الرئيسية / خبر رئيسي / الهند الثالثة في ديوان الشاعر هيمانت ديفاتي
hemant cover final

الهند الثالثة في ديوان الشاعر هيمانت ديفاتي

خاص- ثقافات

 

صدر في القاهرة ضمن سلسلة إبداعات طريق الحرير ديوان الشاعر الهندي هيمانت ديڤاتي HEMANT DIVATE الذي ترجمه الشاعر أشرف أبو اليزيد بعنوان “فضاءٌ رتيبٌ يبعثُ على الكآبة”.

 

يتولى الشاعر المصري رئاسة تحرير هذه السلسلة ويريدها أن تكون جسرا مع الشرق الآسيوي، في سعي متواصل للتعرف على آخر؛ جديد علينا، قريب منا، له تاريخه العريق، وثقافته العميقة. ويأتي هذا المسعى بعد أن تجاوز الأدب الآسيوي حدوده الجغرافية فصار مترجما إلى كثير من لغات العالم، ونال مكانة مرموقة وجوائز كبرىوتشجع غزارة انتاجه لتشجعنا على اختيار أفضل مبدعيه لينضموا إلى كوكبة هذه السلسلة، التي ستعنى بالشعر والرواية والقصص وأدب الرحلة.

 

في تعريفه بقصائد هيمانت ديڤاتي، وتحت عنوان الهند الثالثة، كتب المترجم عن سنواتٍ طويلة تعرف خلالها على الأدب الهندي، سواء عبر المنشور في مجلة “صوت الشرق” التي  تصدرها سفارة الهند في القاهرة، أو بواسطة ما استطاع الحصول عليه من أشعار رابندرانات طاغور وحكمة المهاتما غاندي التي ترجم الكثير منها شعرا. ثم كانت الثقافة الهندية إطارا للمعرفة التي أراد أن أتزود بها، في الأدب والفن والتاريخ، كي تكون عونه في رحلاته الاستكشافية إلى مدن الهند العريقة. ولذا كانت الراميانة، مثالا، لا تفارق مكتبته، وظل أثر الدكتور ثروت عكاشة عن الفن الهندي رفيقا له، مثلما أمتعته ـ مع الملايين ـ بوليوود بأفلام تختلط فيها ألوان المتعة والدهشة كما تمتزج دموع الفرح والبكاء.

 ashraf with book

لكن ذلك كله وضعه في جانب، مقابل لجوانب أخرى اكتشفها في رحلته إلى الهند، حيث خرجت الملاحم من أسْر السطور، وعاشت الأساطير في الحياة اليومية للبشر، واختلطت رائحة البخور في المعابد بروائح التوابل في المطاعم والعرق في الشوارع، وباتت الهند الجديدة بلدا آخر، لا يبعد عن الصورة المثالية للحكمة والعجائب وإنما يضيف إليها.

 

لكن هندا ثالثة حضرت لدى قراءته قصائد  شاعرها المعاصر هيمانت ديڤاتي. إنها الهند التي دخلت الألفية الثالثة، بقدم تضعها في المستقبل وأخرى تشدها إلى الماضي. في كل صورة شعرية سنجد تلك المعادلة التي لا تهدأ، بين ثقافة محلية وأخرى معولمة، بين تاريخ يخص الهند وحدها، وأفق يتجاوز جغرافيا شبه القارة الهندية إلى العالم.

 

يُعرف الشاعر هيمانت ديڤاتي  دوليا كأيقونة للشعر الماراتي الهندي. والماراتية إحدى لغات الهند الآرية يتحدث بها أبناء ولاية ماراشترا، كما أنها إحدى 23 لغة رسمية في الهند، ينطقها أكثر من 70 مليون شخص، مما يجعلها تحتل المرتبة 19 في قائمة أكثر اللغات المحكية في العالم، كما أنها رابع أكثر اللغات المنطوقة في الهند، وتعد بين الأقدم التي عاشت منذ اكتشاف أولى الكتابات بها في حوالي العام 900 الميلادي.

 hemant divate

لكن داخل تلك اللغة الماراتية (الفصيحة) هناك لغة ماراتية (عامية)، وهي تنضح كإناء بمحكية النخبة والعوام على حد سواء. إن مسألة قراءة قصائد هيمانت ديڤاتي  أمر أشبه برحلة عبر القواميس، الإنجليزية، الهندية، الماراتية ـ فصيحة وعامية ـ ولكنها رحلة لا تقف عند حدود الكتابة الآنية لمفردات القصيدة وإنما تتجاوزها عميقا، إنه يستحضر عالم الهند المعاصر أمام عيني قارئه، ليلمس بنفسه أزرار لوحة مفاتيح كمبيوتر الحياة الهندية المعاصرة.

 

يلتفت هيمانت ديڤاتي  إلى اللحظات المهملة فيستنطقها، لتصبح أهم لحظات الحياة بعد تأملها، بحلوها ومرها، بطهارتها وقذارتها، بسموها ودنوها، كي تغوص القصيدة آخذة إيانا في رحلة مع الشاعر الذي اعترف لي إن هذا هو أصعب دواوينه، ولكنني لم أعترف له بأنه أكثر دواوينه اقترابا من الآخر، لأن العولمة التي أصابت الهند ـ بعد انفتاحها المتأخر نسبيا ـ صدمت العالم، وأصابتنا، وبات ما يتحدث عنه مفهوما لدينا، ربما تختلف الأسماء، ولكن المعاناة متماثلة.

 

إن قصائد هيمانت ديڤاتي  أشبه بمرثيات لتاريخ اندثر وأحلام تكسرت وصور ذهنية تم مسخها، خاصة منذ حقبة ما بعد الاستقلال السياسي للهند قبل نحو 70 عاما. في هذه العقود الأخيرة فقد كل شيء معناه، حتى قصص الطفولة التي كانت تلون الأمسيات، في غيبة الكتب، تلاشت، رغم وجود  تلال الكتب اليوم. بالأمس كانت هناك قصص بلا كتب، واليوم هناك كتب بلا قصص، بكل ما تحمله مفردة القصص من معنى، قد يوازي طعم كل شيء مميز في الحياة:

“حطمت آنية الماء المصنوعة من الطمي

التي أهداها لي صديق

الهدية الوحيدة التي روت العطش

بالعطش

فلم يبق بعدُ عطش

والآن، بعد تجرُّع زجاجةٍ تلوَ الأخرى من المياه المعدنية

يبقى الظمأُ حيا لا يُروى عطشُه”

إخلاص الشاعر لمعلميه يبقى أثيرا ولافتا. لعلي أجد مثالا في قصيدته المهداة إلى أستاذه ومترجمه الشاعروالناقد والرسام والمخرج ديليب شيترا (1938-2009) تحت عنوان “طرفٌ من سيرةِ هذا الشاطيء من أجلِ شاعرٍ آتٍ من البرِّ البعيد”.

يمثل ديليب تشيترا أحد أهم شعراء الهند في مرحلة ما بعد الاستقلال. يتحدث هيمانت ديڤاتي  إليه كما لو كان يتحدث إلى نفسه بسر لا يستطيع اخفاءه، ويبدو أن مسعى الشاعر هو أن يسير على درب الراحل:

“من أي بِركةٍ أتيتَ لتَشاركني الحمضَ النووي الذي يُصارع من أجل لغة ما؟

من أيِّ علاقةٍ ستشاركُ بموسوعتِك السرية؟

وراء شاطئ من الجنون؛

لماذا ناديتني بتلويحة من يديك؟

وإذا وصلت إلى طريق مسدود فلماذا تحبني؟

وإذا سحقني ظل محبتك ستدوسني صرخات تأتي من وراء الجنون

لا أريد أن أشعر بصرخاتك

لا أريد الروابط التي لا نهاية لها بلغتك

لا أريد الإله السري للغتك

لا أريد أي شيء، أي شيء منك

وسأرى نهاية لغتي في لغتي

لأحيا أو أموت

في اللغة حتى فيما وراء جنوني

لقد نزعت الحرية من

مداعبة أثداء اللغة

أحيانا كنت تلمسها بقوة منتهكا لها

وتروِّعها حين تشاهد الفيديو الخاص بجنونك

ولكنها لم تنهمك معك

أنا أيضا جربت جمال الأعضاء التناسلية للغة

و الغابات المرسلة أميالا بعد أميال

أنا غاضب، غاضب منك ، غاضب 

لأنك شاطرتني كل شيء 

ولكنك اختفيت بصمت

ذهبت بعيدا بهدوء بعد قراءة القصيدة الخا

صة بك

ولم تنتظر أن تصغي إلى قصيدتي!

في هذه القصيدة المحورية أرى أن هيمانت ديڤاتي  لا يتحدث عن ديليب شيترا، وإنما هو يتحدث عن نفسه، ولذلك ـ ربما ـ لا يرثي صديقه قدر رثائه لنفسه، فالشاعر يسعى لتحرير اللغة التي داعبها وامتلكها، غازلها وشاطرها جسده وعقله، وإذا كان ديليب شيترا لم يصغ لقصيدة هيمانت ديڤاتي ، فنحن نقرأها، ونقرأ رسائله عبرها.

 

العلامات التجارية هي الأثر الأكثر وضوحا  للعولمة التي تلتهم كل شيء، فهي تتصدر أكثر المشاهد إخلاصا عند الصلاة في المعابد، وتسيطر على أكثر اللحظات حميمية في البيت، وتحكم أكثر اللحظات شيوعا في المتجر. كل شيء أصبح تحت سيطرة العلامات التجارية، وكأن الإنسان نفسه أصبح مجرد سلعة داخل علبة من القصدير في متجر الكوكب الأرضي، بشعار التسويق وسعر البيع وطريقة الحياة.

 

في قصيدته “العبثية” التي يختتم بها الديوان؛ تقرأها وكأنك تستمع إلى نشرات الأخبار، أو كمن تطوف عيناه بشرائط الرسائل القصيرة على شاشة قناة ما، أو مثل من يصغي لضوضاء صاخبة في المكتب أوالبيت أو الشارع. إنها الفوضى التي تغرق حواس الكتابة، ولكنها رغم ذلك كله قد تختزل في عبارة واحدة عمرا بأكمله.

الملمح الأخير الذي أود الإشارة إليه في تلك الالتفاتة السريعة للديوان هو قدرة الشاعر على إيجاز حدود العلاقات العائلية الإنسانية المعاصرة. ففي خضم كل شيء تتهشم الأطر الحامية للأسرة، وتصبح العائلة بمفهومها وتكوينها نثارا تذروه رياح الحياة المعقدة.

قد لا نملك القدرة على توريث ما أخذناه عن آبائنا، من تقاليد وأخلاق، للأبناء. وهي حالنا جميعا. إن هيمانت ديڤاتي  لا يتحدث عن نفسه، بل يتحدث عنا، ولا يقدم الهند الأولى أو الثانية، بل يقدم صورتها الثالثة، أو بالأحرى صورة العالم.

شاهد أيضاً

15327293_1177974565621596_4935990444522116679_n

رحيل الأديب والمترجم العراقي حسين الموزاني

“نحن نحفر في الصحراء القاسية من أجل أن نجد مساحات ابداع وحرية في كل مكان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *