الرئيسية / قراءات / قراءة في رواية “خفايا متجلية” نص مؤلم لفجيعة لم تستتر

قراءة في رواية “خفايا متجلية” نص مؤلم لفجيعة لم تستتر

خاص- ثقافات

*كفاح جرار

الغايات والمصائر والأقدار والـ (لماذا)، هي أسئلة الإنسانية المرهقة من وجع اللاإنتماء والضياع وربما فتنة الوجود، هي إشكاليات جمعتها حنان الكاتبة الجزائرية الشابة، عمرها من عمر بطلة روايتها، وهي من الجيل الجديد، الذي يرى وجوده في تفكيره، وألقتها في رواية هي في منطق الرواية والقصة، لا تمتلك تشويق الأولى وحبكتها ولا متعة سرديات الثانية وتفكيك تفاصيلها، وأما بمنطق الخواطر فقد أخذت منه شيئا مع قليل من الشعر، وأكثر من الهواجس والمشاعر والوساوس، المفبركة والمخيطة بإتقان في القصص القصيرة، اجتمعت كلها في خلطة مريعة اسمها “تجليات مخفية”.. عفوا بل “خفايا متجلية”.

بين التجليات الأولى والخفايا الأولى كانت معرفتي السريعة والعابرة بها، ويسعفني القول أنه من حسن حظ الناقد أن يتناول عملا أدبيا.. تشكيليا.. موسيقيا.. قصيدة شعر أو عرض مسرحي راقص دون أن يعرف صاحبه وتربطه به علاقة شخصية، لأن العلاقة لا بد أن تؤثر سلبا دائما على النقد والقراءة والعرض، فلا يسع الصاحب والصديق إلا أن ينافق صاحبه ويماريه، ومن سوء الطالع أن يجد الناقد نفسه مستكرها للكتابة عن عمل يحب صاحبه ويبغيه، إذ مهما بلغ سوء العمل وقبحه سوف ينافقه، ومهما بلغت جودة العمل وروعته ودرجة دهشته سيقال دوما “لقد قال ذلك” لصداقة تربطه بصاحب الكتاب؟ يعني في الحالتين سوء ظن وسوء طالع.

ما يتعلق بحنان بركاني التي وجدت في كلماتها ونبرة صوتها دفء الحنان ولم تهزني براكينها، فقد عرفتها بسؤال، يتعلق بإشكالية العنوان كيف ظلت الخفايا خبايا وقد تجلت؟.

هربت من سؤالي بمخرج لا يعجز الأنثى الذكية، فقالت: اقرأ لتعرف. فقرأت.

ولأني من الكتاب المشاكسين المشاغبين، قرأت فوجدت رواية تموت شخصياتها وتولد في العتمة أو في الغموض أو في منافي النفس، كأني أمام هواجس روائية كتبها أكثر من شخص، وخطها أكثر من قلم، ولكي لا يفهم استناجي غلطا، فيقال إن الرواية هجينة، أعلن ظني أني أمام عمل مثير جدا قد كتبه “مجنون” كل فصل فيه كتبه أثناء مرحلة جنونية عصفت به.

شخصيات هلامية بدون ملامح تعيش الماضي في الحاضر، مكسورة مهشمة محطمة، إلا من قسوة في التعبير، والقصة.. الرواية .. المسرحية وكل نوع أدبي يعتمد القص والسرد يدور حول حدث يشد ويشوق ويجذب أجيدت حياكة أحداثه وتخريج تفاصيله وتوتراته، إلا في هذه الرواية فلن تجد حدثا تتابع خيوطه وتفاصيله ولا شخصيات لها ملامحها الواضحة ومكنوناتها وكينونتها البينة، وإنما ستجد نصا مشظى مثل قذيفة مدفعية ثقيلة أطلقت من بعد تناثرت شظاياها بالقرب منك، وعليك أنت أيها القارئ المحترم، أن تلم تلك الشظايا وتعيد ترتيبيها من جديد ليس لتصنع قنبلة جديدة، وإنما لكي تحتفظ بتلك القطع المعدنية الممزقة الحادة المحطمة بعنف.. في متحف العقل والنفس والقلب، ويخطئ من يظن أن العقل هو القلب وأن النفس تختزن في كليهما.

ولكن هل على الكاتب أن يصنع لقارئه خارطة طريق تبين له كل التفاصيل، أم عليك أن تحمل مصباحك ومنظارك وتبحث أنت عن متعة القص والسرد والحدث، اجمع تفاصيلك إذن، فليس فيما ستقرأ من متعة تشدك وتجذبك، سوى التلاعب المحترف بإمكانية الحرف في التعبير عن كثير من حطام النفس البشرية.

من خاصيات الرواية، أن تقدم لي ما يمتعني وينسيني قلق الزمكان، نحن نفتح باب الرواية لكي ندخل عالما يشبه عالمنا وليس هو، ونبحث مع “البطل” المحور، وأصحابه، عن حلول لمشاكل قد تكون هي مشاكلنا، ونغوص في تفاصيل المكان الذي قد يكون هو مكاننا، ونترك الهواء ينداح على وجوهنا وأمتعتنا، والشمس تتسلل إلى تفاصيل غرفنا وأشيائنا الخاصة، دون أن نشعر بأي نوع من أنواع الاعتداء والغزو والقهر واللصوصية، فنرخي الستائر في وجه الشمس قائلين بعنف: انقلعي ولا تعودي ثانية.

أو نغلق النافذة بقسوة يستثار لها الخشب، قائلين للنسمات التي تتلاعب بكل حوافنا وأشيائنا المرهفة: هيا انصرفي ولا تفكري بالرجوع مرة أخرى.

الناس يقرأون في الروايات أحلامهم أو تاريخهم أو ماضيهم أو أحلامهم وقلقهم، لكن عند حنان بركاني عليك أن تقرأ هواجس نفسك وآلامها ورؤاها غير المعلنة، دون أن تعرف من يكون أحمد أو نعمة أو منى أو زيدا.. هي مجرد أسماء بلا كنية ولا تاريخ، تعيش فيك بداخلك تراودك في حلم لتريحك أو تقض راحتك بكابوس مريع، وليس لك أي مفر في الحالتين فليس أنت من يقرر ويحدد فيقول: الليلة سأحلم بعروس جميلة أو بمائدة غنية أو بحفل موسيقي تديره العفاريت.

لأن الرواية بكليتهما تدور في كل الزمان وكل المكان، حتى لا أقول بلا مكان محدد أو زمان معروف، فقط عرفنا غرفة مستشفى أمراض نفسية وغرفة فندق، وغير ذلك تبخر المكان في عتمة السؤال والشك والكابوس.

يأتيك الحلم فيباغتك كنوبة جنون، عليك أن تستسلم لما يفرضه عليك عقلك الباطن من رؤى، إن صدقت ظنون فرويد وتفسيراته، وليس من الإضافة والشطط والخروج عن الموضوع لو تساءلت: هل كل أحلام الأنبياء وحيا؟. وباعتبارهم أكمل الناس هل هم القاعدة أم الشواذ؟.

بمعنى هل كتب علينا نحن البشر أن نقتدي بهم ونمتثل، لكي نحظى بالسعادة المطلقة، ومن خالف فلا يلومن قدره ويلعن قضاءه وإنما تلك هي خياراتك فالعن نفسك وعض أصابعك إن شئت، ولا تحملن أحدا وزر خيباتك.

لو أن كل عاقل وضع لنفسه تحد مفاده كيف أكون نبيا لانتهت آلام الناس وتلاشت أحزانهم، ولكن هم عصارة قلة القلة.

طوبى لهم إن كانت الإجابة “نعم” فماذا بخصوصنا نحن الناس المتعبين المرهقين الذين لاكتهم وتلوكهم الرؤى في الواقع دون توقف، فلو وقف النبي في الطابور بانتظار كيس حليب فإنه يفعل ذلك بسعادة ولا يتأفف لأنه يمتلك قدرة التغيير وإن بدعاء، أما عامة الخلق فاصبروا أو لا تصبروا فلكل قدره.

فالأنبياء لا يدخلون النار. وهم يعلمون.

أدخلتنا حنان في براكينها الكتابية في تفاصيل وجزئيات بلا معنى أو هدف، هلوسات أشخاص مرضى، وليس فقط “نعمة” التي احترفت الكتابة والأدوية المهدئة وعشق رجل لم نعرف عنه شيئا، الأسماء الفردية “الحاف” التي عرفناها بلا كنية أو أسماء مركبة تعاني وتختض من الداخل كأنها أزمة ولادة لامرأة يأبى جنينها الخروج لعنف الحياة، أو لرجل يعني مغصا كلويا مع حصر بول، فلا هو أخرج ما في مثانته ولا ارتاح من تحرك الحصى في حالبه، ثم هي تدخلنا أحيانا في لغة ليست من لغة العرب، كأن تقول الكتاب خاصتي أو الحقيبة خاصتي.. ولست أدري أية فائدة أو إضافة يحققها أن نضع أغنية فرنسية بلغتها الإفرنجية، أو تستنجد بأغنية لباتريسيا كاس من الثمانينيات المنصرمة، وقصيدة شعر “حيث الشمس حبلى بالصقيع” .. نعم يمكنك أن تكتب وتكتب وتكتب، وقد تضع دواوين شعر لا تقول فيها شيئا، يحضرني جملة قرأتها تقول: السياسي البارع هو الذي يثرثر كثيرا ولا يقول أي شيء.

وكذا الكاتب البارع هو الذي يعريك دون أن تشعر بالبرد، أو يعيد صياغتك وأنت تظن أنه مفتون بك.

“خفايا متجلية” رواية أحالتني مرغما إلى كولن ويلسون صاحب اللامنتمي وضياع في سوهو..

كأني أمام نسخة معدلة من اللامنتمي وما بعد اللامنتمي.

الرواية تقع في 206 صفحة من القطع المتوسط في طباعة مقبولة وتنضيد يوجد ما يقال عنه، صدرت عن دار نشر شهاب 2000 للكتاب من مدينة باتنة.

 

شاهد أيضاً

 جوليا كريستيفا : مسارات الفكر والحياة  

 ( ثقافات )   سعيد بوخليط وإصدار جديد : جوليا كريستيفا : مسارات الفكر والحياة                                                                          …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *