الرئيسية / نصوص / حديث الخريف
ksh-1

حديث الخريف

خاص- ثقافات

*ميساء البشيتي 

أنتَ الخريف والخريف أنتَ فلا تحاول أن تخضرَّ كالربيع أو تمطر كالشتاء أو تحلِّق كالصيف؛ فالخريف يحلو بك، يزهر بك، من عينيك يهطل عنبًا قرمزيًا ولوزيًا يفترش الأرصفة والساحات، ثم يغدو أنشودة من لهب إن مالت عليه الجدائل الشقراء وقبلَّت منه الوجنات، ويبقى هو الخريف.
تَزبِد وتَرغي وتُعربد قصائدك في أضيق أفق، ثم تمطر حروفًا من غضب، أركض أنا في الممرات الممنوعة من الصرف لألملم هذا الغضب قبل أن يشتعل، ومع ذلك تأتيني في يومٍ غير منتظر، تحمل إليَّ في قلبك زهرة فواحة في آنية من ورق.
لا تقل “أحبك” فلقد أصبحت أكذوبة الشعراء! ولا تقل اختزلي المسافات بيننا، واقتطعي عقدين أو ثلاثة من هذا العمر الممتد على أرصفة الشقاء لنعود معًا إلى مقاعد الصبا فأحفر اسمك على كل أشجار الحيِّ القديم وما جاوره من الأحياء؛ فالخريف لا يليق به الكذب.
أهديتني قطة تموء طِوال الوقت، لا أفهم حديث القطط أنا. أنا أكتب الشعر على جُدر الغرباء، لا يفهمون حديثي، نعم، ويمرون عنه مرور عابري السبيل بالأراضي الجرداء، لكنك أنتَ تفهمه وتدركه ويلامس شغاف روحك وقد يصيبك في مقتلٍ! وتصرُّ على أن مواء قطة بريِّة أكثر شاعرية من أحاديث العشاق.
أدركت لاحقًا أنني لا أستطيع أن أسند الجدار الذي أسقطه القدر بكلتي يديّ وإن اجتمعتا، لكنني أستطيع أن أسند برعم زهرة هاجت عليه الريح بطرف إصبعي؛ فلماذا إذن أركض طِوال الوقت لأرسم الكحل في حدائق عينيك؟!
مع ذلك فأنا أصبحت أحب مواء القطط البرية، وألمس شاعرية حديثها، وأصرُّ بكل ما أوتيت من عزم أن أسند بكفيِّ المتعبتين الجدار الذي أسقطه القدر، وأن أسرق الزهرة الوحيدة التي نجت من زلزال بابل وأداعب بها صباحك وإن شئت أن تزمجر في حينها فلك ما تشاء؛ فالخريف لن يمطر ويزهر ويحلق  دون ربيع أو صيف أو شتاء، ومواء قطة برية لن يكتب قصيدة أو يضيء شمعة في معابد الشعراء، لكن حديث الخريف وإن كان زمجرة ريح وصَخَب حبات مطر فسيبقى حديث كل الفصول ولن تسقط أوراقه من دفاتر الشعراء.

 

شاهد أيضاً

12278956_1138527649510434_3756420391345557967_n-1-1-1-1-1-1-1-1

قصص قصيرة

خاص- ثقافات *محمود شقير حائط قديم        اسمي حليم.      اقتربتْ مني وقالت: هيّا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *