الرئيسية / إضاءات / زهرة المدائن.. أكبر من رواية

زهرة المدائن.. أكبر من رواية

*محمدو لحبيب

القدس، اليبوسية الكنعانية، بيت المقدس، منتهى الإسراء، وبداية المعراج إلى السماء، تلك كلها صفات مدينة تكاد تكون متفردة منذ عهد إنشائها الأول منذ حوالي 3000 ق.م، وحتى هذه اللحظات التي يقدمها فيها من لا يملكها لمن لا يستحقها كعاصمة أبدية لـ»إسرائيل».
واجهت القدس كل أنواع الاحتلال واستطاعت أن تثبت نظرية مهمة تستحق الدراسة في أنماط فلسفة السياسة الحديثة وهي أن القوة لا تستطيع أن تكون واقعة تاريخية، لقد واجهت مدينة السماء شذاذ آفاق الأرض بشخصيتها المثقفة المكتنزة تاريخا وأصالة. ورغم محاولات الكثيرين استكناه ووصف شموخ القدس وخصوصيتها تلك، إلا أنها أثبتت دوما أنها أكبر من أن تختزل في كتاب يصفها؛ لأنها ببساطة كانت دوما هي الكتاب، كانت مدينة مرتبطة بالسماء، تعطي الأرض في كل لحظة إشراقة ربانية تجعلها أكبر من مجرد ناس وجغرافيا، وربما لذلك فإن كل القرارات السياسية التي تهدف إلى إعطائها وجهاً عنصرياً صهيونياً، لن تستطيع أن تجاوز بعض الخربشات التي تعودت القدس عبر كل تاريخها أن تذروها وتجليها، كلما أرادت أن تكتب وتقدم للعالم أسطرا جديدة في كتابها الممتد بإذن ربها.
القدس إذن كتاب مستمر لم تنته فصوله بعد، وليس ثمة كاتب مهما بلغت عبقريته السردية يستطيع أن يكتب عن الكتاب الذي يجدد نفسه ويضيف لمتنه فصولا جديدة، ثمة فقر وعجز حتى الآن عن استكناه القدس واحتوائها في جمل وأسطر وصفحات، ثمة ما يجعل مدينة المقدسات السماوية تبدو عصية على الكتابة، ولعل هذا بالضبط ما جعل صورة القدس في السرد العربي بشكل عام صورة أقل الوصف الحقيقي لها، على عكس الترانيم الشعرية التي استطاعت أن تلتقط القصيدة التي توجد في كل نقطة وكل فاصلة وكل زقاق وكل حارة وكل إنسان وكل مكان وكل فعل، حياة مقاومة كتبته وتكتبه القدس.

ذاك العجز عن كتابة القدس هو ما يوثقه ويشرحه نقدياً الروائي والناقد الفلسطيني «المقدسي» وليد أبو بكر في ورقة بحثية تناقش صورة القدس في السرد الفلسطيني في بعض مراحله، إذ يقول إن القدس عصية على المبدعين والكتاب العرب والفلسطينيين وذلك لما لها من قدسية دينية وتاريخية وحضارية يصعب تدوينها في أي مؤلف أدبي.
ويبيّن أبو بكر أن كثيرا من المدن الفلسطينية والقرى، اتخذت الأعمال الروائية منها أمكنة روائية أكثر مما حدث مع القدس، ربما لأن هذه الأمكنة أقلّ تركيبا، وواقعها يتسم ببساطة يسهل التعامل معها.
واستعرض الروائي الناقد أبو بكر تجربته الشخصية مع القدس ومعايشته لفسيفساء الحياة داخلها قائلا: غبت عن القدس 30 عاماً، بعد أن عايشتها بضع سنوات، كانت متعتي أن أدخل من باب العامود قبل أن تصحو المدينة، وأن أراقب المدينة وهي تنفض عنها غبار النوم ببطء أول الأمر، ثم بحماسة شديدة بعد ذلك.


ولعل الناقد أبو بكر يشير إلى ضرورة معايشة القدس واقعيا دون الاكتفاء بالمصادر التوثيقية المتوفرة عن الحياة فيها، كي يستطيع الروائي أو الكاتب بشكل عام أن ينجز عملا عنها يتماهى ولو قليلاً مع أسلوبها الفريد في الحياة وفي مواجهة الغزاة.
ورغم هذه الفرضية الواردة جدا من الناحية النقدية، فإن العديد من الكتاب الفلسطينيين حاولوا وما زالوا يترصدون شرف المحاولة من أجل تقديم صورة القدس لا بوصفها ذاك المكان الذي يجمع تراثاً بشرياً وحضارياً سياحياً نادراً، بل بوصفها مدينة تحيا بطريقة خاصة كي تقاوم الموت الذي حاول أن يطبق عليها من خلال الغزاة سنين طويلة ومرات متعاقبة.
ويعتبر الناقد أبو بكر في هذا الإطار أن ثمة جيلاً شبابياً متميزاً من أمثال القاص جمال زكي القواسمي الذي قدم مجموعته «شامة في السماء»، والتي يرى أبو بكر أنه اقترب بها كثيرا من روح القدس وهي تقاوم، وتجاوز النظرة السياحية التي حملتها الأعمال الأخرى، وخفض درجة النبرة العاطفية والخطابية، في الحديث عن القدس، كما أنه أضاف إلى ما سبقه عاملي الاحتلال، ومقاومة الاحتلال بقوة، إلا أنه كما يضيف الناقد أبو بكر لم يستطع في النهاية أن يتجاوز بشكل قطعي تلك الصورة التي قدّمت للقدس من قبل وهي الصورة التي يظنّ راسموها أن ذكر أسماء الأماكن المهمة في القدس، يغني عن توظيف تلك الأماكن بنجاح، داخل النص الروائي بكامله. يأتي الناقد أبو بكر في ورقته البحثية المشار إليها آنفا بمثال آخر يتعلق برواية «قلادة فينوس» للروائية أماني الجنيدي والتي يرى أنها خرجت في المحصلة برواية مشبعة بروح القدس، وفيها كثير من التماسك الفني في الوقت ذاته، وتعاملت مع القدس كمكان واقعي، وكمكان تخلقه الفانتازيا على حدّ سواء.
أمثلة أخرى يرى بعض النقاد الآخرين أنها استطاعت حقاً أن تلم بروح القدس وتقدمها بشكل أكثر نضجا، وأن ترسمها بطريقة تقربها بكل تفاصيلها اليومية إلى ذهن القارئ، يتعلق الأمر هنا بروايتين هما رواية «مدينة الله» لحسن حميد، ورواية «صورة وأيقونة وعهد قديم» لسحر خليفة.
ورغم كثرة الروايات الفلسطينية التي كتبت عن القدس إلا أن الناقد الدكتور خليل الموسى يرى أن رواية «مدينة الله» هي رواية مقدسية بامتياز، ويعبر عن ذلك قائلاً: «رواية جال الراوي على مدى صفحاتها (450 صفحة) في حارات القدس وأزقتها ومقاهيها وشوارعها، وزار كنائسها ومساجدها ومغاراتها، ووصف دروبها ودورها وبساتينها وأشجارها، وحادث نساءها ورجالها وأطفالها، وقدَّم صورة واضحة عن تاريخها وماضيها وحاضرها، ووضع القارئ وجهاً لوجه إزاء المشكلة الكبرى التي تتعرض لها اليوم، وهي رواية مختلفة كلّ الاختلاف عما سبقها من روايات في هذا الموضوع لأسباب كثيرة، ويمكن أن يعدّها القارئ رواية تأسيسية لما سيأتي بعدها من روايات عربية تتخذ من بيت المقدس مكاناً وموضوعاً لها».
ويثير خليل الموسى شغف القارئ بتلك الكلمات ليتعرف على تلك الرواية التي يصفها بكل هذا الوصف والتي كتبت عن مدينة عصية على الوصف، ويقدم وصفا تبريريا لقناعاته تلك حين يبدأ في تحليل الرواية انطلاقا من عنوانها «مدينة الله» الذي يعتبر أن سر اختياره ودلالته مرتبط بفهم ذهنية المقدسي الذي يقول عنه: «إنّ المقدسي صاحب المدينة يريد مدينته على ما نشأت عليه، هي لكلّ الناس والأجناس: هي مدينة الله، وهي ليست لفئة من دون أخرى، في حين أنّ الغرباء يريدون أن يستأثروا بالمدينة وحدهم»، ومن بين أشياء عديدة جعلت خليل الموسى يفضل رواية «مدينة الله» باعتبارها الأكثر نضجاً فيما كتب حتى الآن عن القدس، هو كما يقول القدرة الهائلة لكاتبها حسن حميد على الوصف، ويعبر عن ذلك: «حسن حميد في هذه الرواية وصّاف أمكنة ماهر، فهو ينقل إلى قارئه المشهد على أتمِّ صورة، وينتقل من مكان إلى مكان وكأنّه ماسح جيولوجي يقيس الأرض شبراً شبراً، وأنت تسير معه عبر أمكنة في القدس، وكأنه دليل سياحي عاشق، وقد يعود إلى المكان الواحد غير مرَّة لأنَّه لم يتشبَّع من بهجته وجمالياته، ولذلك أخذ قارئه من يديه وسار معه إلى القدس والمغارة وقلنديا ودروب الآلام وكنيسة القيامة وأريحا وسواها، ويحار المرء أين سيقف وأيّ مشهد يختار، فالرواية بمجملها مشاهد ووصوفات أخَّاذة».
الرواية الأخرى وهي «صورة وأيقونة وعهد قديم» لسحر خليفة نالت هي الأخرى حظها من التقييم المقارن بقدرتها على النفاذ إلى كنه المدينة المقدسة، واستجلاء تاريخها واستثماره بغية «محاولة» رسم صورة عنها، وعن هذه الرواية يقول الناقد الدكتور محمد سعيد الفيومي في مقال له: «ترصد هذه الرواية مدينة القدس وهي تنظر إلى الجسد العربي الطافح بالطعنات، وترصد كذلك حالة شعب يقاوم، اختار رسائله من الحجارة، فهذا الفلسطيني ممثلاً ب«سكينة وجميلة وتوفيق»، يتقدم رافعاً هامته عالياً وقد امتلأت عيونه بالصخرة والأقصى ورفات الشهداء، ويخترع أبجدية جديدة لمن يقتاتون اللحم البشري، ترصد كذلك الفلسطيني وهو يدور من غربة إلى غربة، ومن ضياع إلى ضياع يتجسد بداخله حب من نار لمدينته المقدسة أرض الإسراء والمعراج، إنها رواية القدس المدينة التي ربطت الأرض بالسماء، ترصد الحالة الفلسطينية بكاملها التي لا بد لها أن تنتصر، ففلسطين لم تبخل يوماً بفلذات أكبادها على تاريخها ومستقبلها».
وإذا كانت القدس كما رأينا حاضرة في عموم ما كتب عنها الفلسطينيون، حتى برغم معاناة الكتاب منهم، وبرغم أوجاع الاحتلال والتهجير والتشريد من بلدهم ومدينتهم المقدسية، فإنه من باب أولى أن تكون القدس أكثر حضورا وبهاء في كتابات الروائيين العرب من المحيط إلى الخليج، لكننا قد نتفاجأ إذا قمنا ببحث بسيط لنكتشف أن القدس لم تشغل حيزا يذكر في مجمل السرد العربي، إلا بوصفها مكانا رمزيا يعبر عن التعلق العربي بقضية فلسطين واعتبارها ذلك الجرح المفتوح حتى الآن في الخاصرة العربية، فما السبب أو ما هو المبرر النقدي الذي يمكن من خلاله تفسير غياب القدس عن الرواية العربية، كمكان غير عادي في الوجدان والذهنية العربية المسلمة والمسيحية على حد سواء؟
ينطلق البعض في تبريره لذلك من فرضية المعايشة المكانية التي أشرنا إليها آنفا، وكأن لسان حالهم يقول: إذا كان الكتاب الفلسطينيون (ومنهم من عاش في القدس ولو لسنوات قليلة)، لم يستطيعوا حتى اللحظة تقديم حالة سردية واسعة وكثيفة تعبر عن القدس وتختصرها، فكيف يستطيع الكاتب العربي الذي لم يرَ من القدس إلا بضع صور وتسجيلات سمعية بصرية أن يكتب عنها؟.
بينما يذهب البعض الآخر إلى أن الإمكانية الوحيدة المتاحة للكاتب العربي للكتابة عن القدس، هي أن يكتب عنها رواية تاريخية، ربما يبدو ذلك مبررا بحسب مقولة للكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ حين تحدث عن علاقة الرواية بالتاريخ قائلاً: «إن العلاقة وطيدة، فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها، وهذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون، ثم إن التاريخ عبارة عن أحداث وأشخاص وتفسير ورؤية، والرواية كذلك».
مجمل القول الذي يتفق عليه الجميع من كتب أو من ما زال عاجزا عن استحضار لحظة الكتابة عن القدس، أنها باختصار مدينة أكبر من كل كتابة، وأوسع من كل خيال.
_________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

“فيديو” محمود دوريش في لقاء نادر مع الإعلامية ليلى الأطرش 1983

( ثقافات ) يسعدنا في موقع ثقافات أن نقوم بنشر الحوارات التلفزية التي أجرتها الإعلامية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *