الرئيسية / قراءات / وقوف بباب السماء للشاعر جمال قصودة
jamal

وقوف بباب السماء للشاعر جمال قصودة

خاص- ثقافات

*أحمد الشيخاوي

شعرية الماء في القصيدة العطشى للمجد المسلوب

كأنما حدث بالأمس القريب فقط ، سقوط غرناطة والأندلس، ليضل لنا طربهما كإرث من حضارة أفلت، وأحيانا كثيرة تستبدّ بنا غصص استشعار أن نظير ذلك التراث الثقافي لا يصلح ترياقا حتّى ، لروح مكلومة وحائرة تندب مجدها المسلوب.

من منا لا يذكر كيفة سقوط بغداد أيضا؟ لتصعقنا بخيبات الغريب في بيته، وتجعلنا نعاود ــ مكرهين ـــ معايشة سيناريوهات تداعي الأكلة الدخلاء إلى قصعة كنوز بلاد العرب، بتواطؤ مع الخونة الأنذال من بني جلدتنا.

 جمرة متّقدة بين الجوانح ، ها هو الشاعر التونسي المبدع جمال قصودة ، عبر أحرفه الهامسة، والغضبى حدّ الطعن بعراء المعنى، يباشر النفخ مستحدثا لظى العزم في جيل الهزيمة والانكسار، لعلها تعويذة لاسترداد العقول التي ذهبت بها السكرة أحقابا ، أو طقس مستنسخ من الطاوية ربما يغذي فينا جذوة اكتشاف الذات باعتبارنا أول الجهلة لخبايانا ولخزائن ما خفي على الآخر، لا… بل هي تشبه يوغا  تفسح لنا في متاهات الحلم بغرض منحنا فرصة جديدة لترتيب البيت وجني ما تشتهي الذات المتشظية.

*وقوف بباب السماء

تحوي العتبة مثلما بضع ومضات تدبّج جسد نصنا وهو قيد الدّرس، تمثلات تكاد تختزل سرّ الوجود ، وتنثالنا برؤى استباقية وإن أوغلت في جرح الوراء وتورّطت بمغازلة معجم الذاكرة.

إنها لا تجلو غبارا عن أمم خلت وتواريخ انفرطت فقط، لتحاصر ذاكرة النسيان بجملة أسئلة وجودية وصوفية ،بل تتخطى ذلك وتقفز فوقه إلى مقارعة العقول البور والأرواح الذابلة،بالصفحات الأكثر إشراقا من سيرة العرب.

التاريخ خير شاهد وخير معاقب كذلك، ودوما هناك أمل،إذ العزاء في نصر ذي قار ،وسلب الفرس هيبتهم ، بعد صولة دنّست الأرض والعرض ، واستأثرت بالزرع والضرع ،وبالغت في رسم ملامح ميتة الملك النعمان،المكنى أبيت اللعن قبيل منعطف مساومته في شرف بناته ، وإبان رفضه المطلق للتبعية والهيمنة واستنزاف ثروات الجغرافيا العربية المتاخمة لحدود الأعادي العجم.

فكان أن اصطبغت الصحراء بالدم ، كضريبة ليس ثمّة منها بدّ ، مقابل ذلك النصر التاريخي المبين المصحوب بعزة وكرامة ذاق كأسها نشوتها كل العرب.

ليظل هاجس الماء ،كما هو مكتوب عليه وللأبد ، حاضرا وملحّا وقويا. الماء في شتى معانيه التي لا تعدّ ولا تحصى.

وليظل هاجس الماء ،كثغرة تقودنا إلى بعض مراد شاعرنا من عزف هذه السيمفونية الموجعة و المزدانة بشعرية الملاحم.

”  هنا مستراح لقافلة المتعبين

ينيخون ملء الوجوه غماما

فتعلو التسابيح:أن يا سماء

أما من رياح تقود السحاب إلينا

مكثنا

و طال المقام بأرض بتول

مررنا بسبع عجاف

فهام القطيع على غير درب

و دقت نواقيس موت

يغذيه صوت الخراب

فطوبى لحادي الكلام……

و طوبى لصوت اليباب……

***

نمرّ مرور الحمام

و نأبى المقيل بكف تمد…….

فتنأى بنا الأمنيات بعيدا

لدى كل نجم نبيت

فكيف تمد إليك اليدين السماء؟؟؟

وتلك القرى

خلفها غفوات

وتلك القرى خلفها فلوات

وخلف الفلاة…..فلاة

وأنت المرابط دوما أمام القبور شمال الشتات

فقلها إذا:

لنا نجمة لم يزل في ملامحها ما يعيد السؤال:

أعدها….

فذا السومري يروم رحيلا

بغير شراع

سنترك للريح حزنا تكلس بين الضلوع

ونمضي إلى نجمة واحدة

***

مؤجلة …يا قصيد

جميع الحروف إلى موعد بعد ليل طويل

سأمسك فجري البعيد

فيا ليل لا ترتجف في يدي عالمان

و إنّي على بعد جرح وقفت

و ما كان لي غير جرحي دليلا

و إني أرى ما يراه المريد

قبيل العروج الأخير

جدار يميد على جانبيه….و يهمي

سؤال شريد:

لماذا نطيل الوقوف بباب السماء

ونحن أمام حصار جديد؟

***

ونحن بغير حجاب نرى النجمة الآفلة

فذي سدرة الوهم تخبو

وذي غيمة غافلة

وإنا سمعنا التراتيل …أنصت

يضيق بوادي “العقيق ” الصهيل

ويهمي سؤال جديد:

أفي وسعنا أن نعيد الهلال الخصيب البعيد؟

***

ألا قل هو الحلم

فارتقبوا الراجعين إلى مدن من تراب

وأنى نولي الوجوه

فثمة أم تصلي لقافلة العائدين

ألا لملمي الدمع أمي

ستعلو الزغاريد في ربعنا

ثم يعلو النشيد…. “

قد تشرد الكلمات،لكنها وفي كل مرة ،ها هنا ، تقترف ما يجذبها إلى جذر السياق.

لله در شاعرنا وهو يلملم من درر المعاناة في تلبّس الصوت الجمعي لها ، ويزخرف بريشة موهوب جمّلته الدربة والمراس،مسافات السرد ليحيك هذه الفسيفساء المولّدة فينا مليّ الإصغاء.

كمعادل للحياة ، لقد صنع الماء مذابح جمّة كما تخبرنا بذلك الحقائق والحكايات والأساطير، معريا الذات إلا من خشوع استمطار الرجاء.

هذا ما تلمّح له أسطر الصمت ،وتفضحه فينا كتابة اليباب ،ويستعصي استلهامه من صهيل وادي ” العقيق ” كثيمة أنفذ سلطة وأسطع بروزا وطغيانا على روح نص ملحمي بامتياز.

فالأرض بتول والحصار متجدد وقافلة العائدين بنكهة تخمينات استشرافية ونبوءات تدمغ الغيب.

ألا والقبلة نجمة واحدة لا أكثر، كناية لمنظومة ما يوحدنا وينتصر للهوية والانتماء ويكفكف دمعة الأم ويرتق الفتق، ونكاية في خزعبلات وشيطنة ما يبقينا أسرى حال الفرقة والتنافر والتطاحن والتفتّت والشتات.

نستشفّ ذلك وأكثر ،من جماليات كأنما أطالعها بذائقتي ،مستسلما لخطو القلب الجريج في رقصته المخاتلة لنبض مجد كان.

شاهد أيضاً

almaghribtoday-بليغ

اِسْتِرَاتِيْجِيَّاتُ مَا وَرَاء المَعْرِفَةِ وتَنْمِيَّةُ المَهَارَاتِ اللُّغَوِيَّةِ

خاص- ثقافات صدر عن دار ( نور نشر  NOOR PUBLISHING) الألمانية   كتابا جديدا للدكتور بليغ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *