الرئيسية / قراءات / رواية “نافلة الخراب” وسيكولوجية المكوّن الثقافي
100

رواية “نافلة الخراب” وسيكولوجية المكوّن الثقافي

*حامد عبدالحسين حميدي 

قيل إن : ( الرواية جاءت لتصوير الأزمة الروحية – على حد وصف لوكاتش لها- للإنسان؛ فهو يعيش موزعاً بين واقع حقيقي مليء بالتناقضات، وواقع افتراضي مثالي يحلم به ذاك الإنسان. لكنه ليس كأي إنسان؛ إنه الإنسان البطل الذي يتمرد على واقعه، والذي يحلم بالأفضل له ومجموعته، فيتسلح لذلك برؤية طبقته للعالم، إنه البطل الإشكالي .)

( نافلة الخراب ) رواية لـ ( سعدون جبار البيضاني ) صادرة عن دار ميزوبوتاميا / بغداد – الطبعة الأولى / سنة 2016 ، تقع في 110 صفحة من القطع المتوسط .

( لأن عنوان الرواية هو نافلة الخراب والنافلة من المستحبات الواجبة فلا بأس ان أذكر بعض الخراب في مدينتي هذا ما قاله لي المرحوم عبد عون في الظهور الثاني وقد حشرني في غرفة ضيقة من غرف البيت وفي النهار وأحسب ان كل افراد عائلتي شاهدوه حيّاً يرزق ، ) ص 89
هي رواية سيكولوجية تتوجّه نحو العالم الداخلي للبطل الذي يتميز بسلبيته وعدم رضاه ،   وعنونة الرواية تحمل رؤية باطنية في توثيق الماضي وتوطيده بعلائقية تامة ، إنها نشيج ماضٍ لم ينحسر من الذاكرة القروية والعشائرية المتخمة بكبرياء وهمّ وغلواء وتمسك بالعادات والتقاليد ، إنها صنعة لروائي استطاع أن يمدّها بما يُحيي عنونتها بسرديات حملت في رحمها أجنة ، تلك الأجنة مرآة لتجربة أحداث مترابطة جذرياً ، وحسب الرؤيوية التي ارتآها الروائي ( سعدون البيضاني ) وهو يحاول أن يسوقها إلينا  ، عالم باطني يسحبنا إلى التأمل والتدبر في  شخصيات قروية تمتلك ثقافة فطرية .. شخصيات في حقيقتها ماتت ، واندثرت معالمها في ثرى الأرض ، وهي تتوسد محطتها الأخروية ، استطاع الروائي ( البيضاني ) بما يمتلكه من براعة أن يبعثها من جديد ويوقظ فيها جذوة الحياة ، أن يجعلها تستنشق الحياة مرة أخرى ، وهي تحدثنا / تضحكنا / تبكينا / ترتجفنا / تفرعننا / فالكل فيها أصبح يدور في فلك مشوق .

13925050_868431856623536_3583989050907971582_n-copy
( حلمتُ.. أني أكفن نفسي وأصلي عليها صلاة الوحشة  ، بعدما أتممتُ صلاتي نظرتُ الى الخلف وجدتُ خلفي طوابير من  الناس منتظمة وتصلي على أرواحها صلاة الوحشة جماعة فقررتُ ان أعيد النظر بقضية موتي ،هكذا كنت أحلم لكن الحلم توقف بطَرْقٍ قوي على الباب الخارجي أفزعني فخرجتُ مرتجفاً : من الطارق ؟ ) ص 11
فما الذي يدعونا إلى قراءة ما كتبه الروائي ( سعدون البيضاني ) ؟! . عنونة الرواية هي احد الأسباب الذي يجذبنا إلى القراءة ، لأنه يشكل يقظة تأثير / تحفيز في أذهاننا الشاردة من ضوضائية العصرنة الحديثة .. وهو القوة الايصالية التي تحدد مسارات المتن الداخلي للنص للروائي ، أضف إلى ذلك انه هيّأ كل المستلزمات الفنية والسردية والأسلوبية المشوّقة ، وظروفها الزمانية والمكانية انها مناخات متآصرة من اجل تحريك الشخصيات الروائية بنوعيها المركبة والبسيطة ، انه يعي كيف يتعامل معها ؟ كيف يحدّد أن لكل واحد منها دوره الخاص الذي يجب أن يسير فيه ؟ وذا بحد ذاته دليل قاطع على قوة ودربة ما يمتلكه من موهبة .

الرواية / فيها من الجدّية والفكاهة ، والسخرية والمتعة والسذاجة ما يغري القارئ ، هو يجمع ما بين المتناقضات / المتضادات الحياتية / هو يسرد بسلاسة فنية ، تغلب عليها اللغة الفصيحة مرة والعامية ثانية ، إذ / إنها شكلت له جانباً تتمحور عليه الأحداث بوصفية متناهية الدقة ، ( أفكارنا توخزنا بعض الأحيان حدّ الغثيان ، صارت عقولنا تنانير وأفكارنا حطب ، تبدو لنا بعض الهموم والأشياء التي حملناها على ظهور محدودبة أسخف من أمنيات طفل ليلة العيد حين ينام بملابسه الجديدة معتقداً بأن الصباح بعيد جداً ولن يستطيع صبراً على ذلك ، صارت أغانينا هذيانات ونكاتنا تمارين لمط الأفواه والتكشير بأسنان حادّة بارزة ،كنا نطرب الى داخل حسن وننتشي كأننا عشاق مراهقين ، واليوم نسمعها ونبكي ..المنكوب أمرن بالمنازل منازلهم خليه أكلهه وين اهلنه تكول اكطعو بيه ، داخل حسن يمه يايمه .. يادنيا نوب الويج نوبه انتي تلوين اجري النصاف وياي لو ردتي تجفين والمشكلة عندما ننتهي من البكاء او التباكي ننسى علام كنا نبكي ، ياه ..أنا أفكر بهذه السخافات وأنا في محنة وشدّة لا يخلصني منها إلا الله  ،) ص15
انّه يهتم بدقة الوصف ، حيث يعمل على سبر أغواره وترصيف مفاصله على اختلاف أحجامه ، محاولاً أن يشد القارئ إلى ما يدور بين شخصياته القروية بمتانة الحبكة التي كان لها  الدور الأساسي في ترصين الرواية وتحديد معالمها ببراعة فائقة  .

الأحداث التي يسردها ( البيضاني ) أحداث واقعية / ماضوية مكثّفة بكل تفصيلاتها ، لا تعقيد فيها ، بل هناك العامل الفطري / سذاجة التفكير الحياتي ، ما يجعلنا نتابع الأحداث والشخصيات بنوعيها ، لأننا قد ننتظر منها مفاجآت متصلة باطنياً وعلى وفق تنامي الحدث ، ( البيضاني ) أجاد في نافلته هذه ، لأنه بارع تحريك أذهاننا وشدّها بل توظيف المكون الثقافي في إشاعة لغة خطاب الآخر من اجل تحفيزنا إلى ما في الماضي من ارث رصين ، وبذا كان لزاماً علينا أن نلتفت إلى ( نافلة الخراب ) والى ( البيضاني ) ملوّحين له بالثناء والإجادة .
________
* ناقد عراقي

شاهد أيضاً

_16644_151

«الجبل الصغير».. بيروت بلا رائحة

*مدحت صفوت مثلما أدت هزيمة يونيو/حزيران 1967 إلى قطيعة فنية ومعرفية من كُتاب الرواية مع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *