الرئيسية / قراءات / قراءة في “على شفا القيامة” للشاعر رفعت يحيى زيتون

قراءة في “على شفا القيامة” للشاعر رفعت يحيى زيتون

خاص- ثقافات

*عبد الله دعيس

هل يقف العالم العربي على شفا جرف هار؟ هل سيهوي العرب في أتون الحرب والفرقة والنزاع؟ أم أنّ ما يشهده العرب هو بداية لنهوض جديد؟ وكيف يشعر العربيّ وهو يعيش هذا العصر المضطرب، وهذا الصراع الذي يجعل الحليم حيرانا؟ هل يقف متفرّجا مهتمّا بشأنه الخاص، أو الوطنيّ الضيّق، أم يحمل هذا العبء الذي تنوء به الأنفس؟ هل يفقد الأمل ويركن في زوايا اليأس؟ أم ينهض لتغيير واقع ولو بالنزر القليل من الجهد، حتى ولو بكلمة؟
هنا وعلى هذه الحافّة، يقف الشاعر، رفعت زيتون، يحمل عاطفة قوميّة جارفة، لا ينظر من منظار العائلة أو المدينة أو حتّى الوطن، بل يحمل همّ أمّة بدأ الكثيرون يكفرون بإمكانيّة وحدتها وقدرتها على النهوض. فيقول (جميع التراب ترابي) متمسّكا بوحدة الوطن العربي من الماء إلى الماء، رغم ظروف الفرقة.

ويبدو الشاعر منشغلا بهمّ العرب، متألّما لما آل إليه وضعهم، لكنّه لا يسلك دروب اليأس، فيعود بذاكرته إلى كلّ ما مرّ على هذه الأمّة من مآسٍ عبر التاريخ، ويستعرض ما لاقاه هذا (الوطن الذبيح) في تاريخه من ويلات الغزاة وتسلّط الحكام، فتشتعل شعلة الأمل في نفسه، وإن كانت خافتة؛ فهذه الأمة استطاعت دوما أن تنفض غبار الضعف وتتعافى من جديد.

1546257_759268184166197_1944682265549345253_n

لكن الأحداث ما تلبث أن تطغى على نفسه المرهفة، ويستذكر مشاهد الموت والدمار، ليصبّ جامّ غضبه على الحكّام الذين قادوا الأمة إلى هذا المصير، وينحى منحى الشاعر العراقيّ أحمد مطر ويقول:
“أقلتَ لهم تهانينا؟
على ماذا … ؟
على الأمجاد تُمحى
من دفاترنا
بأيدينا!”

ثمّ يلتفت إلى  علماء السلاطين الذين يزيّنون للحكام سوء أعمالهم، حتّى يكاد (يموت اختناقا) من شدّة الحنق.

لكنه لا يفلت خيوط الأمل فيقول (لن يطول الموت) ويبدو متفائلا بمستقبل مشرق ما دام هناك صبر وعمل، ويشير إلى ضرورة التعاون والعمل الجماعي من أجل النجاح.
ويفرد الشاعر قصائد كثيرة ليرسم صورا قاتمة لمعاناة اللاجئين الذين يفرّون من الموت في أوطانهم إلى الموت على شواطئ الغربة وفي عباب البحار، وأكثر ما يؤلمه هم الضحايا الاطفال الذين يمثلون مستقبلا مهدورا على مذابح أطماع الكبار، ويحلم بحياة هانئة للأطفال حيث لا تحل الأزمات بالحروب، فيقول (إلى رقة الناي خذني).

ومع أنّ الشاعر يتألم لألم الذين هجّروا من ديارهم ونزحوا نحو (شاطئ الموت) في الغرب طلبا لبرّ الأمان، ويصف جراحاتهم ويتأوه بآلامهم، إلا إنّه لا يعفيهم من المسؤولية، ويأخذ عليهم ترك رمال الوطن التي لم تستطع أن تحملهم وكوتهم بنيرانها الحارقة، إلى أمواج البحر الغادر، وإلى أحضان شواطئ العدو الذي كان سبب مأساتهم؛ فلم يعد همّ المهاجر البحث عن الرغيف، بل أصبح يبحث عن قطعة خشب تنشله إلى حياة على أي شاطئ غريب.

وعواطف الشاعر متذبذبة حسب الحالة النفسية له، وربما حسب الظرف الذي كتب فيه القصيدة، والأحداث الجارية حينها، فهو يراوح بين التفاؤل والتشاؤم، وبين الاعتزاز بماضي الأمّة واليأس من مستقبلها، وبين التعاطف مع الضحية وإلقاء بعض المسؤولية عليها. ولكن، وعلى الرغم من إظهاره لبشاعة الأنظمة العربية وجبروتها، إلا أنّه لا يلجأ إلى جلد الذات، ولا ينحدر في مهاوي التشاؤم المطلق، ويرى النّور في نهاية النفق، ويوجّه الجيل أن (يسير باتجاه الياسمين). وحتى لو تأخر الربيع، فإن (حديث الرياح) يبشرّ بأنّه قادم وسيمكث عاما بعد عام.

ويتناص الشاعر مع القرآن الكريم، فرحلة يوسف عليه السلام عبر الجبّ لا تشبه رحلة اللجوء، حيث لا سيّارة تنتشل المشرّدين، وسفينة نوح تتقاذفها الأمواج، لكن لا يقودها نوح إلى برّ السلام.

وإن كان التغيير لا بد قائمن فإن إرهاصاته جارفة، جعلت الشاعر يتمنى أن لم يحدث أي حراك قائلا: (يا ليت لم يأت عمر) فالفرح بإمكانية التغيير لم يدم طويلا.

وتتجلّى الروح القومية الهادرة لدى الشاعر عند رثاء بغداد في (سقوط الرشيد) فيصرخ قائلا:
“بغداد إذا ذبلت
تمتْ في شرقنا الأزهار.”
وينعى الشاعر الذين يتخلون عن حبهم لعروبتهم في هذا الوضع القاسي، ويبقى على حبّه القديم.
“لم يبق سواي متيّم بالشرقِ،
كنت أحبّه، وأنا على حبّي القديمِ
وسوف أبقى عاشقا للنخل وحدي،
ليس يخدعني الغراب.”
بكلمات بسيطة عذبة، وصور بسيطة، ومعان واضحة تفصح عن نفسها، يبحر القارئ في بحر متلاطم من العواطف الجيّاشة، فتارة يغوص إلى أعماق اليأس والالم، وتارة يطفو على قارب نجاة الأمل، ليصل إلى نهاية الديوان مرهقا بأعباء أمّة ترزح تحت وطأة الواقع، وضبابيّة المستقبل.

شاهد أيضاً

“تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى إلى النكبة”

تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى ١٩٣٧ – ١٩٣٩ إلى النكبة ١٩٤٧ – ١٩٤٩ تأليف: وليد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *