الرئيسية / خبر رئيسي / صلاة القتل

صلاة القتل

خاص- ثقافات

*عبد الرحيم التوراني

في ذلك الصيف البعيد، توقف القطار بنا في منتصف المسافة بين محطتين. وسط خلاء مقفر والدنيا ليل. لم يتم إخبار المسافرين بأسباب التوقف المفاجئ، ربما حصل عطل في الكهرباء. دائما نسمع عن سرقة بعض القرويين من اللصوص لأسلاك النحاس الممتدة عبر السكة الحديدية. بقينا صامتين، ولا أحد منا امتلك القدرة على توجيه استفسار أو سؤال.

 

غادر رجل أصلع مقصورته في عربات الدرجة الثانية، باحثا عن المراقب. سيطر عليه التوتر، بدأ أولا بالتأفف، ثم انتقل إلى الاحتجاج بالصياح. قال إنه لا يفهم سكوت الركاب عما يحصل. ظهر كزعيم نقابي متمرس، ذو خبرة في تجييش العمال، بالرغم من كون افتقاده لقاموس التحريض المطلوب. زعم أن موعدا مصيريا بانتظاره، وأن لديه التزامات لا يمكن الإخلال بها مهما حصل. وادعى أن بإمكانه رفع دعوى قضائية ضد إدارة شركة القطار. وأنه سيطلب مبلغا ماليا كبيرا لتعويض ما سيفوته. ثم شتم استعمال القطار كوسيلة مواصلات في هذا البلد المتشبه بالبلدان المتقدمة عن غير حق وصواب.

 

بدت هيأته مرعبة. يتطاير الشرر من مقلتيه. لذلك أشاح الكثيرون بصرهم عنه خوفا.

مع تسارع الدقائق ازداد غضب الرجل. تحولت شتائمه من إدارة المكتب الوطني للسكك الحديدية إلى الشعب..

 – والله إنكم لشعب من الجبناء، جبناء بالكيلو. والله إنكم تستحقون مثل هؤلاء المسؤولين عليكم من الأجلاف…

لم يهتم بخطبته أحد، الجميع بدا مستسلما للقدر. ما باليد حيلة أمام مثل هذا العطل.

مرت قرابة ساعة، كانت بمثابة دهر لدى صاحبنا، الذي لم يتوقف عن الحركة، ظل يزبد ويرعد حتى احمرت وجنتاه وتعرقت جبهته وصلعته الناتئة.

استعمل هاتفه النقال مرات، واضح من ملامحه وحركاته أنه لم يتلق أي رد أو رسالة. رمى الهاتف أرضا فتطايرت أجزاؤه على زجاج نافذة القطار.

حاول النزول والخروج إلى الطريق العام لتدبر أمر وصوله، لكن أكثر من واحد نصحه أنها مغامرة غير مضمونة، الوقت ليل. اللصوص لا ينتظرون سوى متهورا مثله. والمنطقة معروفة بعدم الأمان.

جرب أن يهدأ، أن يتصنع الهدوء، لكنه لم يفلح. من أين له ذلك؟ تمتم بكلمات غير مفهومة، فهم منها أن الرجل مديون أو ذاهب لاستلام مال. قد يكون وكيل مؤسسة تحصيل أموال من مدين، شركة تأمين أو مصرف، وكيل يتعقب متأخرا عن تسديد التزامه المالي.

جاء شباب مشاكسون من العربات الخلفية، شاركوه غضبه. حاول أحدهم كسر تجهيزات القطار، لكن الأصلع نهاه وألقى عليه ورفاقه جملة من النصائح.

– ما تفعلونه يا أولاد هو بساط تشتركون في نسجه بأيديكم ستمشون فوقه بمشيئتكم نحو الجحيم، سوف تجلبون المصائب لكم ولذويكم.

استحسن باقي الركاب موعظة الرجل للشبان النزقين، شعر البعض بالتضامن معه في احتجاجه ضد توقف القطار والتأخر في إصلاح العطب. وأكثرنا تعاطف معه كونه ذاهب إلى موعد أو لقاء مصيري.

ظل يمشي متوترا بين ممرات مقصورات العربة. توقف عند إحداها وأدخل رأسه يتطلع كمراقب القطار الذي يمر طالبا التذاكر. كان بالمقصورة شاب ملتح يجلس قبالة آخر من عمره، كانا يصليان معا. صاح فيهما الأصلع:

– ماذا تفعلان يا أولاد الدواعش؟ أين توجد القبلة؟ كيف تتواجهان في الصلاة؟

واصل الشابان صلاتهما غير آبهين.

عاد الموتور إلى الخلف، وبصوت مرتفع دائما يريد أن يسمعه للجميع، قال:

– من أين ابتدعتم هذه الصلاة المتقابلة؟ أو هكذا عندكم هي صلاة السفر؟

ثم أخذته نوبة من الضحك جرفت معها الحاضرين، بمن فيهم الشابين اللذين كانا قبل قليل منخرطين في أداء صلاة السفر.

ثم استدرك مقهقها:

– ربما هي صلاة القطار.. صلاة القطار لما يتعطل…

وبما أنه أحس بامتلاك انتباه المسافرين، من خلال شكل غضبه وأسلوب سخريته السوداء، رجع وطلب من الشابين رفع أكف الضراعة إلى الله، كي يطلق سراح الجميع، وإصلاح العطب ليصل كل إلى غايته، أو موعده المصيري.

في الحقيقة صرت معجبا به، لما استهزأ بالشابين المتخونجين، خاصة عندما رأيتهما يستجيبان لأمره وينخرطان في الدعاء:

الله اكبر.. الله اكبر.. الله اكبر ، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا الى ربنا لمنقلبون ، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطوي عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد.. آمين.. آمييين.

ثم التفتا إلى الموتور يبحثان في ملامح وجهه عن هدوء يترجم رضاه عنهما، لكنه ظنهما خاب حين سيسألهما عن القطار..

-أنا طلبت منكما دعاء القطار، ودعاء القطار لما يصاب بعطب كهربائي ويتوقف فيضيع على المرء مواعيده المصيرية. سمعت أن الإخوان جية بالإضافة إلى دعاء ركوب الخيل والحمير والإبل، ابتدعوا لكل سفر دعاء، دعاء السيارة، دعاء الطائرة، دعاء السفينة… ألا تحفظان كل الأدعية؟؟

ظل الشابان صامتين، شتمهما بلفظة نابية بالفرنسية، فشكراه، مما جعله يقهقه بقوة ويبتعد عنهما لاعنا الجهلاء، دائما بلغة فرنسية.

لم أعد أذكر كم انقضى من الوقت عندما عادت الروح إلى القطار ومشى بنا إلى غاياتنا، أقصد إلى محطاتنا.

في الغد استيقظ الناس على جريمة قتل مروعة وقعت بالحي الراقي في المدينة الساحلية. جريمة غامضة، إذ كان القتيل رجلا من الأغنياء في السبعين. ولم تسجل أي سرقة. لكن قبل أن يغادر القاتل مسرح الجريمة قام برش سائل محا كل أثر أو بصمة تدل عليه. قاتل محترف ولا ريب.

ظن الجميع أن القضية ستسجل ضد مجهول ليتم حفظها، تماما كما يحدث في مثل هذه القضايا الإجرامية الغامضة المستعصية.  لكن ما من جريمة هناك كاملة، أو كما تقول العامة عندنا: “الروح عزيزة عند الله”.

 حينما وصل سائق سيارة أجرة وأخبر عن أوصاف رجل أشعث مائل إلى البدانة، كان قد أوصله إلى الحي الراقي، قال السائق إن الرجل كان شديد التوتر، وطلب منه أن ينزله في منطقة غير سكنية قريبة من الحي، وشاهده من المرآة العكسية لسيارة الأجرة وهو يمشي راجلا مسافة طويلة باتجاه منطقة الفيلات، رغم أن الوقت كان ليلا، وأضاف السائق أن الرجل كان كريما معه ومنحه أكثر مما سجله العداد.

لم يمر أكثر من شهر، حتى سمعت أن أجزاء الهاتف المكسور في القطار ساعدت في التسريع بتوقيف المجرم. وطلعت على شاشة الفضائيات والمواقع والصحف صورة الأصلع الذي التقينا به في القطار، القطار الذي تعطل وتوقف بنا أكثر من ساعة بين محطتين في الخلاء. هو ذاته، بصلعته المضيئة الناتئة ووجنتيه المنتفختين، لا يمكنني أن أخطئ تمييزه ولو حشر بين الآلاف. وجريمة الحي الراقي وقعت في نفس الليلة التي رأيته فيها يحتج على تعطيل التزاماته العملية، ويحكي عن البساط الذي ينسجه المرء بيديه ليمشي عليه إلى الجحيم.

 لكن سائق سيارة الأجرة تكلم عن شخص أشعث الرأس؟

نعم، لم يعثر المحققون على أداة الجريمة، لكنهم وجدوا على مقربة من منزل القتيل باروكة شعر، شعر أشعث يليق بصلعة قاتل ملتزم.

 

شاهد أيضاً

في مديح السرقة الأدبية

سعيد الخطيبي هل ستتحول السرقة الأدبية إلى «نوع أدبي» مُستقل؟ لقد سلكت لي إسرائيل (1939ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *