الرئيسية / إضاءات / الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل: الرواية الصهيونية واقعاً

الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل: الرواية الصهيونية واقعاً

*أنطوان شلحت

تؤكد ردات الفعل الأولية في دولة الاحتلال الإسرائيلية على قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لتلك الدولة وتوقيع قرار يقضي بنقل السفارة الأميركية إليها ولو بعد حين، أن هذا القرار من شأنه خفض سقف التوقعات في الجانب الفلسطينيّ فيما يتعلق بجولة “مفاوضات السلام” المقبلة التي تعدّ هذه الإدارة لإطلاقها وفقًا لخطة تعكف على إعدادها، وبالأساس خفض توقعاتهم فيما يرتبط بغاية استعادة وطنهم المسلوب من طريق التعويل على حسن نيات واشنطن في ظل إدارتها الجديدة التي يقف على رأسها دونالد ترامب.

وبموازاة ذلك تشدّد ردّات الفعل هذه على أن القدس هي عاصمة الشعب اليهودي، وهي العاصمة الأقدم في العالم.

وتزعم الرواية الشائعة في دولة الاحتلال أن القدس أصبحت عاصمة لمملكة إسرائيل سنة 1003 قبل الميلاد من طرف الملك داود، حين كانت كل العواصم المعروفة في العالم إما مستنقعات أو غابات أو صحراء قاحلة.

وتذهب هذه الروايات إلى ما هو أبعد من هذا، فتشير إلى أن أدبيات تأريخ الشعوب الأوروبية وتأريخ الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية تقرّ على نحو واضح بمكانة القدس كعاصمة الشعب اليهودي في العصر القديم. وفي مثل هذه الإشارات تكمن، في عرف المُروّجين لهذه الرواية، مقولة فحواها أن “اليهود هم الشعب الأصلاني الوحيد في فلسطين”، وأنهم “عاشوا ونشطوا في هذه البقعة من الأرض قبل 1613 سنة من ظهور الإسلام إلى الوجود في سنة 610 ميلادية”، وبناء على ذلك فإن اعتراف الدولة العظمى الأقوى في العالم بأنها عاصمة لدولة الاحتلال يسقط عن المسلمين الحق في الاعتراض على كونها عاصمة دولة اليهود القديمة- المتجدّدة.

مسألة القدس

علينا أن نشير هنا إلى أن مسألة القدس تشكل أكثر المسائل جوهرية في لب الصراع على ما بات يعرف باسم “حل الدولتين”. وبحسب حتى كثير من الدراسات الإسرائيلية، من دون تقسيم هذه المدينة لا يمكن التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية، وذلك لأن الفلسطينيين جعلوا من إقامة عاصمتهم في القدس الشرقية هدفًا مقدسًا. غير أنه في المقابل، فإن أكثرية اليهود مقتنعة أنها “يجب أن تبقى موحدة”، وأنه “لا يجوز تقسيمها وأنها حجر الأساس في الوجود اليهودي”. فمثلًا جرى التأكيد على أهمية القدس ووجهة النظر بشأن وجوب عدم تقسيمها في آخر انتخابات إسرائيلية عامة جرت سنة 2015 بل وحتى في البرامج الانتخابية للأحزاب التي تعتبر “معتدلة”!. وعلى سبيل المثال، جاء في البرنامج الانتخابي لحزب “يوجد مستقبل” (وسط- يمين): “إن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية وهي رمزٌ قوميٌ من الدرجة الأولى. إن القدس ليست فقط مكانًا أو مدينة، وإنما هي أيضًا مركز النموذج اليهودي الإسرائيلي، والمكان المقدس الذي رنـا اليهود بأبصارهم نحوه في كل الأجيال”. كذلك جرى التأكيد في برنامج “المعسكر الصهيوني” (يسار- وسط) الذي يرتسم بكونه المعارضة الرئيسية لحكم اليمين الحالي في دولة الاحتلال، على “تعزيز القدس ومكانتها كعاصمةٍ أبديةٍ لإسرائيل، وضمان حرية الدين والوصول إلى الأماكن المقدسة لكل الأديان، إلى جانب المحافظة على السيادة الإسرائيلية”.

قبل عدة أشهر تم في دولة الاحتلال تأسيس “معهد القدس للدراسات الاستراتيجية” الذي يعرّف نفسه بأنه “يتطلع إلى غاية إفادة إسرائيل من طريق تعزيز الخطاب السياسي والأمني المُحافظ فيها، عبر الأبحاث والمؤتمرات والتواصل مع أوساط حكومية وعسكرية وأكاديمية وإعلامية وجماهيرية”.

وتشكل “القدس الكبرى الموحّدة” والسيادة الإسرائيلية عليها أحد الأعصاب المركزية في منطلقات هذا المعهد الفكرية وفي برامج عمله البحثية. ولذا فإنه فور بدء نشاطه أفرد المعهد لهذا الموضوع مجموعة من الدراسات والمداخلات نشرها على موقعه على الشبكة، وهي كفيلة بأن تقدّم صورة شاملة عن الدوافع الحقيقية لإنشائه، وعن رسالته الفكرية وتوجهاته ومراميه السياسية.

وتشير دراسة حول القدس إلى أن “هناك آراء وأفكارًا (في دولة الاحتلال) تدعو إلى تقسيم القدس وإدخال عناصر عربية إلى حيّز القدس الكبرى، وهي عناصر ستفتك بالسيادة الإسرائيلية”، وتؤكد أن هذه الأفكار والآراء ليس أنها تمسّ بمكانة القدس كعاصة لإسرائيل فقط، إنما أيضًا تعرّض مستقبل الدولة اليهودية كلها إلى الخطر. فالقدس الكبرى هي نقطة أرخميدس للسيطرة وللمحافظة على الشروط الأمنية الضرورية في فلسطين إلى الغرب من نهر الأردن. وبعد هذا ينتقل كاتب الدراسة إلى تحليل مكانة “متروبولين القدس” بوصفه “العمق الاستراتيجي الحيوي للتجمع اليهودي في السهل الساحلي”، ثم لكون القدس “مفتاحًا للحدود الأمنية الآمنة في الشرق”، ثم أهمية السيطرة الإسرائيلية على “القدس الكبرى الموحدة” ودورها المركزي في سياق “محاربة الإرهاب الفلسطيني” وكمصدر رئيسي للمعلومات الاستخباراتية، ثم يعدّد ما يسميه “أفضليات سياسية للسيطرة (الإسرائيلية) على القدس الكبرى الموحدة”، ليخلص في نهاية المطاف إلى الجزم بأن “المصلحة الإسرائيلية تُحتّم السيطرة التامة على القدس الكبرى ومحيطها”، نظرًا لما للقدس من مكانة استراتيجية تجعل “الصراع عليها يحمل في طياته إسقاطات بعيدة المدى على أمن إسرائيل ومكانتها في المنطقة وفي العالم، على حدّ سواء”. وبناء على هذا فإن “تطوير متروبولين القدس تحت السيطرة الإسرائيلية يشكل مهمة قومية وجودية، ذلك بأن حسم الصراع سيتم في داخل القدس نفسها وفي الغلاف المحيط ـ في صحراء يهودا من الشرق، في غوش عتصيون من الجنوب وفي منطقة بنيامين من الشمال”.

عند هذا الحدّ يعيد الكاتب إلى الأذهان أن “أهمية القدس الكبرى لضمان السيطرة على تلك المنطقة وقفت في صلب خطة ألون (يغئال ألون) التي بقي رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق يتسحاق رابين ملتزمًا بها حتى اليوم الأخير من حياته”. كما يعيد إلى الأذهان ما قاله رئيس الحكومة الأول ديفيد بن غوريون في سنة 1968 أنه “من دون استيطان يهودي كثيف ومتزايد في ضواحي القدس، في الشرق والشمال والجنوب، لن يحل السلام على مدينة داود (القدس)”!

لا جديد في “رؤية اليهود”

أرى وجوب أن أعيد قراء هذا الموقع إلى بضع فقرات من مادة نشرناها في مطلع السنة الحالية حول “رؤية اليهود” في دولة الاحتلال لجوانب الصراع على فلسطين من وجهة نظر التحليل النفساني- الاجتماعي.

وأشارت وجهة النظر هذه إلى أنه في الحالة الإسرائيلية، ومنذ إقامة دولة الاحتلال سنة 1948 وحتى سبعينيات القرن العشرين الفائت، كانت الروايات المُساندة للصراع تحتل مكانة مهيمنة، وقد وجدت تعبيرًا لها في سائر القنوات والمؤسسات، الرسمية وغير الرسمية، ومن ضمن ذلك في خطب القادة والزعماء والرأي العام والأدب وكتب التعليم والأخبار والتحليلات في الصحف والإذاعة وأفلام السينما والمشاهد المسرحية. غير أن سلسلةً من الأحداث التي يعتقد البعض بأنها مؤسسة – من ضمنها قيام الرئيس المصري المقتول أنور السادات بزيارة القدس سنة 1977 وحرب لبنان سنة 1982 واتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين سنة 1993- أدّت إلى ظهور رواياتٍ مناقضة، أكدت بدورها الحاجة إلى حلول وسط، وطرحت إمكانية واقعية لعمليةٍ سلمية ووفرت شرعيةً وأنسنة للفلسطينيين. وتعتبر هذه الروايات ضروريةً لإجراء مفاوضاتٍ جادة ولنجاح عملية التسوية. غير أن هذا العهد أخذ يذوي ويحتضر عقب اغتيال رئيس الحكومة يتسحاق رابين وصعود بنيامين نتنياهو إلى سدة الحكم. وبعد ذلك جاء فشل مؤتمر كامب ديفيد سنة 2000، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية سنة 2000، ليدشنا عهدًا جديدًا سمته تصعيد متجدد للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وهي سمة مستمرة لغاية الآن، وقد مُنيت بالفشل جميع المحاولات الرامية إلى إنهاء الصراع بواسطة حلٍ بالطرق السلمية. وأدت الطريقة التي عُرضت فيها الأحداث التي وقعت سنة 2000 من قبل الزعامة وغالبية وسائل الإعلام في دولة الاحتلال، إلى تعظيم الدعم والتأييد للروايات المساندة لثقافة الصراع، والتي تحولت مجددًا إلى رواياتٍ مهيمنةٍ لدى قسمٍ كبيرٍ من الجمهور الواسع. فضلًا عن ذلك فإن المؤيدين لهذه الروايات في صفوف الزعامة والجمهور يشنون حربًا لا هوادة فيها ضد الروايات المناقضة والمعلومات البديلة، وكذلك ضد أفرادٍ وجماعاتٍ ممن يروجونها.

ولفت كاتب وجهة النظر تلك، وهو أحد كبار الباحثين في مجال علم النفس السياسي، إلى أن معظم اليهود في دولة الاحتلال يرون في إقامة هذه الدولة كـ”وطنٍ للقومية اليهودية سنة 1948 هدفًا مقدسًا يحظى بمكانة إجماع”. وبالنظر إلى أن قسمًا كبيرًا من الخلاف مع الفلسطينيين حاليًا يدور- بحسب قراءته- حول الأراضي التي احتلت في حرب 1967، فهو يشير إلى أن كثيرين من اليهود الإسرائيليين يتعاملون مع السيطرة العسكرية على مناطق الضفة الغربية في حرب 1967 بصفتها “استمرارًا لتحرير الوطن القومي”، إذ إن 72 بالمئة منهم لا يقرون بوجود احتلال 67. وفي ضوء محو الخط الأخضر من الخرائط، ومن ضمن ذلك الخرائط التي تدرس في مؤسسات التربية والتعليم الرسمية، ونظرًا للاستيطان اليهودي المتفاقم في شتى أنحاء الضفة الغربية، فقد أخذ قسمٌ كبيرٌ من الجمهور الإسرائيلي يرى في الضفة الغربية “جزءًا مُحرّرًا من الوطن”. ووفقًا للبحث الذي أجراه عالم الاجتماع الإسرائيلي سامي سموحة، سنة 2015، فإن أغلبية كبيرة من اليهود في إسرائيل (62 بالمئة) يعتقدون أن “الفلسطينيين هم عربٌ استوطنوا في أرض إسرائيل التي تعود للشعب اليهودي”. وتعتقد نسبة مماثلة من اليهود الإسرائيليين أنه “لا توجد للفلسطينيين حقوقٌ قومية في هذه البلاد، وذلك لأنهم ليسوا سكانها الأصلانيين”. ولتوكيد ذلك يلفت إلى أنه في انتخابات سنة 2015 تطرقت برامج الأحزاب اليهودية، ومن ضمن ذلك تحالف “المعسكر الصهيوني”، إلى “الحق التاريخي لليهود” في “أرض إسرائيل”، بصفتها أرض التوراة، وهو ما عبر ويعبر عنه أيضًا جميع زعماء هذه الأحزاب. ووفقًا لـ”نقطة الانطلاق” الشائهة هذه، فإن الانسحاب من المناطق التي احتلت سنة 1967 “يعتبر تنازلًا إسرائيليًا عن بقعةٍ جرى تحريرها بثمنٍ باهظٍ”. هذا فضلًا عن أن الانسحاب يتطلب أيضًا ثمنًا إنسانيًا واقتصاديًا باهظًا يتمثل في إخلاء ونقل مستوطنين من تلك المناطق إلى دولة الاحتلال منذ 1948.

موقف واشنطن

يأتي الضغط الإسرائيلي على الولايات المتحدة لنقل سفارتها في دولة الاحتلال من تل أبيب إلى القدس في سياق مطالبة هذه الدولة بتأبيد احتلالها لـ”القدس الموحدة”. وكما يشير كتاب “أرض السفارة الأميركية في القدس: الملكية العربية والمأزق الأميركي” للمؤرخ الفلسطيني المعروف وليد الخالدي، الأستاذ الجامعي المرجع في القضية الفلسطينية، الذي صدرت منه أخيرًا طبعة ثانية بعد الطبعة الأولى الصادرة في بيروت سنة 2000، فمنذ مستهل سبعينيات القرن العشرين الفائت تنشط “لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية- الأميركية” (إيباك) – وهي الذراع الدعائية القوية لدولة الاحتلال في الولايات المتحدة – في الضغط على الكونغرس الأميركي في قضية نقل السفارة (راجع عرضنا لهذا الكتاب في ضفة ثالثة بتاريخ 17 فبراير الفائت).

ويتوقف الكتاب عند بعض التواريخ المهمة، المرتبطة بمقاربة الولايات المتحدة حيال قضية القدس، بما يفسّر موقفها الحاليّ.

التاريخ الأول هو سنة 1988، إذ إنه حتى ذلك العام كان الكونغرس الأميركي يكرّر إصدار القرارات الداعمة لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، إنما من دون أن يتوصل إلى اتفاق بشأن تشريع قانون يفرض ذلك. لكن في يوم 26 يوليو/ تموز 1988 أقرّ ما يُعرف باسم “تعديل هيلمز” الذي أصبح جزءًا من “القانون العام 100 – 459” في أكتوبر/ تشرين الأول 1988. وفتح هذا التعديل الطريق أمام إنشاء “منشأتين دبلوماسيتين” يتم بناؤهما بصورة متزامنة في تل أبيب والقدس ويمكن لأي منهما أن تُستخدم سفارة للولايات المتحدة، وتُترك للرئيس حرية اتخاذ قرار بهذا الصدد. وفي غضون أشهر قليلة وعلى أساس “تعديل هيلمز”، جرى يوم 18 يناير/ كانون الثاني 1989 توقيع اتفاقية بين إسرائيل والولايات المتحدة تم بموجبها تأجير قطعة أرض في القدس الغربية إلى حكومة الولايات المتحدة.

التاريخ الثاني هو سنة 1995، ففي يوم 8 مايو/ أيار من تلك السنة، أعلن السيناتور روبرت دول عزمه على تقديم مشروع قانون في اليوم التالي إلى مجلس الشيوخ يجيز نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وفي يوم 9 مايو صادق مجلس الشيوخ على هذا المشروع الذي تحوّل إلى “قانون نقل السفارة إلى القدس” (“القانون العام 104 – 45”) في يوم 23 أكتوبر 1995. واعترف هذا القانون بالقدس “غير المقسمة” و”الموحدة” و”المجتمعة الشمل” عاصمة لإسرائيل، واشترط فتح السفارة فيها حتى موعد أقصاه 31 مايو 1999. وينص القانون على أنه بدءًا من العام المالي 1999 تُخفّض ميزانية وزارة الخارجية الأميركية الخاصة بالصيانة والبناء في كل دول العالم إلى نصفها إلى أن يتم فتح السفارة. وجرى رصد 100 مليون دولار لبناء السفارة. ومُنح رئيس الولايات المتحدة سلطة تخوله تعليق هذه العقوبة بحق وزارة الخارجية فترات لا تتجاوز أي منها 6 أشهر، إذا ارتأى أن ذلك “في مصلحة الأمن القومي الأميركي”. وعند المصادقة على هذا القانون اعتبره وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر “غير دستوري” لأنه ينتهك الحقوق الرئاسية. ومارست إدارة كلينتون صلاحيتها في تعليق العقوبة بحجة أن نقل السفارة الفوري يضر بنتائج المفاوضات التي جرت بين الفلسطينيين وإسرائيل (مفاوضات كامب ديفيد). 

غير أن الكتاب ركز على قصة الأرض التي تم تأجيرها للولايات المتحدة لإنشاء السفارة في القدس، فأشار إلى أن مساحة قطعة الأرض هذه تبلغ نحو 31250 مترًا مربعًا (7.7 إكرات)، وتقع في الحوض رقم 30113، ويبلغ سعر إيجارها دولارًا واحدًا سنويًا، ويسري عقد الإيجار لمدة 99 سنة ويكون قابلًا للتجديد، شريطة أن تقيم الولايات المتحدة على هذه الأرض منشأة دبلوماسية أميركية في القدس الغربية. وتقع هذه الأرض في منطقة كانت تعرف باسم “ثكنة أو معسكر اللنبي”، أي موقع الحامية العسكرية البريطانية في عهد الانتداب البريطاني. وطلبت الولايات المتحدة من إسرائيل وقت إبرام العقد أن يظل الهدف من العقد مُبهمًا، بينما طالبت إسرائيل الولايات المتحدة بتعهد صريح ينص على أن مشروع العقد سيكون سفارة.

ويثبت الكتاب أن 70 بالمئة من مساحة الأرض هي ملكية خاصة لـ76 لاجئًا فلسطينيًا من المالكين الأصليين للأرض وأصبح لهم ضمن ورثتهم 90 مواطنًا أميركيًا من أصل فلسطيني، والجزء الباقي من مساحة الأرض وقف إسلامي صادرته إسرائيل سنة 1948. ويبلغ مجموع عدد ورثة المالكين الأصليين لهذه الأرض استنادًا إلى قانون الإرث الإسلامي ألف وارث.

كما يؤكد الكتاب أن الأرض التي تعرف بـ”معسكر اللنبي” كانت مؤجرة من مالكيها الفلسطينيين إلى حكومة الانتداب البريطانية، وحصل المؤلف على اتفاقيات إيجار بين حكومة الانتداب البريطانية والمالكين الفلسطينيين لقسائم هذه الأرض متضمنة عروض دفعات الإيجار التي قدمها البريطانيون إلى المالكين الأصليين، فضلًا عن وجود شهادات تسجيل لهذه القسائم وفقًا للسجلات العقارية العثمانية والانتدابية البريطانية وخرائط عثمانية وبريطانية لموقع قسائم هذه الأرض محل النزاع التي تدعي إسرائيل ملكيتها بعد شرائها من البريطانيين. وظلت مراسلات دفعات الإيجار من الحكومة البريطانية للمالكين الفلسطينيين الأصليين حتى نهاية الانتداب البريطاني في مايو 1948، وقد سددت دفعات إيجار من البريطانيين حتى يوليو 1951، وبذلك ثمة مستندات لاعتراف بريطاني بالملكية الفلسطينية للقسائم المذكورة والمستأجرة في هذا الحوض.

ومنذ إبرام اتفاقية الإيجار سنة 1989، أخذت الدوائر الفلسطينية تسائل قانونية هذا الإيجار، على أساس أن موقع السفارة المرتقبة مُلك للاجئين الفلسطينيين صادرته السلطات الإسرائيلية منذ سنة 1948، شأنه في ذلك شأن غيره من أملاك اللاجئين الفلسطينيين. وتمثّل الاعتراض الرسمي الأول في رسالة وجهها رئيس “مؤسسة عطية العربية – الأميركية” مايكل سابا، يوم 31 مايو 1989، إلى لي هاملتون، رئيس اللجنة الفرعية الخاصة بأوروبا والشرق الأوسط في مجلس الشيوخ، وأشار فيها إلى أن اتفاقية الإيجار هي اعتراف ضمني من جانب الولايات المتحدة بشرعية ملكية إسرائيل لهذه الأرض. كما أعرب عن قلقه من أن تشكل هذه الاتفاقية تغيّرًا في “سياسة الولايات المتحدة بشأن الوضع النهائي للقدس”.

***

داهمتنا كل هذه الهواجس وغيرها كثير، بعد إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وهو الاعتراف الذي يدعم الرواية الصهيونية، وهذا جوهره.

وعلى خلفية هذا الدعم الذي يصب في صالح إنجازات الحركة الصهيونية، تتواتر الآن مطالبة إسرائيل للفلسطينيين والعرب الاعتراف بها كدولة يهودية، أي كما أكد البعض ويؤكدون دائمًا مطالبتهم بالتخلي عن الرواية التاريخية الفلسطينية لصالح الرواية الصهيونية.
______
*ضفة ثالثة

شاهد أيضاً

صورة نسوية متطرّفة للرجل العربي عند حنان الشيخ

صورة نسوية متطرفة للرجل العربي حنان الشيخ و”إنها لندن يا عزيزي” * عبدالمالك أشهبون في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *