الرئيسية / إضاءات / قراءة في سيرة الابن النقيض للصوت

قراءة في سيرة الابن النقيض للصوت

*يوسف أبو لوز

الصمت هو الابن النقيض للضجيج، هو التجفيف المادي للصوت، والاعتقال الكلي للكلام؛ حيث يسود العالم والحياة والأشياء نوع من الطغيان؛ إذا أردت القول، سمة في الصمت ما يَشي بالانغلاق على سبيل المثال:..الصندوق المغلق يحيل إلى الصمت.. البيت المغلق الخالي من ساكنيه يحيل أيضاً إلى الصمت، الكهف، الكاتدرائيات والقلاع القديمة وأسفل الجسور والمقابر والغابة.. تشي بالصمت وتترجمه على شكل ظلال أو أطياف أو حتى أشباح.. ويبدو الشبح بسرعته وغموضه ومواربته تدويراً للصمت.. الظلال أيضاً صامتة أبداً مع أنها صنيع كائنات صامتة أو صارخة.
يدخل الصمت أيضاً في سياقات ميثولوجية أو دينية أو معتقدية.. تمرينات اليوجا مثلاً تقوم على الصمت، الذي يضبط التنفس، وبالتالي، يحيل الصمت إلى التأمل، ثم يحيل إلى ذلك الجو المهيب، الذي يحيط بالأديرة والرهبان وصوامع العزلة والوحدة، التي يلجأ إليها رجال دين أو صوفيون.. ويدخل في هذا السياق أيضاً الصوم عن الكلام، إنه السكوت الكلي، الذي يستدعي «حزمة» من الصوامت.. صمت الحجر، صمت الجبل، صمت الأودية.. وفي الأودية أو المنحدرات يولد الصدى من الصمت، إن الصدى هو رجع الصوت، أو قل إنه صوت الصوت.. ويتماثل الصدى مع السراب.. والسراب «ماء كاذب صامت»، إنه يتراءى من بعيد على شكل تلألؤ مائي؛ لكن ما إن تصله لا تجد شيئاً إنك لم تجد شيئاً آخر غير الصمت.

آيةُ النبي زكريا

في القرآن الكريم يستجيب الله -تعالى- إلى نداء زكريا لربه.. «إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)»، وإذا استجاب الله لزكريا بالبشرى الإلهية بأن يرزقه يحيى، كان لابد من آية أو دليل، أو إشارة، فكان الصمت.
«قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا»،

وفي التفسيرات المصاحبة لهذه الآية من «سورة مريم»، ألّا يكلم زكريا الناس ثلاث ليال وهو سوي صحيح لا علة به من خرس ولا مرض يمنعه من الكلام، أي الصمت من أجل الصمت أو الصمت من الصمت، إنه الصمت الذي أمر به الله زكريا، أو هو السكون عن الكلام «اعتقل لسانه من غير مرض» كما جاء في الشرح، وفي ذلك حكمة، وعلامة.
الحيّز الزمني في هذا الخطاب الديني أو في هذه القصة الدينية هو الليل.. فالأمر الإلهي «ثلاث ليال» ولم يكن ثلاثة نهارات، والامتناع عن الكلام أو عدم مخاطبة الناس «أي الصمت» كان صمتاً يتماهى مع صمت الليل.. أو بما يحيل إليه الليل من صمت.
نلاحظ، أيضاً على هامش هذا الخطاب أن صلوات النهار صامتة (الظهر، والعصر)، في حين صلوات الليل مسموعة، والوضع الديني أو الحالة الدينية متصلة بالصمت، والكلام بالإشارة.
تلتقي هنا، البشرى مع «اعتقال اللسان من غير مرض» مع الليل، في إطار فكري، حِكَمي، وفي إطار قصصي أيضاً منسوج ببلاغة ربانية إعجازية.

أبراج الصمت

من الفضاء الديني، إلى الفضاء الميثولوجي أو المعتقدي؛ إذ يقرأ الكاتب الأرجنتيني «ألبرتو مانغويل» عملاً روائياً للكاتب البريطاني روديارد كبلينغ (مولود في الهند وحائز نوبل للآداب في العام 1907)، يقول مانغويل في صفحة (65) من كتابه «يوميات القراءة»: «يروي كبلينغ كيف أن والدته عثرت يوماً على يَدِ ولد سقطت في حديقتهم في بومباي من عُقابٍ أخذها من أبراج الصمت».
ولكن ما هي أبراج الصمت هذه؟، الفضل في الإجابة يعود إلى أديب الخوري مترجم كتاب «يوميات القراءة»، فهو يشرح في الهامش أن جثث الموتى في الزرادشتية لا تدفن في قبور؛ بل توضع في أماكن خاصة هي «أبراج الصمت» بعيداً عن المدينة؛ لتأكلها الجوارح.
ولا تزال «أبراج الصمت» هذه موجودة في أماكن عديدة في إيران والهند وغيرهما، ولا زالت تستخدم ولو على نحو أقل في بعض المناطق ومنها بومبي.
البرج الصامت حمل صفة الصمت رجوعاً إلى صمت الموتى، أو صمت الميت، الذي ما إن يوضع في البرج حتى ينقض عليه عقاب أو أي طائر جارح آخر، أي أن هذه الأبراج الجنائزية الجثمانية هي مقابر؛ لكنها مقابر مفتوحة؛ بحيث يتاح للطائر الجارح أن يتمكن من الجثة ويلوذ بها ويأكلها.. لتذهب إلى صمت آخر داخل الطائر نفسه. في بعض المعتقدات الهندية أيضاً تُحرق الجثة، وينثر رمادها في نهر مقدس في الهند، كأن حرق الجثة يتماثل هنا مع اختطاف طائر لجثة وأكلها في العراء بعيداً عن الناس أو على مرأى منهم، وبصمت.

حكمة شرقية

في الحكمة اليابانية.. «فلسفة الزن» يقال: «أحمق صامت قد يرقى لدرجة حكيم عاقل»، ومن حكمة الشرق الأقصى هذه الحكاية من ترجمة يحيى معوض محمد: «قرر أربعة رهبان أن يتأملوا في صمت لمدة أسبوعين لا يتبادلون خلالهما الحديث قط.. عند هبوط الليل في اليوم الأول، بدأت الشمعة تتذبذب ثم انطفأت.. فقال الراهب الأول: آوه، كلاّ! لقد انطفأت الشمعة، قال الراهب الثاني ألا يفترض بنا عدم الحديث؟.. قال الراهب الثالث: ما الذي دفعكما أنتما الاثنان إلى كسر الصمت؟.. عندئذ تحدث الرابع ضاحكاً وقال: مرحى! إنني الوحيد الذي ظل صامتاً».
لقد خرج الرهبان الأربعة خاسرين تماماً من الرهان، ومن انتصر عليهم معاً هو الصمت، فالأربعة خضعوا لسلطة أو لإغواء الكلام، وهم كانوا سيخضعون إلى هذه السلطة حتى لو لم تنطفئ الشمعة.
يقول الشاعر الداغستاني «رسول حمزاتوف»: «إن الإنسان في حاجة إلى عامين ليتعلم الكلام، وإلى ستين عاماً ليتعلم الصمت».

قصائد الهايكو

تنتشر على صفحات المجاميع الشعرية الحاملة لقصائد «الهايكو» اليابانية مساحات هائلة من البياض، وهنا أتذكر ما قرأته قديماً أو قاله لي الشاعر عبدالوهاب البياتي قبل سنوات طويلة، أن الألمان في العهد النازي كانوا يأمرون السجناء بالجلوس ساعات طويلة وهم يحدقون صامتين في شاشات بيضاء، والنتيجة بعد تكرار هذا الصمت والتحديق في الشاشة البيضاء أن السجناء يبدأون رويداً رويداً بفقدان الذاكرة.
يمحو البياض الذاكرة في هذه العقوبة، أي أن الصمت في حدّ ذاته يتحول إلى عقاب أو إلى نوع من التعذيب. نعود إلى «الهايكو» أو بياض الهايكو، والشعر في كل الثقافات والحضارات لم يكن في يوم من الأيام عقوبة؛ بل، في «الهايكو» ثمة قصيدة صامتة في الأصل بكلماتها القليلة، ونظامها الوزني الصارم.
هذه الكلمات القليلة في قصيدة «الهايكو» تشي بالصمت والبياض المحيط بالكلمات هو «لون الصمت».. «لاحظ هنا أن الموت الذي يحيل إلى الصمت يتمثل أيضاً في لون الكفن الأبيض».
«بياض الهايكو»، إن جازت العبارة، استعارة من لون الثلج.. استعارة من الزهور البيضاء، أي أن «قصيدة الهايكو» هي استعارة من الطبيعة ذاتها.. الطبيعة الصامتة، والطبيعة الناطقة، وعلى أي حال يكثر البياض بوصفه استعارة من لون الثلج في «شعر الهايكو»، أي يكثر الصمت في «شعر الهايكو» بوصفه بياضاً.. وهذه ثلاثة نماذج من الهايكو من ترجمة صلاح صلاح:
الثلج، راح يذوب
بعصاي شققتُ نهراً كبيراً
قرب البوابة الأمامية
* * *
حتى الغراب
المكروه عادةً
جميلٌ في صباحات الثلوج
* * *
على قبعتي
الثلجُ يبدو خفيفاً
لأنه لي

رثائيات وتراجيديات

يتكثف الصمت على شكل رثائيات ودموع جافة، وعلى شكل تراجيديات مرصوفة بالآلام؛ وذلك جرّاء إبادات تجري في التاريخ تضيع بعدها ثقافات وتراث وحضارات بأكملها، كأن الإبادة الثقافية أو إبادات الشعوب يعقبها صمت كوني رهيب يتوغل في ذوات الشعراء بشكل خاص، وهم الأكثر حساسية وسط هذا التكثيف.
أباد الاستعمار الإسباني لغة وثقافة قبيلة «الكيتشي مايا» من الهنود الحمر، وهي القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر الغواتيمالي «امبرتو أكابال» مواليد عام 1952، وبدت تلك الإبادة وقد خلّفت وراءها شكلاً من أشكال الصمت، يتصل باللغة بالذات، غير أن أكابال أمسك بلغة قبيلته.. وأخذ يكتب شعره بهذه اللغة، التي لم يرد لها أن تموت في الصمت؛ بعد الإبادة أو مجموعة الإبادات، التي تعرضت لها ثقافة الهنود الحمر على يد البيض.. الأمريكان البيض، ليدفعوا بالهنود الحمر إلى ما سميته قبل قليل «تكثيف الصمت على شكل تراجيديا».
هل لهذا السبب يكثر الصمت في شعر «امبرتو أكابال» الذي نقله إلى العربية الشاعر د.وليد السويركي بشفافية تعادل شفافية أكابل، يقول أكابال وقد استعار أرواح الحجارة والوقت والطيور والأشجار في وطن قبيلته:
الوقت صمت
تعشقه الطيور
ترشه بغنائها
وتغزله بأصواتها
وفي مكان آخر يقول:
ثمة وادٍ الماء فيه يحدث نفسه
والصمت فيه سيد الوقت
هناك أودّ أن أكون لأولد في النسيان
ويقول أيضاً:
سأصمت لأسمعك..
فلا تتكلم كي تخرسني
* * *
أتكلّم أتكلّم كي أغلق فمَ الصمت
* * *
ليس أن الحجارة صمّا
إنها تلتزم الصمت فقط
لم يكن هذا الصمت «الأبيض» في لغة هذا الشاعر الهندي الأحمر سوى صمت تلا إبادة، ولكن قوة الشعر هي من قوة الثقافة التي يولد منها، الثقافة التي تستعاد باللغة، حتى لو كانت لغة الصمت.

الأخ الأصغر للصمت

في مذكرات الأكاديمية والكاتبة الإيرانية آذر نفيسي، التي تحمل عنوان «أن تقرأ لوليتا في طهران» كان زوجها «بيجان» أنيقاً دائماً في صمته.. كانت لغة «بيجان».. هي صمته، ولكنه، من وقت إلى آخر، وإن اقتضت الحاجة يعبر عن نفسه بالكلام، ولكنه يظل كلام «بيجان».. المقتضب، المكثف؛ بل ربما هو أقرب إلى الهمس، كأن الهمس هو الأخ الأصغر للصمت.
تصف آذر نفيسي صمت زوجها على هذا النحو: «كان بيجان من النوع الذي يعبر عن نفسه بالصمت؛ بل ويجتهد التعبير الصامت.. ومنه خبرت وجود أشكال مختلفة للتعبير صمتاً: الصمت الغاضب، والصمت الرافض، إضافة إلى الرضا صمتاً، والحب صمتاً، كان الصمت عنده يتراكم أحياناً؛ فيتفجر سيولاً من الكلمات الهادرة».
الأم في غالبية روايات ألبيركامو صامتة، والأم في رواية مكسيم غوركي يتحول صمتها إلى «عمل سياسي»، وسجناء دوستوفسكي في «مذكرات من البيت الميت» صامتون أيضاً أو شبه صامتين: «..ولما أدرك أننا صامتان، وأننا قررنا أن لا ننتبه إليه، هرع، كابياً، مرتجفاً غيظاً، وعلى بعد خطوتين منا كانت توجد منضدة كبيرة، يوضع عليها الخبز المقطع لغداء وعشاء السجناء..».
في رواية «ليلة ليشبونة» للكاتب الألماني أريش ماريا ريمارك كان «شفارتس» المطارد من الجستابو الألماني صامتاً رغم أنه أمضى ليلة بكاملها من حانة إلى حانة وهو يتحدث إلى رجل آخر.. هذا الأخير كان صامتاً طوال الرواية.. يصغي إلى الحزن المكثف في كلام شفارتس الذي سيواري جثة «هيلين» في إحدى مقابر لشبونة، ويعطي تذاكره وجواز سفره للرجل الآخر، وقد صرف شفارتس أي فكرة عن ذهنه بشأن السفر إلى أمريكا.
بطل رواية «شرق المتوسط» لعبدالرحمن منيف صامت هو الآخر.. رجل مطارد من البوليس يختبئ في غرفة.. يختبئ في صمته، وإجمالاً، تحيل الشخصية المطاردة إلى الصمت، كأن الصمت في حالة المُطارد شكل من أشكال الحماية.

أسرار

وجد الكثير من فناني القرن الثامن عشر والتاسع عشر أعماق أرواحهم في رسم «الطبيعة الصامتة».. الزهور تحديداً، والفاكهة، لوحة التفاح والبرتقال، مثلاً للرسام الفرنسي بول سيزان وقد رسمها في عام 1895، ورسم فان كوخ الطبيعة الصامتة أيضاً وتحديداً في لوحته الشهيرة «أزهار عبّاد الشمس»، أما صمت «الموناليزا» فهو ذاته يبدو وكأنه عبقرية صمت ليوناردو دافنشي.. إلى اليوم، كما يقال دائماً، لا أحد استطاع أن يفك سر ابتسامة هذه المرأة.. الابتسامة «الصامتة».. أو الصمت الذي يتكثف على شكل ابتسامة.

لغة الإزميل

لا تستطيع أن تقنع نحاتاً بأن تمثاله صامت، فللحجر وللبرونز وللحديد والخشب والفخار لغة يدركها جيداً الإزميل.. وذلك الإصغاء المتحول إلى دهاء عند النحات الذي يجمد الزمن في عمله النحتي.
من مركب أصوات: صوت الإزميل، صوت المادة المشغولة بالإزميل، والمطرقة وغيرها من عدة النحات.. أقول من كل ذلك يولد التمثال، فهو إذاً في الأصل مجموعة أصوات تكثفت أو «جمدت» في الصمت.
يملأ «هنري مور» فراغاته وامتلاءاته النحتية بالصمت، والكينونة الشعرية في أعمال «منى السعودي» هي كينونة صامتة؛ لكنها مرفوعة دائماً على تلك البلاغة الأزلية في الحجر.

___________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

قصَّة جائزة “البوكر”.. الرواية المجبولة بعرق العبيد

* نبيل عبد الكريم خلال مباراة وديّة في الغولف، اتّفق الصديقان البريطانيان “جوك كامبل” رئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *