الرئيسية / مقالات / مصابيح العميان

مصابيح العميان

*خيري منصور

حين كتب يحيى حقي «قنديل أم هاشم» كان قد رأى بنفسه من فقدوا البصر بسبب خرافات تنسب إلى الطب الشعبي الموروث، ولا علاقة لها بالعلم، وربما كان طه حسين من ضحايا تلك الخرافات، حيث كانت الأمهات يعالجن عيون الأطفال الملتهبة والمصابة بالتراخوما بوسائل بدائية، منها ما كرّس له يحيى حقي نصه الرائد قنديل أم هاشم، ففي أحد مساجد حي شعبي في القاهرة احترف بعض من يستغلون الدين للاتجار بالبشر والعبث بمصائرهم والطقوس التي ابتدعوها ليست ذات جذور أو مرجعيات فقهية، ومنها أن تقطر العيون الملتهبة بزيت قنديل معلق في سقف مسجد أو مكان مقدس.
وبرؤية مبكرة كان نص يحيى حقي مجالا للتعبير عن صراع بين الخرافة والعلم، وتجسد ذلك على نحو رمزي بين الشاب الريفي الذي درس طب العيون في أوروبا، وعاد برؤية جديدة وعلمية ومن يبشرون بالخرافة واجتراح المعجزات، وما من إحصاءات يمكن تحديدها لعدد ضحايا الخرافة في ذلك الزمن، سواء كانوا من العميان أو المشلولين أو فاقدي الرشد، وعلى الرغم من التطور الذي طرأ على عالمنا منذ ذلك الوقت لم يطو التاريخ ذلك الفصل المأساوي، وها نحن نشاهد على الشاشات بأحدث تقنيات التكنولوجيا من يبشرون بالخرافات ويعالجون المرضى بوسائل بدائية تؤدي إلى تفاقم المرض وأخيرا إلى الهلاك.
وثمة من يعد المطلّقة بالعودة إلى الزوج، إذا أصغت إلى مواعظه والطقوس التي يخترعها، وإذا كانت المعالجات البدائية أدت إلى العمى والصمم والشلل، فإنه في المقابل هناك مناهج ومقاربات بدائية في المجال النفسي، وقد يكون العمى العقلي أشد إيذاء للبشر من العمى العضوي، خصوصا إذا سعى المتاجرون بالطقوس الهجينة إلى إقناع الناس بالعزوف عن العلم والإقبال على الغيبيات، عميان «قنديل أم هاشم» فقدوا أبصارهم فقط، لكن عميان هذا الزمن من ضحايا التضليل الفكري وغسيل الأدمغة فقدوا آدميتهم وتوحشوا، لأن عدم الاعتراف بعلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع له دلالة واحدة، هي اللجوء إلى طقوس موروثة بلا تمحيص، تنسب إلى السماء وهي أرضية خالصة، بل ملفقة من خيال شعبي ومهارات السّحرة وفقه الشعوذة.
وإذا كان المصباح بيد الأعمى لا جدوى له ولا معنى، والعصا أهم منه، فإن ما يكتب الآن وينشر من العلوم الإنسانية وحفريات المعرفة هو كذلك بالنسبة لمن لا يقرأون ولا فضول لديهم كي يعرفوا ولديهم من فائض الجهل والأوهام ما يدفعهم إلى الاعتقاد باحتكار الحقائق كلها.
ولو عاش يحيى حقي أو أبناء جيله من رواد التنوير حتى أيامنا لوجدوا أن هناك قناديل أخرى غير قنديل أم هاشم، هي كتابات ومقاربات بدائية لأعقد الإشكاليات في هذا القرن، فهناك من يتحدثون عن الأمراض النفسية، وهم لم يقرأوا كتابا واحدا في هذا المجال، ولم يسلم حتى الاقتصاد من الطفيليين الذين يتحدثون عنه، كما لو أننا نعيش في عصر المقايضة وأنماط الإنتاج البدائية، تماما كما أن هناك نقادا توقف نموهم عند وادي عبقر وجبل الأولمب، وصدقوا أن الشعر إفراز عضوي لأصحاب المواهب، وأن هناك شياطين منها الذكور والإناث تلهم الشعراء!
وقد يكون محقا ذلك الذي تساءل عن عدم وجود تمثال واحد لناقد في ميادين العواصم، لأنه كما نقل عن غراهام هيو، أضاف بأن النقد غير الموازي للإبداع إنما يتعامل مع حصى النهر وليس مع مائه وتياره، لهذا يمكن عبور الحصى عدة مرات بعكس الماء الذي لا يمكن عبوره مرتين كما قال هراقليطس، ويخطئ من يتصور أن الأمية هي النقيض للعلم والمعرفة، لأنها إذا بقيت عزلاء وبريئة لا تصبح جهلا مقدسا ومدججا بالأوهام، والعدو الجذري للعلم هو الخرافة كما أن عدو العالم هو الجاهل الذي لا يعي جهله، وهذا هو الفارق بين الأمي والجاهل.
لقد عانت طروحات التنوير العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر، أو ما سمي بالنهضة المجهضة من مُضادات تعبر عن مصالح أصحابها، لأنهم يتضررون من المعرفة والكشف عن السبب الذي يبطل العجب، وينتهي إلى فهم الواقع كما هو، وبمجمل حراكاته وما يتحكم بها من عوامل! وربما لهذا السبب تسعى النظم الاستبدادية إلى التجهيل الممنهج وتقدم ثقافة بديلة ومعلبة أفقدها التاريخ صلاحيتها، لإدراكها أن عقب آخيل الذي يشكل نقطة ضعفها، وبالتالي مصرعها هو الوعي والاستقراء وربط المقدمات بالنتائج، وهي أيضا تقدم مصابيح لعميانها وأجراسا لطرشانها وأردية رياضية لمشلوليها على سبيل الاستعراض، وإيهام الآخرين بأنها تقوم بما عليها أن تقوم به إزاء شعوبها!
وما تنفقه النظم المستبدة على مهرجانات موسمية فقيرة القيمة والمحتوى هو بمثابة تعويض شكلي عن مفقود جوهري، بدليل أن معظم الفعاليات ذات العناوين الثقافية تنتهي وتتلاشى أصداؤها لمجرد أن يسدل الستار. وسيبقى السؤال المزمن بلا إجابة وهو ما الذي يفعله العميان بالمصابيح والطرشان بالموسيقى والعبيد بأناشيد الحرية؟
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

هل تتجه الرواية حقا نحو الانقراض؟

*مولود بن زادي   يتساءل الباحثون والأكاديميون منذ أكثر من قرن عن مصير الرواية التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *