الرئيسية / إضاءات / عندما تنهّد السلطانُ أبو عبد الله الصّغير وتنفّس الصّعَدَاء

عندما تنهّد السلطانُ أبو عبد الله الصّغير وتنفّس الصّعَدَاء

خاص- ثقافات

مدريد – د. محمّد محمّد الخطّابي *

 

فى ذكرىَ سقوط غرناطة..اليوم الأسود فى تاريخ الأندلس

قال الشاعر الغرناطي الذائع الصّيت” فيدريكو غارسّيا لوركا “:” فى هذا اليوم الذي ضاعت فيه الأندلس ضاعت حضارة رائعة، لا نظير لها،ضاع الشّعر والموسيقى، ضاعت علوم الفلك ، ضاعت الفنون المعماريّة، وضاعت حياة مُترفة فريدة ،لا مثيل لكلّ ذلك فى العالم أجمع”.

يؤكد الباحثون المتخصّصون فى تاريخ الأندلس أن آخر معاقل الإسلام فى شبه الجزيرة الإيبيرية غرناطة لم يتمّ إسترجاعها  أبداً  بالقوّة  من طرف الإسبان، بل تمّ تسليمها فى أجواء سلمية للملكيْن الكاثوليكيْين فرناندو وإيسابيل فى الثاني من يناير (كانون الثاني) من عام 1492 ،إلاّ أنّ المعاهدة التي أبرمت خلال هذا التسليم  بين الطرفيين لم تُحترم ولم تطبّق أبداً. كما يؤكد المؤرّخون أنّ هؤلاء الذين أبعِدوا ،وأقصُوا،وطرِدوا وأخرِجوا من ديارهم لم يكونوا عرباً، أو أمازيغ ،أو يهوداً بل كانوا غرناطيين إسبان مثل سائر سكان حاضرة غرناطة وباقي المدن الأخرى فى ذلك الأوان،وطالب هؤلاء المؤرخون غير ما مرّة فى العديد من المناسبات بضرورة تضميد جراح الماضي، وإلتئامها،لإقامة تقاربٍ أوثق، وتدانٍ أقرب، وتثاقفٍ أوسع، وحوارٍأعمق، وإعادة قراءة التاريخ  بمنظارأكثر تسامحاً لإستخراج العناصر الصّالحة منه  لنا جميعاً. خمسة قرون ونيّف إنصرمت على حدث تسليم آخر ملوك بني نصر السلطان أبي عبد الله الصغير،المعروف فى الرّوايات الإسبانية باسم BOABDIL لآخر معاقل الإسلام فى الأندلس مدينة غرناطة للملكيْن الإسبانيين الكاثوليكيين. فى مثل هذه التواريخ جرت بهذه المدينة الإحتفالات التي تقام بهذه المناسبة من طرف فئة قليلة من الإسبان الذين فى قلوبهم غلّ ليعيدوا إلى الأذهان ذكرى سقوط هذه الحاضرة الكبرى التي  كانت وما زالت تحتضن بين جنباتها لأجمل المعالم التي خلّفها المسلمون فى شبه الجزيرة الإيبيرية وهي قصر الحمراء، ومعها سائر أصقاع الأندلس .

ماغدالينا وغالا

كيف يرى الكتّاب الإسبان الكبار الذين لهم وزنهم فى الأوساط الثقافية داخل إسبانيا وخارجها موضوع هذا التسليم..؟ كمثال لذلك نعيد إلى الأذهان – على سبيل المثال وليس الحصر – ما قالته الكاتبة الإسبانية “ماغدالينا لا سالا” ،والرّوائي الإسباني المعروف ” أنطونيوغالا ” صاحب رواية” المخطوط القرمزي” عن أبي عبد الله الصغير، فى هذا القبيل، تقول” ماغدالينا لاَسَالَا” خلافاً لما قيل وأشيع عن هذا الموضوع الشّائك ،وسال حوله حبر غزير:” أنّ آخر ملوك بني الأحمر أبا عبد الله الصّغيرعلى العكس ممّا قيل عنه بخصوص موقفه “المُذلّ” بتسليمه مدينة غرناطة كان رجلاً شجاعاً ،وسياسياً ذكيّا، إذ ادرك أنه كان بمثابة الحَجرة الأخيرة في طريقٍ كان لابدّ له أن يُعبّد .كان يعلم بأنه يمثل نهاية حقبة، وبأنه لا يستطيع مواجهة تقدّم جحافل الجيوش القشتالية، وإعداداتها العسكرية الهائلة.،كان يعلم أنّ أيامه أضحت معدودة. وأنه بتسليمه غرناطة أنقذ معلمة قصر الحمراء. حيث كان يدرك تمام الإدراك،ويعي تمام الوعي كيف أنّ فرناندو الكاثوليكي الأراغوني المتعنّت لم يكن يقف شيء أو عائق في طريقه، فقد أخضع فى جميع غزواته السّابقة مختلفَ المدن التي مرّ بها بعد حصارات دمويّة طويلة. الشيء الوحيد الذي كان فى إستطاعة  أبي عبد الله القيام به فى النهاية هو إنقاذ “الحمراء” من الدمار. إذ أنه  لو لم يكن قد سلّم مفاتيحَ المدينة في ذلك الموقف المهين للملكيْن الكاثوليكيْين للكانت جيوشهما قد إقتحمت القصور، ولمَا كان اليوم  فى وقتنا الحاضر وجود فعلي قائم  للحمراء “.

ويرى ” غالا” من جهته:” أنّه إكتشف أنّ أبا عبد الله الصغير قد أصبح في عيون الباحثين، والمؤرّخين، والناس مُخادعاً، مُتخاذلاً جباناً، فهذه كتب التاريخ تصف لنا لحظة التسليم المذلّ فتقول: ” وافق السلطان أبو عبد الله الصّغير على شروط التسليم، ولم يكن في مقدوره إلاّ أن يوافق، وتنازل عن آخر معقل للمسلمين بالأندلس، ووقف مع ثلة من فرسانه بسفح جبل الرّيحان، فلمّا مرّ موكبُ الملكيْن (فيرناندو وإسابيل) تقدّم فسلّم لهما مفاتيحَ المدينة،ثم لوى عنانَ جواده مولياً، ووقف من بعيد يودّع مُلكاً ذهب، ومجداً ضاع،وكان هو بأعماله وسوء رأيه سبباً في التعجيل بضياعه “. وكانت كلمات أمّه خيرَ ما يمكن أن يوجّه إليه في هذا المقام، فقد رأته يبكي فقالت له كلمتها الشهيرة: ” إبكِ مثلَ النّساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثلَ الرّجال”!، وما زالت الرّبوة،أو الهضبة أوالأكمة التي ألقي منها آخرَ نظرةٍ على غرناطة وقصر الحمراء ثمّ  تنفّس فيها الصّعداء وتنهّد حيث عاتبته أمّه، تُسمّى باسمه حتى اليوم  El Suspiro del Moro..!.

  ويقول “غالا” فى موضعٍ آخر: “فى مرحلة بداية إراقة الدّم في إسبانيا أيّ في نفس يوم 2 يناير( كانون الثاني) 1492، عندما تمّ تسليم غرناطة أصبحت إسبانيا فقيرة، ومنعزلة،وهرمة لمدّة قرون، بعد أن أفلت شمس الحضارات السّامية العربية عنها ،عندئذٍ إنتهى عصرُ العلم، والحِكمة، والفنون، والثقافة الرّفيعة، والذّوق، والتهذيب ، و تمّ مزج كلّ ما هو قوطي وروماني بالمعارف العربية البليغة ، وكان هؤلاء الذين يطلقون عليه غزواً ، لا يدركون أنه كان في الواقع فتحاً ثقافياً أكثر من أيّ شيء آخر،ممّا جعل الاسبانَ يسبقون عصرَ النهضة بحوالي قرنين، إلاّ أنه بعد الثاني من يناير 1492 إنتهى كلّ شيء، أفل ذاك الإشعاع،وخبَا ذاك الإشعاع، وتداعت إدارة الاقتصاد، والفلاحة، وكذا الأعمال والأشغال المتواضعة التي كان يقوم بها العرب والأمازيغ فضلاً عن اليهود، وظلت إسبانيا بعد ذلك التاريخ تافهة ، ومغمومة،ومخذولة، وكان عليها أن تنظر إلى الخارج، ومن ثمّ كان ما يُسمّى ب”الإكتشاف” أي إكتشاف الارض البكر التي أطلق عليها بأمريكا. ويضيف “غالا ” :”أنّ مكتبة قصرالحمراء كان أكبر قسط منها يتألف من مكتبة “مدينة الزّهراء” التي كان بها ما ينيف على 600000 مجلّد، وقد أحرقها (الكاردينال سيسنيروس) عام 1501 في مكانٍ يُسمّى “باب الرّملة ” بمدينة غرناطة،( أصبح هذا المكان اليوم ساحة تحمل نفس الإسم العربي القديم) فاختفت العديد من الوثائق،والمراجع، والمخطوطات، والمظانّ، وأمّهات الكتب النفيسة والغميسة التي أبدعها علماءُ أجلاّء في مختلف فروع المعارف في الأندلس “، ويُقال إنّ الجنود الذين كُلّفوا بالقيام بهذه المهمّة كانوا يُخفون فى أرديتهم وألبستهم بعضَ هذه المخطوطات أثناء إضرامهم النارَ فيها لفرط جمالها،وروعتها، إذ كان معظمها مكتوباً بماء الذّهب والفضّة، آية في الرّونق والبهاء.

أبو عبد الله الصّغير

شكراً أيّها الشّاعر الرّاوي المتيّم ،المقتفي لآثارهذاالسلطان السيّئ الطّالع أبي عبد الله الصّغير، كما يقتفي “نيرودا” لآثار أرْجُل النَّوارس على الرّمال، فى الشطآن النائية،شِعرُك غذاء للنّفس، والعقل، والوجدان معاً ، نصّك سجّاد طائر، وسردك زورق من ورق بلّوري ساحر، ينقل قارئه فى رحلة ممتعة إلى عمق التاريخ،عبر قارب إسمه اللغة فى أبهى حللها ، لتطير أو تطوف بنا فى غياهب المسافات، مهما شحطّ المزار، أوبعدت الديار، يراعٌك بَوْصلة بيد ربّان يجيد فنّ الإبحار فى مباهج اللغة وشواردها، أشرعته كلماتك الموفية، وحيزومه أسلوبك السّلس،الذي يأخذ بمجامع القلوب، بإجادتك فنّ الغَوْص، أخرجتَ لنا تلك الدّررالنفيسة، والصدفات المتلألئة التي ترصّع فلكك بالقوافى الغُرّ، والقصائد الموشيّة. تتبّع خطوات أبي عبد الله الصغير،باحثاً عنه فى سديم الليالي الحالكات بمصباح ديوجين لرصد آهاتِه وإقتناص زفراتِه، وتسجيل حسراته ،. صَغُرأبوعبد الله الصغير فى أعين الناس ، ولكنّه كبر فى أعيننا بسردك البليغ الذي ينبض حياةً وحيويّةً، ويتدفّق خصوبةً ونضرةً، لقد إرتقيت بنا بطلاوة بيانك،ولكن سرعان ما إنهدّت قلوبنا مع تنهيدة أبي عبد الله، لحظة التسليم على الرّبوة إيّاها التي ما زالت تحمل إسمَه إلى اليوم..!

الفِرْدَوْسُ غير المَفْقُود!

يذكّرنا الثاني من ينايرحتماً بضياع هذه الحضارة الفريدة التي ظهرت، ونشأت،وتألّقت، وازدهرت،وسادت ثمّ بادت فى شبه الجزيرة الإيبيرية التي أنارت دياجي الظلام فى أروبا دهرئذٍ لحقبة  زمنيّة إمتدت زهاء ثمانية قرون..فهل هي ضائعة حقّاً ..؟ وهل  يحقّ لنا أن نَسِم (الأندلس)  اليوم”بالفردوس المفقود” !؟  فقد سمّوه فردوساً، ولكنّه ليس مفقوداً كما وُهِمُوا، بل إنّه هنا حاضر الكيان،وقائم الذات،إنّه هنا بسِيَرِه وأسواره،وبقاياه وآثاره، ونفائسه وذخائره،إنّه هنا بعاداته وطبائعه، فى عوائده وأهوائه،إنّه هنا فى البريق المشعّ، فى المدائن، والضّيع، والوديان،فى اللغة والشّعر، والعلم والأدب،والأمثال السّائرة، والأقوال المأثورة، فى لهجة القرويّ النّائي،ولكنة الفلاّح المغمور،إنّه هنا فى الإباء والنّخوة ،فى الحزازات القديمة،التي ما تزال تفعل فى ذويها فعلَ العُجْب.. !.

هذه الجزيرة المحروسة التي هاموا بعقيانها هياماً ، ثمّ سرعان ما خبت الضّياء، وجفّت المآقي، هذه الواسطة فى عقدٍ من جُمان، مُرصّعة فى جيد الزّمان، كيف وهنت قلادُتها ..؟ وتناثرت عقيانها ، وانفرط عقدُها ..؟ وتحوّلت إلى عَبَرات حرّى تبكي العهدَ والجدَّ والدار.. ؟ هكذا كانت البداية ثمّ أفلت الشمسُ بدون شروق قريب، وغاض النّبعُ الرّقراق،ولم يبق سوى وميض خافت نتلمّسه هنا وهناك ، سرعان ما تحوّل إلى بريق مشعّ نفّاّذ ، تراه فى هذه الأعين النّجْل ، والحواجب المُزجّجة، ذات الملامح العربية، والأمازيغيّة الأصيلة، والمولّدة ،والقسَمَات الدقيقة،التي تحملك فى رمشة عين إلى أعماق الجزيرة الأولى، أو إلى جنان الرُّصافة والجِسر،أو تتيه بك فى غياهب المسافات السّرمدية اللاّمرئية.

الأندلس.. أيُّ سرّ أنت كائن فينا وبيننا ؟ أيّ سحر أنت تائه فى طيّات الألسن، ومخادع القلوب.. ؟ يتساءلون وقد علت جباهَهم علائمُ الشّدوه، وأماراتُ السُّؤْل، كيف حدث ذلك ..؟ كيف إستطاعت سنابكُ خيولهم المُسوّمة بقيادة طارق أن تطأ ثرى هذه الأرض البِكر،وأن تُقام واحدة من أكبر الحضارات الإنسانية إزدهاراً وتوهّجا أشعّت على العالم المعروف فى ذلك الأوان ! إنهم ما فتئوا يتساءلون كيف تسنّى لهؤلاء القوم الغُبْر الوِشاح، البُداةُ الجُفاةُ أن يضطلعوا بكلّ ذلك؟ وتزداد حيرتُهم ، ويتفاقم ذهولُهم ، كيف دانت لهم الدّنيا، ودالت لهم الدّول..؟ كيف أمكن لهم أن يروّعُوا كسرىَ فى إيوانه ..؟ وأن يجعلوا الرّومانَ يفرّون تحت وخزات الرّماح ، وثقل الصّفاح ..؟

الأندلس .. إنّها ما زالت هنا فى العادات المشرقيّة والمغاربية الجميلة ، فى رعشات الأنامل ، وإنحناءات الأذرع، فى ضربات الأكفّ المتوالية، واهتزازات الأرجل المتناغمة التي تذكّرنا بعروس البقاع زحلة الأَرز ،وحَمَاة القاهرة،وبغداد الهوىَ وبمرّاكش الحمراء.. إنها هنا فى هذه الأقراط العربية المدلاّة عبر جيد بَضٍّ فى بياض النّرجس ، ذي ذوائب فاحمة، إنّها شامخة فى قصر الحمراء، وجنّة العريف،فى الزخارف والأقواس، فى النقوش المرصّعة بمرمر مَوْضُون، ورخام مَسْنُون، وإفريز خشب محفور، إنها فى نوافير المياه ، والبِرَك والسّواقي المتلألئة ، فى الموشّحات، والأزجال ،والخَرْجات الأندلسية الرّخيمة،إنها هنا فى الرّاح التي لا تلبث أن تتحوّل إلى روح حيّة مُحاوِرة ..!

أيّها النائي القريب ، إنهم يحنّون إليك ، ويتغنّون بك وبإسمك ، قَلَوْك زمناً ، ولكنّهم سرعان ما فاقوا من سُباتهم ، وثابوا إلى رشدهم ، وتخلّوا عن نكرانهم ،فراحوا يشيّدون لك الأبنيةَ والمُجسّمات والتماثيل المُخلّدة،ولكنّهم فى خَبَل من أمرهم ، ذلك أنّ ربيعك دائم متجدّد، لا تراه الأعين ، ولا ترمقه إلاّ في الحدائق والجنان ،أو على ضفاف الأنهار المنسكبة ، والجداول المنسابة ، بل إنّها فى النغمات والآهات، والخُطى، والعُيون، والحواريّات ،إنّها ربيع طلق ضاحك،باسم لا يعقبه صيف قائظ،، بل يتولّد منه ربيع تلو ربيع .!

 إنّهم (الإسبان) يَتَأورَبُونَ أحياناً أكثر من الأوربيّين أنفسهم..! وأحياناً أخرى تشطّّ بهم الأحلام بعيداً بعيداً ولكنّهم فى كلتا الحالتين أبداً يظلّون ملتصقين بأرضهم التي تعاقبت عليها حضارات ، فخورين بأجناسهم ،مزهوّين بمحتدهم وتاريخهم ،مشدودين إلى عاداتهم الدّخيلة، وإلى لغتهم المزدوجة، وتقاليدهم العريقة ، قالها “ماتشادو”، ولوركا”، و”ألبرتي”،و”دامسُو” ،و”أليكسندري”، مثلما قالها قبلهم “إبن زيدون”، وابن هانئ”، وابن عبد ربّه “،” وابن زُمرك “،وإبن حمديس، و”ابن الخطيب”،و”ابن سهل”،وابن حزم وسواهم !.

طوْقُ الحَمَامة

يضحكون منك وعليك ،وهم فيك ومنك وإليك ، ينكرون طبائعَك وعوائدَك ، وهم الذائدون عنها.هنا حطّ الشّاعرُ يوماً رحله، بعد أن هجر القصرَ وترفَه، والشّعرَ ولغوَه، بعد أن بنى معبداً للصّلاة، فكانت له جنّة الخلد، هنا فى هذه الحياة الدّنيا قبل الآخرة، بعد أن خلّف وراء ظهره ثماني من الرّواسى الرّاسخات ، إنها تعدّ عدّاً،ضاربة جذورَها فى عمق التاريخ ، تعلو في عنان السّماء يعانق قوسُ قزحها الآفاقَ البعيدةَ، معلنة للملأ أنّها ما زالت ها هنا قائمة الذات، منقوشة في الصّور والمجسّمات ، فى الدّور والقصور، فى الحمراء، وجنّة العريف، وبرج الذهب، والخيرالدا، والجعفريّة، والظفرة ،وفى القلاع الحرّة، والحصون المنيعة، وفى الرّقصات والعيون، وفى العقل واللسان والجَنان. إنّها ها هنا تَسْلُبُ لبّ العاشقين، وتروي صدى وأوامَ الهائمين،من دوحها إنطلقت حمامة ” بن حزم”  يصدح هديلُها حزيناً، باكياً، شاكياً، يلقّن المحبّينَ والعاشقينَ أصولَ العشق، والهيام، والهوى،والحبّ، والصّبابة والجوى..!

الأندلس هذا النّهر الجارف المنهمر،هذا الوادي الرّقراق الذي شقّ النّسيمُ عليه يوما جيبَ قميصه، فانسابَ من شطّيه يطلب ثارَه، فتضاحكت ورقُ الحَمام بدوحها هزءاً ، فضمّ من الحياء إزارَه. هذه الفاكهة المحرّمة المُعلقة فى شجرة ليس لها جدع قائم ، من يطولها يطول الخلد ، وتعود إليه الحياة فى ثوب قشيب جديد مُتجدّد. هذه الأغرودة الحلوة الحالمة التى تنطلق عند الأصيل من حنجرة رخيمة (لفلاّحٍ منكوب) ” الفْلاَمِنْكُو”..! على ضفاف الآهات،ورموش العيون المُسبلة ، تتمازج فى رونق بديع،وبهاء رائع مع ترانيم وتغاريد الطيور،ووجه المليح مُشعّ لامع مثل الثريّا ،والسّاقي المؤدّب يسقي بالأواني البندقية ، والعيدان تصنع تواشي لا يملُّ السّمعُ منها ولا يشبع، ولا يكلُّ اللحظ ولا يدمع ، ولا يفلّ القلب منها ولا يشفع ، هذا الحسنُ الباهرُ، والجمالُ الظاهرُ، هذه الأنثى الهائمة المخصاب التى تغنّى بمفاتنها الشّعراء، وصدح ببهائها المنشدون، فجاءت باشّة، فرحة، جذلة ، كغادة فاتنة أو كغجريّة حسناء يسافر شَعْرُها الفاحم المجنون فى كلّ الدنيا، ثمّ سرعان ما يعود لينسدل على الخصر حُسْنَا وبهاءً…! صدقتَ أيها الشّاعر الولهان المكلوم، وصدق حبّك للأرض الفردوس بين ماءٍ وظلٍّ وأنهارٍ وأشجار!

شاعر الحمراء إبن زُمْرُك الهائم والمتيّم فى الأندلس، وماضي الأندلس، وشعر الأندلس،وأدب الأندلس، وموسيقي الأندلس، وتاريخ الأندلس،وعمران الاندلس،ومعمارالأندلس،ورفاهية وترف الأندلس، وقصور، وحصون الأندلس، خطّ على حاشية مرمر مَسنون، وذهب مَوضون ببهو الأسود هذه الأبيات التي يقول فيها :

يذوبُ لُجيْنٌ سالَ بين جواهر / غدا مثله فى الحُسْن أبيضَ صافيَا

تشابه جارٍ للعيون بجامد / فلم ندر أيّاً منهما كان جاريَا

ألمْ ترَ أنّ الماءَ يجرى بصفحها /  ولكنّها سدّت عليه المجاريَا

كمثلِ مُحِبٍّ فاضَ بالدّمع جفنُه / وغِيضَ ذاك الدّمعُ إذ خافَ واشيَا.
___________

*كاتب،وباحث، ومترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوتا- كولومبيا.

شاهد أيضاً

جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي

*فراس حج محمد   في حديث سابقٍ عن الشاعر مريد البرغوثي استدعى أن أعرّج قليلاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *