الرئيسية / فنون / الغروب في البريقة (1)

الغروب في البريقة (1)

خاص- ثقافات

*أحمد الحسين التهامي

ليبيا :النفط والدولة والنضج

الجزء الاول

فيلم مدن الخوف فيلم وثاىقي مهم جدا اخرجه بشجاعة نادرة واستثناىية الاستاذ عاطف الاطرش والفيلم يستعرض المصير الذي انتهت اليه ثلاثة مدن ليبية بعد احداث العام 2011م وجرى تصوير الفيلم في نهايات العام 2013 وبدايات العام2014 كما حدثني شخصيا مخرجه عاطف الاطرش واذا اتبعنا القسمة التي ظهرت الى سطح النقاش العام الليبي انذاك لاعتبرنا هذه المدن التي يسميها عاطف الاطرش مدن الخوف لاعتبرناها مدنا مهزومة!! المدن التي خرجت صفر. اليدين من غنيمة الثورة وتقاسم اركان السلطة والدولة في ليبيا بعد العام 2011 وفي مقابلها سوف نجد مدنا اخرى دعيت مدنا منتصرة منها ثلاث في غاية الاهمية بنغازي عاصمة الثورة ومصراتة والزنتان والمدينتان الاخيرتان تملك كل منهما مجموعات مسلحة واسعة وليس فقط اللقب!! وتقفان تقريبا في نفس الموقف التاريخي اليوم ؛بالنسبة لي فان اول مايلفت النظر في الفيلم ويستدعي الاهتمام هو لقطته الاخيرة لقطة الغروب ينتشر فوق بلدة البريقة الميناء النفطي الهام الذي يبعد عن بنغازي مسافة 270كيلومترا غربا واعتقد ان اختياري لهذه اللقطة متعلق بذكرياتي الشخصية عن البريقة ؛ففي سنوات الهدوء العظيم سنوات الركود السياسي كنت ادرس في جامعتها(جامعة النجم الساطع) وفي ظني ان بعض ماشاهدته في البريقة انذاك هو على صلة جد مؤثرة بتلك المشاهد التي التقطها عاطف الاطرش 2013 بعد ذلك … ثمة مشكلة اساسية في البريقة  يجب ان توضع في الاعتبار فورا؛  فهل البريقة مدينة ام مجرد قرية؟! والحقيقة ان سؤالي هذا ولد متاخرا جدا بعد المشاهدة الثانية للفيلم ولكنه كان موجودا معي بروحه لا بنصه متواريا في زحمة التفكير في كل هذا الذي حدث لقد كانت هناك مشكلة داىمة يصلح هذا السؤال للتعبير عنها  وان كان البعد الزمني قد خفف اثر هذا السؤال فان البعد القراىي قاده ليطرح في سياق اخر اكبر وابعد واخطر فقراءتي لكتاب مداريات حزينة لكلود ليفي شتراوس وسع اندهاشي وجعلني ادرك ان المتناقضات التي حكمت مشاهداتي في البريقة عام 93م ليست منتجا محليا فقط بل ظاهرة عالمية! ممتدة من المدار الاسيوي وحتى اقصى حدود الغرب فالمدن المهجورة وتلك الملؤة بشرا والانشطة المتروكة ليست فقط نتاجا ليبيا بل اكثر من ذلك وارقام سمير امين عما يسميه احتياطي العمالة(الريفيين المهاجرين للمدن) تصل الى ابعاد مهولة في الهند كما. في مصر كما ان ابحاث برهان غليون حول نزوح الريف الى المدينة تشكل لوحدها ظاهرة تستحق الانتباه والكتابة فملايين من البشر يقفون اليوم على اعتاب المدن الكبرى قادمين من الريف المعدم يطمعون في رزق ينالونه فيها فيفشلون ويظلون مرابطين على ابواب المدينة زادا لكل نار تتقد!! والوجه الاخرى مدن بحالها واحياء خلت او اخليت من سكانها لاسباب ثقافية كما راها شتراوس في البرازيل شرقها تحديدا ومدن اخليت في ليبيا لاسباب سياسية لا ثقافية ولكن ماعلاقة هذا بالبريقة او بالفيلم؟!
الجامعة التي درست فيها انذاك كانت تقوم على مقربة من قرية صغيرة من الصفيح ذات طابع قبلي محدود؛ وتقريبا سكان القرية لم تكن لهم علاقة بالجامعة الا علاقة المرور بحكم الامر الواقع فالجامعة ضمن اراضيهم لذلك و حين تنتهي محاضرة اخر المساء في السادسة تماما ونخرج من بين مدرجات تغوص اغلب اجزاءها في بحر الرمال العظيم كنا نفاجا يوميا بمرور قطيع من الماعز والغنم من امامنا!!متجها نحو قرية الصفيح(=البراريك) وخلف القطيع شاب او فتى غر يقوده  لا نكاد نحدثه او يحدثنا والتناقض مابين المباني الجامعية الضخمة والحديثة و صفيح القرية(براريك القرية)كان ظاهرا لافتا للنظر وان لم استطع القطع  بان السكان(القرية)لم يكونوا يملكون بيوتا اخرى في البريقة الجديدة التي بنتها الحكومة انذاك او في اجدابيا المدينة التي تبعد 70 كيلومترا الى الشرق من البريقة فظاهرة الانتقال وعدم الاستقرار في المدينة لاسباب مختلفة كانت ولا زالت سايدة في ليبيا حتى اليوم ومع ذلك فان مايمكن تسجيله انذاك هو قلة عدد السكان ممن ينتمون للقرية وبالعكس كثرة القادمين من بنغازي وطرابلس ومدن اخرى ليستقروا اما في المجمع السكني لشركة سرت او في المدينة الحديثة جدا التي بنتها الحكومة هناك وشرعت في اسكان الموظفين فيها وفي مدينة البريقة الحديثة جدا و المفتتحة حديثا رايت لاول مرة شيىا عجيبا جدا فقد كانت هناك عجوز تكنس ارضية الرصيف امام منزلها بعرجون نخل فيما تجلس على السطح بكل هدوء خلايا التقاط الطاقة الشمسية التي لم نكن تقريبا نعرفها لحداتثها في بنغازي المدينة التاريخية والعريقة!! وهذا الالتقاء الغريب وغير المفهوم مابين ضخامة و حداثة الجامعة ومابين تقنيات قديمة واخرى في منتهى الحداثة كان عنوان البريقة بالنسبة لي لسنوات وفي ظني انه يصلح عنونا لليبيا كلها حتى!! ولكن من هو المشاهد نفسه؟! اي من انا انذاك؟! صدقوني ليس الامر حديثا فلسفيا ولا حتى تحليلا نفسيا

.وليس ايضا مونولوجا داخليا كما عبر  احد الاصدقاء عن كتاباتي التي لم يقراها!! الامر ابعد واخطر من هذا بقليل؛المشاهد الذي هو ضمير المتكلم كان جزء من طلاب جامعة النجم الساطع في البريقة اللذين كانوا خليطا من كل مدن وقرى ليبيا وان تميزت فيه مجموعتان كبيرتان الطلبة الطرابلسيون باغاني المالوف عند كل حدث سعيد والبنغازيون بتلاحمهم الحميم الذي يولد صدامات لاتنتهي!! و فوق هذا تقسيم اخر مختلف ولم يكن مناطقيا بل سلوكيا لطلاب القسم الداخلي وهم اكثر طلاب الجامعة المعزولة وسط الصحراء في مشهد لا تملك معه الا تذكر مدن شرق البرازيل الخاوية التي زارها شتراوس  في ثلاثينيات القرن العشرون .. فثمة طلاب متدينون يقضون جل يومهم في جامع الداخلي وثمة طلاب اخرون يقضون جل مساءهم في تجرع الخمر وبين الفىتين فىة ثالثة اعرض واكبر ينتمي اليها اغلب الطلاب تقضي جل وقتها اضطرارا في لعب الورق!! و في وسط كل هذا التنوع الذي رايته انذاك فقرا! نمت بعض قصص الحب  ولكنها على اية حال كانت قصصا معدودة ومحدودة فعدد طالبات الجامعة كان قليلا جدا بل ربما نادرا!  ولكن قصة الحب الوحيدة التي ظلت عالقة بذهني لسنوات بعد ذلك تلك التي استمعت  اليها برفقة صديق لم اعد اعرف كيف اقدمه فلقد انقطعت علاقتي به منذ مدة طويلة عندما علمت انه يقيم الان في كندا بلد الثلج الداىم  فيالها من رحلة من البريقة الصحراوية الى ثلج كندا!! عموما استمعت الى القصة و الى
تفاصيلها المعذبة الممزوجة بحالات من الاغماء التام لبطلها الطرابلسي والتي   انتهت به الى استكانة وهدوء غريبين لم اشهدهمهما بعد ذلك الا نادرا جدا لقد كان الطرابلسي منغمسا بهدوء لافت في طبخ المكرونة!! نعم بعدها بسنوات ساعرف سر الهدوء وسوف اجلس لطهو المكرونة بذات الهدوء الشديد لذلك الطرابلسي المعذب!! هذه بعض مشاهد تلك الفترة ايقظتها في داخلي لقطة البريقة عند الغروب وفي ظني انه ثمة الكثير مما يمكن قوله حول هذا!!
فبالاضافة الى المدن المنتصرة كانت هناك مدن اخرى مهزومة وثالثة ليست هذه ولا تلك ثمة مدن تكتفي بالفرجة والانتظار!! قد يضطر محاجج ما الى رد كل ماكتبت مدعيا ان لا علاقة لكلامي ومشاهد واحداث البريقة في العام 93م  بفيلم عاطف الاطرش؛ و ربما يكون محقا في قوله وربما لايكون لدي رد  ضده لكنني مع ذلك ازعم انه ثمة علاقة ففي نظري -وهو مالا الزم احدا به – ان كل احداث ذلك العام كانت في خلفية الاحداث العام 2011م؛ ومن جهة اخرى فان خلفية اللقطة الاخيرة في الفيلم  نفسه تظهر المنشات النفطية في عمق  اللقطة!!فهل جرت احداث العام2011 بعيدا عن النفط وايراداته؟! وهل ماوقع في ليبيا في العام 2011 هو تطور غير مرتبط البتة بايرادات النفط وباوجه صرفها طيلة 52 عاما؟!  وهل ما رايته بام عيني في البريقة عام93م كان ايضا غير مرتبط بالنفط وايراداته وتاثر سلوك البشر كمجموعات بتراكم  راسمال  واثر  ذلك في خلق طبقات متناقضة متقاتلة في ليبيا ؟!و ذلك حديث اخر!!

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *