد نفسها أسيرة قدرٍ واحد مع (مريم) ولا مناص من الافتراق عن بعضهما في حياة النيران والطغيان الذكوري الهارب من أهوال الجحيم إلى رغبة التسلط والشهوة المجردة من كل مشاعر إنسانية، تتركز في شخصية (رشيد) بعد تجربة فقدان زوجته الأولى، ومن ثم غرق ولده في نهر يصيبه الجفاف هو الآخر بعد أعوام من الاقتتال المجنون.
تضعنا الرواية أمام خليط من التداعيات، يتشاركها الرجل والمرأة، كل على طريقته وحسب المفاهيم والمعتقدات الاجتماعية المحيطة، من جانب آخر، ورغم أن النص يفسح المساحة الأكبر لوجع ومعاناة المرأة بشكلٍ عام، لا الأفغانية فحسب، نجد في (طارق) الذي يفقد إحدى ساقيه إثر انفجار لغم روسي، شخصية الطفل، المراهق، الرجل، والعاشق دائم البحث عن خلق حياة جديدة ولو من رحم الموت.
عبر هذا التناغم الفني نستطيع أن نستشف رؤية الكاتب لكل ما حدث من نكبات من زاوية مغايرة، تستمد روحها وتميزها من الثقافة الأفغانية، التي أشار إليها هنا وهناك دون تكلف يثقل السرد، على اختلاف مراحلها وتعدد انتماءاتها القومية (باشتون، أزبك، طاجيك…) حتى لو كانت سبباً جوهرياً في إشعال الحرب الأهلية، بالإضافة إلى الولاءات القبلية والمعتقدات المذهبية، ومثل هذا الخليط ليس ببعيد عن تركيبة المجتمع العراقي والكثير من المجتمعات الشرقية بصورة عامة، فالقنبلة الأهلية ستظل جاهزة للإعداد، من قبل هذا الطرف أو ذاك، تحت ذريعة الإرهاب التي حط كليل حالك الظلمة في فضاء شخصيات الرواية المنقادة إلى مصير مجهول، تنقلب بدورها خلال الأحداث مرة تلو الأخرى حتى تغدو المتناقضات متممة لبعضها، وليس في ثنائية الحياة والموت فحسب، فشخصية (مريم) ابنة الحرام، كما كانت تذكِرها والدتها دوماً لتبقيها منعزلة عن العيون قدر المستطاع، والتي كانت تجد في البرقع ستراً لعري نسبها، نجدها تهب الشرعية لعائلة تستعيض بها عن كل ما فقدت، حتى من قبل أن تولد، تدرك معنى وجودها من خلال تلك العائلة كي لا تكرر المأساة، مأساة الحرمان المشتت بين الأحلام المجهضة، اسمها لا يظهر في الصحف، بل في عيون الأطفال الذين فقدوا ذويهم في مدينة “تايتانك” كما صار أهل كابول  يسمونها بعد مشاهدتهم الفيلم، خلسة عن الوجوه المتوعدة بجحيم الأرض قبل جحيم السماء.
“طوال اليوم وهذه القصيدة عن كابول تحوم في رأسي. كتبها (صايب ـ إي ـ تبريزي) في القرن السابع عشر كما أظن.. كنت أعرف القصيدة كلها لكن كل ما أتذكره الأن هو بيتين:
لا أحد يستطيع أن يعد الأقمار التي تشع على أسطحها
أو الألف شمس مشرقة التي تختبئ خلف جدرانها” ص198
وخالد حسيني يجيد البحث عن الشموس المختبئة خلف الجدران العالية والمعتمة بقوة جذب سردية متقنة تنأى بالرواية عن الرثاء الكئيب لبلاده المنسية، وهذه الإشكالية تواجه كل كاتب يتطرق إلى صفحة من تاريخ وطنه المثخن بالجراح العميقة ومستمرة النزيف: مخاتلة الحزن قدر المستطاع، أو اختزاله، دون المساس بمصداقية العمل الفني؟
تحدٍ جعل الكثير من كتّابنا يجنحون إلى الفنتازيا والواقعية السحرية أكثر من ذي قبل، يسعون إلى التجديد وتمييز نصوصهم في زخم الإنتاج الروائي الغزير الذي تشهده الساحة الثقافية. رواية “ألف شمس محرقة” لم تأخذ مثل هذا المنحى، رغم ذلك استطاعت أن تجد تميزاً من نوع خاص، متجسدة في شخصيات يعتقد القارئ إنه يعرفها تمام المعرفة ويرى ملامح منها في كل بلد يكرر فيه ذات سيناريو أفغانستان بصورة أو بأخرى.
“نيسان 2003 ـ انتهى الجفاف، أثلجت أخيراً الشتاء الماضي، طول الركبة، والآن إنها تمطر منذ أيام، نهر كابول يجري مرة أخرى، فيضانه الربيعي أغرق مدينة تايتانك.” ص 405
مفارقة غريبة، ذات تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق المنتظر إشراق شموسه منذ عقود!.

_____________
كاتب عراقي

شاهد أيضاً

عبدالحميد العلوجي: باحث لا يراجع مسوّداته ويقرأ أكثر مما يكتب

*شكيب كاظم كانت بداية تعرفي إليه، يوم قرأت كتابه (الشيخ ضاري قاتل الكولونيل لجمن في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *