الرئيسية / خبر رئيسي / في الحاجة إلى ابن رشد
4283276021460629576

في الحاجة إلى ابن رشد

*علاء الدين محمود

بين أيدينا كتاب «ابن رشد.. السياسة والدين بين الفصل والوصل» لمصطفى بن تمسك، الذي بقراءته لا بد من العودة إلى التاريخ، هذا التاريخ الذي يصور لنا، مشهد الفيلسوف ابن رشد قرب كتبه التي اشتعلت فيها نيران الغل والعجز، وإلى جانبه تلميذه يبكي، فالتفت له ابن رشد وقال: «إذ كنت تبكي حال المسلمين فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعاً، أما إذا كنت تبكى الكتب المحروقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير»، ويبدو هذا المشهد حاضرا جدا، في لحظة استدعاء المفكر والفيلسوف العربي الكبير أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد (520 ه- 595 ه)، (1126-1198م)، ويعتبر ابن رشد أحد كبار الفلاسفة في الحضارة العربية الإسلامية، وقد ترك للإنسانية مآثر من الفكر والفلسفة، وقد أسهم في الحضارة الغربية إسهاما كبيرا، وكان لتأثير التراث العربي فضلا كبيرا على تلك الحضارة، ولئن برز ابن رشد في الفلسفة فهو أيضا قد برز في مجالات أخرى كالفلك والفقه والسياسة، واهتمت أوروبا كثيرا بابن رشد، فاندفع الكثيرون إلى ترجمة مؤلِّفاته في هذا المجال، وانصرف الآخرون إلى دراستها والتعليق عليها.

355

وإنْ كان اسم ابن رشد كاد أن يُنسى في البلاد العربية والإسلامية مدة سبعة قرون، فقد ظل صداه يتردد في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي. وإذا كان أثره في الثقافة العربية والإسلامية قد بقي ضئيلاً، بل كاد يكون معدومًا، فإن تأثيره كان قويًّا نافذًا في تطوير الثقافة الغربية والفكر الأوروبي الحديث، هذه القيمة الكبيرة تجعل من المهم إعادة الاعتبار لفكر ابن رشد، في واقع متجدد يفرض فرضا استدعاء فيلسوف بقيمة ابن رشد.
هذا الواقع الذي تهيم فيه الأفكار المتشددة المتنطعة، التي تلبس لبوس الدين، فتقدم تزييفا لقيمه، وتفرغه من المحتوى الأخلاقي، ليصبح التشدد والعنف والتكفير واللا تفكير هي القيم التي يراد لها أن تسود، فتقف تلك الأفكار كحائط منتصب أمام محاولات التجديد والنهوض، بالتالي تمتلك أفكار ابن رشد، أجنحة بالفعل كونها راهنة، فالمفكر الكبير واجه ذات المحنة، فكان أن تم إحراق كتبه، وهذه الراهنية يتناولها مؤلف الكتاب الذي نحن بصدده وفيه يبرز الباحث التونسي خصوبة المقاربة الرشدية وقدرتها «البرهانية على التكيف مع عصر العولمة»، معتبراً أن راهنية ابن رشد هي بعينها راهنية القضايا التي أثارها، وقد طغت عليها إحراجات الفصل والوصل بين الحكمة البشرية والوحي الإلهي.

ولعل مشهد حريق كتب ابن رشد كان لحظة قاسية في تاريخ الحضارة الإسلامية، يقول الكاتب والباحث السوداني الخاتم عدنان مستدعيا هذا الموقف: «أحرقوا كتبه في أتون أشعلوه في كل المدن، ورأى العالم الشيخ حصاد عمره تلتهمه النيران، ورأى كتبه بخطوطها الرائعة وزخارفها الجميلة، التي خطها بأنامله الموهوبة، وهي تتلاشى في اللهب، كما رأى الكنوز التي خلفتها الإنسانية العاقلة من اليونانيين والفرس والهنود والعرب المسلمين، يبتلعها اللاعقل والجنون والمكر الوضيع»

بل عاش ليرى «سفلة الدهماء»، كما سماها بحرق مشروعه، وهي تطرده من الجامع القروي الصغير في أليسانة، وتمنعه هو وابنه من أداء الصلاة. وكانت تلك قمة المهانة الشخصية التي لحقت به، فهي تمثل لحظة منفلتة من السياق، يتناقض فيها الهوس الديني تناقضاً كلياً مع ذاته، ويصل في «حرصه المعتوه على الدين» إلى منع الناس من التدين!، الذين أحرقوا كتب ابن رشد كانوا يشعلون النار في رؤوسهم ذاتها، كانوا يحاولون القضاء على اشتعال أفكارهم، وتناقضاتهم وقلقهم وافتقارهم لليقين، بالقضاء على تجسيدها الخارجي الذي كأنه ابن رشد.

فما العقل سوى الشكوك والتناقضات والقلق، والأجهزة القائمة على حلها في العقل ذاته، ومن خلال الممارسة الفكرية والعملية؟ ولكن تلك الأجهزة لم تكن متوفرة للمهووسين، كان ذكاؤهم يوصلهم إلى مرحلة الشك، ويتركهم هناك في متاهته الموحشة، فيصيبهم رعب لا يوصف ولا يحتمل، يسعون إلى التخلص منه بأي ثمن.. إن حرق كتب ابن رشد كان شاهدا على لحظة غياب العقل، وفي واقع مازال يهيم فيه جنود الظلام، نستدعي ابن رشد، كمن يبحث عن كوة أو نفق للنور.
في هذا الكتاب «ابن رشد السياسة والدين بين الفصل والوصل» ومؤلفه هو مصطفى بن تمسك، وهو باحث تونسي حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، وأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان- تونس، وله مجموعة من الإسهامات الفكرية، ونشر له كتاب بعنوان: «أصول الهوية الحديثة وعللها»، يستدعي المؤلف ابن رشد مستعينا به فيما يسميه محاولة متواضعة لتسديد النقصان الفادح في الدراسات المتصلة بالديني والسياسي في تراثنا، ويتلمس «تمسك» طريقه إلى فكر ابن رشد خاصة في ما يتعلق بالدراسات الرشدية المتصلة بعلاقة الدين بالسياسة، فهي قليلة العدد مقارنة مع الأبحاث المتعلقة بإشكاليات الفصل والوصل بين الفلسفة والدين.

الكتاب صدر عام 2015 في 250 صفحة من الحجم المتوسط، ضمن منشورات مؤسسة «مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث» عن «المركز الثقافي العربي» في الدار البيضاء وبيروت، ويقول تمسك: «إن الكتاب يروم إلى تحقيق أهداف متعددة برمية واحدة»، تلك التي لخصها في: أولاً، هدف راهني يعنى بالتعريف بنموذج عربي وسيطي ناضل ضد تعنت رجال الدين وادعائهم امتلاك الحقيقة المطلقة، وعارض، أيضاً، التوظيف الأيديولوجي والسياسي للدين، وقد كان ابن رشد إحدى ضحاياه.

ثانياً، دحض الأطروحة المدافعة عن نظرية تلازم التطرف الديني الإسلامي بظاهرة العولمة، لأن التطرف الديني قديم قدم التراث العربي الإسلامي، وقد اقترن دوما بالتطرف السياسي.

وثالثاً، تحاول وسائل الإعلام الغربية والعربية الموالية إقناعنا بأن الصراع «ما بعد الحداثي» لم يعد حيوياً؛ بل هو ثقافي، وبناء عليه، فهي لا تقدم لنا حلولاً جذرية للقضاء على الأسباب العميقة للتطرف من الجهتين، بل تكتفي باستخلاصات متسرعة، من قبيل ما يذهب إليه بعض الدارسين من أن الأصولية أصيلة في الإسلام، وفي ظروف الأزمات تعود إلى الظهور، باعتبارها الجزء الأصيل من ماهيته.

يحتوي الكتاب على ستة فصول: الأول يبحث في المقدمات الميتافيزيقية للعلم السياسي، ويتناول فيها نظام الكون، ونظام الإنسان الأنطولوجي والمعرفي، ويبحث الفصل الثاني في مصادر ثقافة ابن رشد السياسية والدينية، ويتناول الواقع المعاصر، والتاريخ السياسي العربي الإسلامي، وفلاسفة الإسلام وفلاسفة اليونان، بينما يبحث الفصل الثالث في سياسة المدن ودساتيرها، ويتناول مبادئ النظر السياسي وقوانينه، وأنواع السنن وأصناف السياسات، ويبحث الرابع في شروط الحكم الرشيد، ويتناول الخامس السياسي والديني والفلسفي: الحدود الابستمولوجية والحدود المجالية، ويبحث السادس في محنة ابن رشد وانتكاسة العقلانية العربية.

يبحث الكتاب بشكل واسع في ظاهرة التطرف الديني، فظاهرة التشدد الديني بحسب مقدمة الكتاب، ليست وليدة أحداث ظرفية وعرضية مثلما تحاول مكنة الدعاية الغربية والأمريكية ترويجه، وربما افتعال ضربات استباقية على غرار ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر، فالتطرف الديني ليس وليد عصر العولمة، بل هو قديم، وبحسب الكاتب فإن كل من يحاول أن يوصل الظاهرتين وصلا عضويا وسببيا وحتميا، إما أن يكون فهمه محدودا، وإما أن يكون من تقنيي المعرفة يوظف مكتسباته المعرفية لخدمة استراتيجيات غير معرفية وغير أخلاقية، فالتطرف الديني قد اقترن دوما بالتطرف السياسي، ليضعنا المؤلف مباشرة أمام أطروحة ابن رشد فيما يتصل بعلاقة الديني بالسياسي، وفي ذلك نجد راهنية مدهشة، يرى المؤلف أنها قادرة رغم بعد مسافتها عنا أن تضيء لنا ما التبس في أذهاننا من مسائل كان ابن رشد قد واجهها في العصر الوسيط الأندلسي، ويعقد الكتاب مقارنة بين ابن رشد وفلاسفة غربيين، فيرى أن لحظة كارل ماركس، وأوجست كونت، وكانط، وروسو تجد مثيلاتها في تراثنا، فلحظة ابن رشد مماثلة شكلا للحظة كانط وروسو «الجمع بين المدينة والأمل في الدين» تتموقع ضمن استراتيجية رسم المناهج والحدود المعرفية بين سجلات المعرفة المختلفة، فالصراع الذي خاضه ابن رشد ضد رجال الدين، لم يكن سياسياً فحسب، بل منهجيا ومعرفيا بالأساس.

يلقي المؤلف ضوءاً كثيفا على التفكير السياسي عند ابن رشد، ويحاول أن يعيد إليه الاعتبار خاصة أنه قد تعرض للإهمال، ويرى الكاتب أن مما يبعث على الاستغراب أنه على الرغم من أهمية الثقافة الاجتماعية والسياسية والدينية في فلسفة ابن رشد، فإن غالبية الدراسات اعتنت بالمسائل الفلسفية والدينية، وتعمدت عزلها عن بيئتها الواقعية، ولم تر في هذه الفلسفة سوى مجرد اجترار لفلسفة أرسطو وانبهار بها، ويستشهد الكاتب بإرنست رينان الذي قلل من أهمية الجانب السياسي والأخلاقي في فلسفة ابن رشد، زاعما أن سياسة ابن رشد لا تنطوي على كبير إبداع كما هو منتظر، وهي ذات الرؤية التي يحملها إروين روزنتال الذي يرى أن ابن رشد قد اتخذ الفلسفة السياسية الأفلاطونية مأخذ الجد، وقبل بنتائجها.
ويخلص الكاتب في هذه النقطة إلى أن المستشرقين الغربيين كانوا يقللون من أهمية الجوانب السياسية لدى فلاسفة العرب، ويرى المؤلف أن التفكير السياسي الرشدي يتعاطى مع معطيات متنوعة: أولاً، الواقع المعاصر ويعني به الكاتب البيئة السياسية والاجتماعية والدينية. وثانياً، التاريخ السياسي العربي الإسلامي كما نقله المؤرخون. ثالثاً، الفلسفات السياسية اليونانية لكل من أفلاطون وأرسطو، وهذا جعل بعض المعاصرين يخلعون عليه صفة الفيلسوف المتعدد، أو ما صار يعرف في الرشديات المعاصرة ب«ابن رشد المتعدد».

يخلص الكتاب في خاتمته إلى أن الدين الموصول بالسياسة ليس دين الفقهاء المتزمتين، ولا دين الفقهاء المتزلفين للبلاطات، بل هو دين الفضائل والفضلاء؛ أي «صفوة الأخيار». ويذكر لنا ابن رشد نماذج تاريخية من هذه الصفوة، على رأسها النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين، وابن تومرت، وأبو يعقوب يوسف، ويرى الكاتب أن حاجتنا لابن رشد، هي من جنس حاجتنا إلى منهج يفصل المعقول عن اللامعقول، هذا الفصل الذي يعني غيابه هيمنة خطاب العنف والإقصاء والتخلف، ويوضح الكاتب أن ما يهم من الظاهرة الرشدية اليوم ليس اسم الرجل ولا شهرته الكونية، ولا أيضاً بحثاً عن مشروعية عقلانية تراثية، فابن رشد رمز للمكبوت العقلاني في ماضينا، إنه يحيا بيننا داخل حداثة لا تريد أن تحدث، طالما ينثني هذا التراث الجبار على ذاته رافضا الانفتاح على منطق التاريخ، هنا بالذات تبدأ بوابة الحداثة العربية المعطلة.

الكتاب يعيد قراءة ابن رشد مجدداً، كونه راهنا كراهنية القضايا التي أثارها، ويستعين به الكاتب على التحديات التي تجابه الواقع العربي الإسلامي، وقضايا التشدد والتطرف الديني التي تواجه العالم العربي، في عصر «داعش» والتنطع باسم الدين، وفي الكتاب متعة كبيرة خاصة أنه يستعيد سيرة وفكر أكبر الفلاسفة المسلمين، ويطوف بيننا في ما هو مخفي في تلك الفلسفة، أو ما هو شحيح في التناول، خاصة في محاولة فهم ظاهرة التطرف الديني في العالم العربي، والكاتب يغوص في فلسفة ابن رشد لفهم هذه الظاهرة والتعمق في أسبابها البعيدة، ومن هنا يصبح من الطبيعي جدا استدعاء فيلسوف بقيمة ابن رشد.

____
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

_1760_u4

المعنى السوسيولوجي للثقافة

*إبراهيم الحيدري عندما نتحدث عن مفهوم الثقافة عموما يجابهنا خلط والتباس لا بد لنا من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *