الرئيسية / إضاءات / من يوميات نجيب محفوظ
246022_0

من يوميات نجيب محفوظ

*بوداود عميّر

لا تكمن ربما قيمة صاحب جائزة نوبل للآداب سنة (1988)، فيما أنتجه للأدب العربي والعالمي من أعمال قصصية وروائية متميّزة فحسب، ولكن أيضا في جملة من المواقف والممارسات، التي طبعت شخصيته في تعامله مع النّاس والأشياء، في تواضعه، في انضباطه، وفي إخلاصه لعمله وإبداعه، بشكل يبدو لنا مستغربًا، غير مستساغ بشكل أو بآخر، داخل منظومة قيـّم عربية، تُكرّس إنتاج فوضى التّعامل مع الحياة والأشياء كقيّم سلبية، باتت للأسف سائدة لا سبيل فيما يبدو للخلاص منها.

ولعلّ في مسار نجيب محفوظ (1911-2006)، الحافل بالوقائع والأحداث، ثمّة العديد من المواقف التي رواها بنفسه، أو تداولها بعض من أصدقائه المقربين، عبر وسائل الإعلام، وكأنّ الأمر يتعلّق ببيئة ومجتمع آخر غير البيئة العربية أو المجتمع العربي، أو كأنّ الأمر يتعلق بحقبة زمنية ضاربة جذورها عبر اشراقات التّاريخ.

6
لقد تصادف مثلا أن كان الأديب يحيى حقي(1905-1992)، رئيسا على المصلحة التي كان نجيب محفوظ موظفًا بها، وقد أبدى حقي استغرابه، كيف أن نجيب محفوظ – الكاتب المعروف – يقوم بالتزامات التحية والاحترام نحوه، مثلما يقوم بها الموظّفون في الإدارات، وهكذا طلب يحيى حقي من نجيب محفوظ بوصفه كاتبًا مشهورًا، أن يمتنع عن تحيّته، ليجيبه صاحب «زقاق المدق»: «كموظف أعطي الوظيفة حقّها، فأنت مديري رغم الصّداقة والعلاقة الإنسانية، لا أعرف غير ذلك سلوكًا، من موظّف نحو رئيسه، حتى لو كانت صداقتي به تبرّر لي أن أعامله بغير ذلك… أقوم بها كنوع من التّحية وأدب الوظيفة»، وقد صرح يحيى حقي ملخصا تجربة عمل امتدت لسنوات في الهيئة ذاتها: «ليس في نجيب محفوظ ذرّة واحدة من طبائع الموظفين، ليس في حياته كلها سعي وراء درجة، أو علاوة، أو افتتان ببريق السّلطة، أو أبهة المنصب، لقد كان موظفًا مثاليًا لم يحدث له أن تأخّـر عن الوصول إلى مكتبه، ولو دقيقة واحدة».

1_70962_1_34
لقد كان حريصًا على الالتزام بتوقيت العمل واحترام مسؤوليه، حتى وهو الكاتب الكبير والمعروف الذي لا يمكن على أيّ حال أن يطاله العقاب الإداري، كما أننا لا نضيف شيئًا، لو قلنا أن الرّجل كان دقيقًا في حياته، في كتاباته، في قراءاته، في مواعيده، وفي جميع ما يتعلّق بنواحي حياته، وعلاقته مع الآخرين، بما نسج عنه الكثير من المواقف، التي تثير ما يشبه الدّهشة والاستغراب، لدى فئات كثيرة من مجتمع تعوّد على الاستهتار بالوقت، والتّخلف عن المواعيد.

بعد حادثة الاعتداء الإرهابي الذي نجا منه بأعجوبة(في أكتوبر 1995)، توقّف فترة زمنية عن الكتابة مُكرهًا، ومع ذلك كان حريصًا على التّواصل مع القارئ، أو ما أطلق عليه «تمكين الحضور»، فقد كانت مجلة «نصف الدّنيا»، تنشر له، بانتظام، مجموعة من القصص القصيرة خلال تلك الفترة، على أساس أنها قصص جديدة، غير أنها في الواقع، كانت قصصا من رصيده السّابق، أي قبل حادثة الاعتداء، لم يسبق له نشرها، «إنها من الرّصيد، بين الحين والآخر، أُرسل قصّة، حتى يستمر الحضور»، أو كما قال.

وعندما استرجع عافيته، تمكّن من إتمام نصوص سردية، رغم آثار الشيخوخة، وضعف البصر وتبعات الاعتداء، النفسية والجسدية، وهما: «أصداء السّيرة الذاتية»(1995) و«أحلام فترة النقاهة»، الذي لم يصدر سوى عام 2004، وهي نصوص تميّزت بالتكثيف والاقتصاد في اللغة، حيث تتقاطع فيها الكتابة الشعرية مع الكتابة السردية، وقد كان يكتبها أولاً في ذهنه، ثم ينقلها إلى الورق مغمّض العينين، كما قال صديقة جمال الغيطاني، والمدهش حقًا أنه لم يتوقّف عن كتابة الأحلام، التي كان يبعثها إلى المجلة المصرية «نصف الدنيا»، والمجلة الفرنسية «لوفيغارو ماغازين»، إلا حين اضطرّ، نتيجة تردّي وضعه الصّحي، إلى التزام المستشفى، أين وافته المنية.

5905b7a9828fd8935a531c0efa9e03a6
ولعل من بين آخر حلم كتبه، كما نشر في المجلة الفرنسية، هذا الحلم الذي ينطوي على كثير من الإيحاءات والرّموز: «رأيت ناصراً في الحلم، وهو يعطيني رغيف خبز من نوع خبز مصر العليا، وهو يمتاز بأنه قاسٍ، ومطبوخ على ضوء الشّمس، لقد أعطاني إياه وطلب مني أن آكله».

لم يتبع مسار مواقفه إلا ما يعتقد أنه صواب، ورغم تحفّظ عدد كبير من المثقفين المصريين والعرب، على مواقفه المؤيدة لاتفاقيات كامب ديفيد(1978)، بين القاهرة وتلّ أبيب، بما في ذلك رفاقه المقربين إليه، لكنه كان متشبثا بمواقفه الدّاعية للسلم وثقافة الحوار، ومما يرويه الكاتب جمال الغيطاني (1945)، وهو واحد من ثلة الكُتّاب المقربين له، إلى جانب يوسف القعيد، والفنان أحمد مظهر، والمخرج توفيق صالح، أي ما كان يطلق عليهم الحرافيش، أنه تحدّث معه مرّة، في إطار ما كان يُطلق عليه الغيطاني المجالس المحفوظية، عن كتاب علمي صدر في القاهرة يتناول البحث العلمي في إسرائيل، ويقارنه بالبحث العلمي عند العرب، أخطر ما فيه إحصاءات تقول أنه تمّ تسجيل ستمائة وأربعين براءة اختراع علمي في السّنة في إسرائيل، مقابل أربعة وعشرين فقط في جميع الدّول العربية، وأن الجامعات العبرية، تضمّ مراكز بحث متقدّمة، وهي على صلة قوية بمراكز البحث المتقدمة في جميع أنحاء العالم، وهكذا أبدى نجيب محفوظ دهشته، هزّ رأسه مرتين عندما طال صمته، أدركت – يقول الغيطاني – أنه يقلب الأمر، وبعد وقت يطول أو يقصر سيتحدّث مبديًا رأيه، أو قد ينسى الأمر كلّه وتلك كانت عادته في الإصغاء. مضت فترة قليلة من الوقت ليقول معقبا: «ولكن، أين ستذهب هذه الاختراعات؟»، تساءل نجيب محفوظ، ثم أجاب: «أكيد أنها ستصبّ في مصلحة البشرية، في النّهاية يعني سوف نستفيد منها… ». استمعت – يقول الغيطاني – إلى كلماته المعبّرة عن نظرة إنسانية شاملة، تتجاوز التّوقيت الرّاهن الذي نعيشه، ولم أنطق استفسارًا جال عندي: «وماذا عنا نحن؟.

سيظل عالم محفوظ رحبًا، ملتبسًا، يثير الكثير من أسئلة الدّهشة، كانت فلسفته في الحياة كما في مساره الأدبي، بسيطة، ولكنها كانت عميقة الأبعاد، اختزلها في ثنائية حبّ النّاس، وحبّ الحياة.

________
*مجلة نفحة

شاهد أيضاً

cu_111_6

الجُذُورُ التَّارِيخِيَّةُ للهَمْسِ السِّيَاسِيِّ

خاص- ثقافات *الدكتور بليغ حمدي إسماعيل يحظى التراث العربي منذ تدوينه بثقافة يعدها البعض استثنائية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *